فارس محمود

حلّة جديدة، هدف قديم! (لماذا عاشوراء هذا العام بحلة مغايرة؟!)

 

 ان "عاشوراء" هذا العام  هو "عاشوراء" اخر، يختلف عن نظرائه على امتداد ما يقارب 17 عام. راينا كيف تحولت المراسيمات الى "منابر للثورة"، "منابر للتشهير بالفساد والفاسدين"، "لحظة اصبحت فيه ثورة العراق امتداداً لثورة الحسين"، "امتزاج نضال المستضعفين بنضال ورايات الحسين" و...الخ، وراح "محللو الساعة" يعقدون المقارنات والوشائج ما بين الثورتين، ويتحدثوا عن "الدين الثوري"، وان "رسالة الحسين كانت ثورة على الفساد والفاسدين". وكالعادة، انزلقت اقدام ناشطي الانتفاضة ووجدوا ملتجأ منيعاً للسير في ظله، على الاقل للخلاص من مأزقهم وانسداد افاق الانتفاضة.

ولكن ما السر وراء هذا الطابع المختلف كثيرا؟! لماذا حدث اليوم؟! 17 عاماً والفساد والنهب بأقبح واكثر اشكاله سفوراً، لماذا يحضر الحسين اليوم بهذا الشكل؟! ما سر هذا الاندغام بين "الثورتين"؟! لماذا تذكر "الرواديد" هذا، وما سر هذا الابداع والتفنن من قبلهم، وتلك القصائد الطويلة والمنسقة بينهم كلهم تقريبا وتأكيدها على هذه الصلة؟! لماذا هبوا كلهم في صوت واحد، وفي يوم واحد؟! ما سر هذا التنسيق والحركة الموحدة والمتسقة؟! ان كانت مراسيم عاشوراء هي سياسية بالأساس، فان الاخيرة سياسية بامتياز وذات صلة باليوم ومتطلبات اليوم وبصراعات اليوم بالنسبة للمخططين لها.

لنذكر بدءاً ان لا "الحسين ثورة" ولا هب من اجل "العدل وانهاء الظلم" ولا غير ذلك. كانت حركة الحسين من اجل السلطة والحكم فقط، كأي ساع للسلطة والحكم، وان احقيته، كما يدعي، تنبع من كونه حفيداً لمحمد. لنتذكر دائما أن ما حصل قبل 1400 عام من حيث الأهداف والوقائع بالرغم من عدم وضوحه وعدم أمكانية الوقوف على تفاصيله فأنه لا يمت بأي صلة للانتفاضة. إذ أن انتفاضة جماهير العراق واضحة ومعروفة وليس لها اي صلة بتلك الروايات والاهداف الطائفية. انها انتفاضة عصرية من اجل الحرية، السعادة، الرفاه، الخدمات، ضمان البطالة، العمل، حقوق المتقاعدين والخ. انتفاضة من اجل المدنية ذات طابع مدني وعلماني وبوجه الاسلام السياسي والطائفية. ولهذا، فان اي اقران او ربط بينهما هو توظيف بائس وضحك على الذقون، لا اكثر.

من جهة اخرى، يبين الاسلام السياسي بأكثر الأشكال سفوراً ووضوحاً تناقضه التام مع مصالح الجماهير، بل حتى حياتها ووجودها. انه، ومن اجل تعقب اهدافه السياسية على استعداد لحشد مئات الالاف من الناس، ولأيام طويلة، ضارباً عرض الحائط مخاطر كرونا التي تفتك بحياة الملايين في العراق فتكاً، وضرورة التباعد الاجتماعي بالأخص في بلدان تفتقد الى بنية تحتية مناسبة. ان تعامله نموذج على انعدام المسؤولية التام تجاه المجتمع. اذ كيف له ان يدعوا مئات الالاف الى تجمعات مثل هذه في اوقات مثل هذه؟! ان هذا تأكيد اخر على ان حياة الناس لا قيمة لها امام اهداف هذا التيار!

لنعد الى موضوعنا؛ ما هو سر هذه الحركة المتسقة والمتناغمة واهدافها؟ لقد وجهت للإسلام السياسي ضربة جدية في العراق، (ولبنان ومناطق أخرى)، وقد ألحقتْ جرحاً غائراً في جسده وافتضح امره الى ابعد الحدود، إلى الدرجة التي اقترن فيها الدين والإسلام والعمامة بالنهب واللصوصية والكذب الصلف على صعيد اجتماعي واسع.  بدرجة إلى أن أطياف من قوى الاسلام السياسي نزعت عباءتها، واستبدلت عماماتها بربطات عنق كوادرها الجديدة، المدنية! وراحت تتخلى عن خطابها الطائفي باخر مدني، عصري! واستبدلت مناسباتها الكئيبة السابقة بحفلات رقص وغناء!! الا انها فشلت في امرار خديعتها على المجتمع.

أن هذه الحركة هي حركة مدروسة، إذ يعرف الإسلام السياسي انه تيار منبوذ، وإنَّه لم يبقَ على رأس السلطة إلا بسبب الاوهام، المليشيات والقمع، شراء الذمم وانتخابات لا ربط لها بانتخابات الحقيقية، وقد أوشكت الانتفاضة المليونية وإصرار الملايين على الإطاحة بهم وإزاحتهم، فقد كانت انتفاضة عصرية بكل معنى الكلمة، للنساء دور ومكانة بارزة، لأصحاب وصاحبات القمصان البيض (الطلبة) دور فعال ونشط وتاريخي. للشباب دور كبير، لجيل ليس على استعداد ان يطأطأ الراس. وهنا وجهت المدنية والعصرية ضربة قاصمة ترنح تحت ثقلها تيار الاسلام السياسي.

