توما حميد

هل يفقد الدولار الامريكي مكانته كالعملة الاحتياطية العالمية؟

(2-2)

لماذا تقبل الحكومات البرجوازية العالمية بالدولار الامريكي، كعملة احتياطية عالمية مهيمنة على العالم؟

تجري في هذا العالم المترابط بشكل وثيق من خلال الانترنيت واشكال التواصل الاخرى والمواصلات السريعة كمية كبيرة من التجارة والتبادل التجاري. تنتقل البضائع والخدمات بين بلدان تستخدم عملات مختلفة. هذا يتطلب التعامل مع سوق تبادل العملات الذي هو جزء من التجارة. ما يعقد هذه العملية هو ان سعر صرف الكثير من العملات غير مستقر. اذا يتوجب على التاجر او منتج البضائع والخدمات مراقبة سعر العملة للدول التي يتم بينها التجارة، لان اي تغير في سعر العملة قد يؤدي الى زيادة الربح او انخفاضه وحتى اختفائه، بغض النظر عن كمية ونوعية البضاعة والخدمة المنتجة. يمكن تفادي المشاكل المتعلقة بتذبذب سعر العملات اما عن طريق عقد اتفاقات بين الحكومات لإبقاء عملاتها في علاقة مستقرة او التعامل بعملات مستقرة .

تعتمد قدرة الحكومات على الالتزام بتعهداتها فيما يتعلق بسعر صرف العملة، على مدى استقرار هذه الحكومات واستقرار اقتصادياتها. عندما تكون دولة او مجموعة دول في وضع بحيث لا تكون قادرة على احترام اتفاقاتها فيما يتعلق بسعر صرف العملة، يكون من الاسهل التخلص من تلك العملات غير المستقرة واللجوء الى عملة مستقرة والتعامل بها. كان الدولار الامريكي منذ الحرب العالمية الثانية هو العملة الاكثر استقرارا والحكومة الامريكية اكثر الحكومات رسوخا وموثوقية وقدرة على المحافظة على قيمة عملتها، لذا فاذا كانت هناك مشكلة في اي مكان في العالم، يمكن ان تحل عن طريق التعامل بالدولار وتحويل الاموال الى عملة الدولار.

ان التعامل بالدولار اسهل وارخص من التعامل باي عملة اخرى لعدة اسباب منها وجود كميات كبيرة من الدولار نتيجة ضخامة الاقتصاد الامريكي، وكون النظام البنكي الامريكي كفوء ولاستقرار سعر صرف الدولار لحد الان والثقة به وكونه مدعوم باقتصاد قوي. لذلك فاكثر من 60% من احتياطي النقد الاجنبي العالمي التي تحتفظ به البنوك المركزية حول العالم كوسيلة للوقاية من التضخم والتصدي للطوارئ هو في الدولار الامريكي. وان الكثير من القروض من قبل الدول تكون بالدولار، وليس في عملات تلك الدول و90% من التحويلات التي تحدث في اسواق الصرف العالمية هي بالدولار.

تستفاد امريكا بشكل هائل من هذا الوضع، اذا يساعدها على اقتراض بتكلفة قليلة، ويمكنها من الاقتراض كميات هائلة وبامكان البنك الاحتياطي الفيدرالي طبع كميات هائلة من الدولار، قبل ان يبدأ الدولار بفقدان قيمته وحدوث التضخم. كما لاتقوم البنوك والشركات والحكومة الامريكية مثل دول اخرى بتحويل عملتها الى عملة اخرى قبل القيام بعمل تجاري خارجي ودفع رسوم على هذه العملية. ونتيجة كون الدولار ملاذا امنا، تتجه الكثير من الاموال الى الاسواق الامريكية، وخاصة في وقت الازمة، مما يتسبب في تشجيع الحركة الاقتصادية.

