سمير عادل

عاشوراء والإسلام السياسي الشيعي في حرق مقر قناة دجلة


لم تستغل قضية في منطقتنا أفضل استغلال مثلما استغلت القضيتين الفلسطينية و(عاشوراء-مقتل الحسين). فالأولى استغلتها الحركة القومية العروبية بجميع أجنحتها السياسية والثانية استغلها الإسلام السياسي الشيعي. فإذا كانت القضية الفلسطينية جزء من الهوية القومية العربية، فأن مقتل الحسين والاحتفاء السنوي بذكراه هو جزء من هوية الإسلام السياسي الشيعي. كلتا القضيتين هي من أجل التعمية في المجتمع والوصول إلى السلطة، وتحت عباءتهما ترتكب المجازر وتصدر الفتاوى وتباح دماء كل معارض سياسي او من يهدد عرش سلطتهما.

 

وليس سرا عندما فجر الطائفي بامتياز نوري المالكي حربه القذرة ضد معارضيه تحت عنوان انه مع جبهة الحسين ضد جبهة يزيد في خطابه في مدينة الناصرية عام ٢٠١٤ ليسلم بعدها ثلث مساحة العراق الى دولة الخلافة الاسلامية. وقد لقب المالكي نفسه بمختار العصر تيمنا بمختار بن يوسف الثقفي  (1 هـ / 622 م - 67 هـ / 686 ) الذي حمل شعار (يالثارات الحسين) ليؤسس دولته في مدينة الكُوْفَة تحت شعاره لضرب كل معارضيه وتثبيت سلطته، وارتكب خلالها الأهوال والويلات والمجازر  بحق معارضيه كما يرتكبه أحفاده اليوم في العراق في ابادة دماء المتظاهرين واغتيالهم.

 

من هذه الزاوية يجب النظر الى حرق قناة (دجلة) في مدينة بغداد وامام أنظار حكومة الكاظمي وحراسه ومخابراته التي كان يترأسها وقواته من مكافحة الإرهاب. ان المفارقة في خطاب الميليشيات التي هاجمت قناة (دجلة) بأنها أي (القناة) استهترت بمشاعر المسلمين وبالسنة النبوية عندما بثت اغاني في يوم عاشوراء، ولكن عندما يضربون حرية التعبير بعرض الحائط ويفرضون طقوسهم على كل من ليس معهم بالعنف، فهذا ليس استهتار و لا يصب في خانة الاستهتار بحقوق الإنسان!!

 

 اي بعبارة اخرى ان خلود الأفكار والعقيدة اسمى بما يقارن في منظومتها الفكرية والسياسية مع الانسان. لأن تلك الأفكار والعقائد تبقيهم في السلطة لممارسة كل أشكال الفساد في الدنيا اما الاخرة فيصدر إليها المعارضون.

 

الا ان القصة ليست محصورة بحرية التعبير ولا بالخطاب الذي اعلنه الكربولي صاحب القناة بأن برامجها تشمل ناس خارج العراق ومن مختلف العقائد، بل هي أكبر من ذلك بكثير. انها قصة استعراض المليشيات الشيعية لقوتها واعادة انتاج وجودها السياسي والعسكري على الساحة السياسية.

 

وعليه يجب البحث عما وراء حادثة حرق قناة (دجلة) من قبل المليشيات الاسلامية ، وهو تداعيات (انتفاضة اكتوبر) على مكانتها، سواء في عمليات السرقة والنهب التي تقوضت كثيرا خاصة بعد سيطرت القوات الموالية للكاظمي على المنافذ الحدودية وعلى غلق عدد من صالات القمار ومحلات بيع المشروب التي كانت تدر الاموال عليها، او على مكانتها الاجتماعية وافلاس جميع اوراقها السياسية وخاصة بعد انتهاء سيناريو داعش. انها  أجواء انتفاضة اكتوبر التي مهدت الارضية لإنهاء وجودها في مدينة الناصرية، مما دفعها للتفاوض مع الكاظمي وفي بيت العامري قبل ايام في اجتماع جمع قادة المليشيات الإسلامية وأحزابها للحد من هجوم الجماهير وحرق وتدمير مقراتها، والسعي للحفاظ على مكانتها أو استردادها على الاقل في البصرة من خلال ضرب المتظاهرين الذين يتجاسرون على حرق مقرات المليشيات.