 بيد أن هذا التيار (تيار الإسلام السياسي) يقاوم للأخير، ولا يسلم أمره بسهولة، وهو ليس على استعداد لـ "رمي المنشفة"! إذ سعى هذا التيار، عبر هذه الطريقة وهذا العاشوراء وعبر مراسيم هذا العام، إلى "حفظ ماء وجهه" بأقناع، بل قل خداع، المنتفضين على ان اهدافنا واحدة، اهداف الحسين والمنتفضين واحدة، وبالتالي سعى لتضليل الجماهير، إنَّه يُعدّ، وبالتحديد خطوة جناح من اجنحة الاسلام السياسي، جناح ليس في مقدمة أو واجهة السلطة، جناح لازال طيف واسع من الجماهير متوهما به بعد إلى الآن. انه تكتيك طيف له مصلحة في تهميش العناصر والقوى "المفضوحة" من الاسلام السياسي من امثال المالكي والمليشيات الولائية وغيرها. انه طيف واسع أيضا، أن هذا الطيف هو قوى المرجعية وقوى اخرى لا تتوافق مصالحها مع تمدد التيار الولائي، الساخطة على تمادي التيار الولائي. ان تيار مثل أتباع الصرخي مثلاً له مصلحة في هذا التوجه وحتى التيار الصدري الى حد ما واخرين.

ولهذا فان الحركة المذكورة، بكل هذا التنسيق والدراسة والاهداف ونوع الخطاب والرواديد و"الشباب اللطامة" والترتيبات الفنية، لا تُعدّ عفوية، بل مبرمجة ومخطط لها على اعلى المستويات، انه عمل سياسي ذو اهداف سياسية يهدف الى حفظ ماء وجه الاسلام السياسي و"انقاذ رقبته" وبقائه وادامة عمره وعبور هذه المرحلة الخطيرة والحساسة بالنسبة لهم.

وكالعادة، فان اول قوة سياسية ابتلعت هذا الطعم هي الحزب الشيوعي العراقي ومجمل أولئك الذين ينتمون الى تقليده السياسي القومي-الوطني الذي ليس له مشكلة مع الدين والتخلف والرجعية، وطيف واسع ينتمي لهذا التقليد ولكن يقف خارج صفوف الحزب. وفر لهم فرصة للابتسام ونثر نظريات التلاحم ما بين الثورة و"قيم المجتمع"، وفر لهم فرصة ليقولوا شيء بعد اشهر من "اخراس" الانتفاضة لهم.

ومن الجدير بالذكر، ان التصور الذي يشيعه بعض رفاقنا من المنتمين لما يسمى باليسار حول "أن ادامة الثورة هي الاساس وكان الحسين وعاشوراء حجة". و"ان هذه المشاعر والطقوس والمراسيم ماهي الا ظاهر القضية وليس جوهرها ولا تتعدى حجة بيد "الثوار" من اجل ادامة الانتفاضة"، ما هو إلا هراء محض. ما حاجة ثورة أو انتفاضة تتعقب الحرية والمساواة والرفاه الى هذه الطرق والاساليب التي تعمق وتؤبد الاوهام بالطائفية والاسلام وتصب الماء في طاحونة الاسلام السياسي؟! انه انخداع شعبوي، شعبوية 24 قيراط، ولهث وراء اي حركة للجماهير بغض النظر عن ماهيتها وأهدافها، انه عجز عن كشف حقيقة الأمور ولا يؤدي إلا إلى انخداع الجماهير وتيهها أكثر وأكثر.

وأخيرا أود القول بأنَّه، ليس لانتفاضة اكتوبر اي صلة أو ربط بتاريخ قديم، انها انطلقت بوجه قوى ما بعد نيسان 2003، وإن خطوة تيارات من الاسلام السياسي هذه، حتى تعيد إعادة اعتبارها ومكانتها السابقة. ومن المؤكد رغم كون هذه الخطوة هي لأطياف معينة من قوى الاسلام السياسي، إلا ان "خيراتها" تصب في مصلحة كل الاسلام السياسي وقواه، بولائييه وغير ولائييه، بحوزته ومرجعيته، بمالكييه وخراسانييه وعبادييه، وبدرييه وصدرييه. لأنه ينقذ رقبة الاسلام السياسي ككل، وبالطبع مع بعض الخسائر، دفع الوجوه المنبوذة والتي رائحة سمعتها تزكم الانوف للخلف.

إن الطبقة البرجوازية هي طبقة مُجربة، اعتركتها خبرة قرنين من الاحتجاجات والانتفاضات والثورات العمالية والجماهيرية المتنوعة في ارجاء العالم المختلفة، ولهذا، فلا حدود لأساليبها وخططها ومناوراتها. وليس صعباً إدراك مناوراتها وألاعيبها، ولكن يقتضي الأمر تحويله الى عقلية جمعية، ان ذلك يتم عبر دحر هذه الالاعيب على ايدي دعاة الحرية والمساواة وتسليح الجماهير العمالية والكادحة والمحرومة المنتفضة برؤية ووعي مضاد لها. 

     

 

مقالات

فارس محمود

23/11/2015