هل يفقد الدولار مكانته؟؟

يعد من مصلحة معظم الدول والمستثمرين في كل ارجاء العالم ان لا يضطرب الوضع والتوازن الحالي، اذ يحتفظ المستثمرون الاجانب، بما فيهم البنوك المركزية، بحوالي 6 تريلون دولار من سوق السندات، بالإضافة الى ترليونات من الاصول المقومة بالدولار. كما انه ليس هناك بديل جيد في الوقت الحاضر لكل من يريد التحول الى عملة اخرى.

ولكن بدا الوضع اليوم يتغير، اذ بدأ ينظر الى المجتمع الامريكي كونه مجتمع غير مستقر، مقبل على تحولات، وينظر الى امريكا كمصدر للمشاكل وليس للاستقرار، وخاصة بعد الحزم المالية الهائلة التي استخدمت لإنقاذ الشركات الامريكية في الازمة الحالية والحروب التجارية التي تشعلها مع اكثر من جهة. لا يبدوا ان هذه السياسات تشارف على النهاية مع نهاية ولاية ترامب. لايريد الكثير من المستثمرين  


تحويل اموالهم الى العملة الامريكية، اذ يتوقع ان يحدث تضخم في امركيا ويفقد الدولار الكثير من قوته، وخاصة ن الازمات الاقتصادية المتتالية تجبر الحكومة الامريكية على طباعة كميات متزايدة من الاموال وضخها في الاسواق وانقاذ شركاتها، مما ينذر بحدوث تضخم عند مرحلة معينة. وهناك الكثير من المؤشرات بان تتفاقم ازمة الاقتصاد الامريكي بشكل مستمر. لذا يلجا الكثير من المستثمرين الى الذهب، كمكان امن لحفظ الاموال. ولهذا نجد في هذه الفترة الغير المستقرة وخاصة بعد ازمة كوفيد- 19، ان سعر الذهب يرتفع بشكل هائل. طبعا لايعود كل الارتفاع في سعر الذهب لاسباب اقتصادية، بل ان نفس هذا الارتفاع والتحرك في سعر الذهب يدشن عملية مضاربة على سعر الذهب بدافع الربح، فتصبح التجارة بالذهب اكثر مربحة بالنسبة للمضاربين، فالزيادة في سعر الذهب يؤدي الى المزيد من الارتفاع في سعره.

من جهة اخرى، ان صعود اقتصاديات اخرى وفقدان امريكا لمكانتها يجبر امريكا على اتخاذ اجراءات من اجل ايقاف صعود تلك الاقتصاديات مثل اقتصاد الصين واوربا، وهذا يجبر دولة مثل الصين على الابتعاد عن الدولار، مما يقوض مكانته كالعملة الاحتياطية العالمية. ان تحول اي عملة الى عملة عالمية يحتاج الى مقومات مثل وجود اقتصاد ضخم واستقرار سياسي واقتصادي وامن يضمن الاستثمار والسيولة المالية والنمو الاقتصادي، وهي كلها يمكن ان تتحقق من قبل الصين بشكل خاص، ومن قبل اورباالى حد ما. بمقابل هذا الوضع، فان الولايات المتحدة باتت تصبح قوة معادية، لايمكن التنبؤ بتصرفاتها ويواجه مجتمعها مشاكل وتشققات هائلة قد تنفجر. ان فقدان الدولار لمكانته المطلقة وصعود عملات اخرى موازية هو مسالة وقت. ولكن حسب معظم خبراء الاقتصاد قد ياخذ عقد من الزمن او اكثر. مثل هذا الحدث سيكون ضربة هائلة لامريكا وستعيش اجزاء من امريكا ظروف البلدان الفقيرة (العالم الثالث). ان فقدان الدولار لمكانته ووجود او صعود اكثر من عملة عالمية هو في مصلحة القوى التحررية اذ يجردها من هيمنتها العالمية واستغلال هذه الامر لمساعيها العدوانية تجاه البشرية ويعطي للأخيرة هامش اكبر للعمل دون ان تتعرض الى ضربة من امريكا بشكل او باخر.

 

 

 

 

 

مقالات