 

لقد جربت هذه المليشيات ورقة (المقاومة والممانعة) وجربت قبلها ورقة (داعش) ولكنها احترقت جميعا في كوة انتفاضة اكتوبر، والان جاءت مناسبة عاشوراء، كي تستغل بأفضل وجه ومحاولة لإعادة انتاج وجودها العقائدي اولا من خلال توظيف جميع امكانياتها المالية في احياء الذكرى بالرغم من تفشي وباء كورونا ضاربين بعرض الحائط صحة الإنسان وقيمته ومتجاهلين صيحات خلية الأزمة وممثل منظمة الصحة العالمية في العراق لمنع التجمعات، وثانيا وجودها العسكري من خلال استعراض قوتها تحت عنوان مهترئ وهو اهانة قناة (دجلة) لمشاعر المسلمين والسنة النبوية. وثالثا على الصعيد القانوني باستدعاء صاحب قناة دجلة إلى المحكمة بعد إصدار مذكرة بحقه للتحقيق معه، وهي رسالة اخرى ان هذه المليشيات لها وجود اجتماعي وسياسي وقانوني وعسكري وأنها تتحكم في جميع مفاصل اللادولة.

 

وهناك نقطة اخرى بهذه المناسبة يجب الاشارة اليها، وهي ان رفع شعارات انتفاضة أكتوبر في ذكرى عاشوراء ليس من شأنها الا أن تخلط الأوراق وتكون تحت سيطرة آفاق تلك المليشيات والاحزاب الاسلامية التي اوصلت جماهير العراق الى البطالة المليونية والفساد وانعدام الخدمات وإشاعة الفوضى الامنية وحالة اللادولة التي تعتاش عليها وأساس وجودها الحياتي. ليس صحيحا ابدا ان رفع تلك الشعارات في المناسبات الدينية ستحرج القوى الاسلامية، فهي لم تتورع في اباحة دماء المتظاهرين، فكيف لها ان يرتجف لها جفن! إنها تعني سيادة آفاق التيارات المليشياتية هذه المرة على مطالب وشعارات الجماهير من اجل الحرية والمساواة. وكل من يعتقد ان اطلاق الهتافات ورفع صور ضحايا الانتفاضة في ذكرى عاشوراء هي نقطة لصالح الجماهير وبالضد من المليشيات والقوى الاسلامية الولائية او غير الولائية فهو يوهم نفسه ويشيع هذا الوهم في صفوف الجماهير كما حدث في انتفاضة أكتوبر وروج لأمثال الساعدي وتوفيق علاوي وغيره. وهكذا استغلت المليشيات أجواء عاشوراء لحرق مقر قناة دجلة!

 

واخير نقول ان حرق مقر قناة (دجلة) هو امتداد لعمليات قتل واغتيال المتظاهرين، وامتداد لاستهتار المليشيات وإشاعة الفوضى الأمنية. لا يمكن ابدا عزل عملية حرق مقر قناة دجلة عما حدث من سلسلة عمليات الاغتيال بحق الناشطين  السياسيين  في البصرة والناصرية وبغداد. إنها عمليات لإرهاب المجتمع ومساعي حثيثة لاسترداد المبادرة من قبل المليشيات وفرض التراجع الاجتماعي والسياسي قبل كل شيء على ما فعلته انتفاضة أكتوبر بالرغم من اسدال الستار على فصلها الاول دون تحقيق نتائج لصالح الجماهير من حياة حرة وكريمة.


مقالات

سمير عادل

05/03/2018