توما حميد

كورونا ... وازمة الرأسمالية!

 

 

(محاضرة قدمت في قناة الانسان المصرية يوم 5 ايلول 2020)

(1-2)

ما اود اقوله ان جائحة كورونا والازمة التي خلقتها هو حدث تاريخي كبير يرتقي الى احداث مثل الحرب العالمية والكساد الكبير. عدا العواقب الصحية، ستكون العواقب الاقتصادية والاجتماعية لكوفيد-19 هائلة على المجتمع البشري. لا اعتقد بان النظام الرأسمالي القائم سوف يتشافى من هذه الازمة. لقد فشل النظام في الاستعداد لفيروس كورونا و في احتوائه وحماية الجماهير من عواقبه بشكل كبير. ان المسالة لا تتعلق بـ"سوء ادارة"، بل ان نقاط ضعف هذا النظام وتناقضاته بلغت درجة لا يمكن معالجتها، وتجعله عاجزا عن الاستجابة للازمات. كما ان منطق هذا النظام الذي يضع الربح اولوية قبل كل شيء يجعله عاجزا على مواجهة المخاطر التي تواجه البشرية مثل كورونا والتغير المناخي و....الخ.

وتيرة الازمات!

من المعروف ان النظام الرأسمالي يدخل في ازمة اقتصادية، كمعدل، كل 4-7 سنوات. هناك مناطق واقتصاديات تدخل في ازمة كل 2-3 سنوات. وفي المقابل، هناك حالات قد يتجنب فيها اقتصاد معين الازمة لمدة طويلة، فمثلا دخل الاقتصاد الاسترالي في ازمة ركود لأول مرة منذ 1991 ، وشهدت النرويج وضع مشابه. ولكن، وبشكل عام، تحدث ازمة كل 4-7 سنوات، وكلما طالت الفترة بين ازمتين تكون الازمة اعمق واشد.

دخل الاقتصاد الامريكي مثلا، في اخر 20 سنة في ثلاث ازمات، وهي الازمة التي سميت بأزمة دوت كوم والتي حدثت في ربيع 2000 وازمة


2008 التي سميت بأزمة الرهون العقارية والازمة الحالية التي تسمى بأزمة كورونا. ان الازمات والدورات الاقتصادية هي خلل بنيوي، ولم تتمكن البرجوازية على طول عمر الرأسمالية الذي يمتد لأكثر من 300 سنة من منعها رغم كل المحاولات التي قامت بها. ان وتيرة هذه الازمات هي في تسارع هائل و تصبح اكثر عمقا.

يتوقف في ظل الازمات عدد كبير من مواقع العمل عن الانتاج، ويسرح ملايين العمال وتضطرب حياة الملايين وبرامجهم الاجتماعية والاقتصادية.

الازمات والليبرالية الجديدة!

لقد تفاقمت ازمة النظام الرأسمالي منذ صعود التيار النيوليبرالي وتطبيق السياسات النيوليبرالية التي دشنت بشكل خاص مع وصول تاتشر وريغان الى الحكم. وادى صعود النيوليبرالية الى توقف الاجور عن الارتفاع، في وقت استمرت القدرة الانتاجية في الارتفاع. كما تم تقليص دور الدولة في الاقتصاد وكذلك تقليص الاستثمار من قبل القطاع العام وقلصت الخدمات التي تقدمها الى الطبقة العاملة وقللت الضرائب على الاغنياء.

هذا يعني بان النيوليبرالية تقوم بوضع الاموال في جيوب الذين ليس لهم القدرة على صرفها بدلا من الطبقة العاملة. وقد ادى هذا الى ضعف القوة الشرائية الاجمالية في المجتمع. لهذا السبب، اي بسبب ضعف القدرة الشرائية، لا تستخدم الاموال التي تتراكم في انتاج المزيد من البضائع والخدمات، بل يتم توظيفها في الاستثمار في مجالات مثل سوق الاسهم والعقارات وخلق فقاعات في هذه القطاعات و رافقت هذه التغيرات الاقتصادية خاصة حملة تحرير الاقتصاد من القوانين التي تنظم سلوك القطاع الخاص.

"فقاعات" اعادة توزيع الثروة لصالح الرأسمال الكبير!

فمنذ سنة 2000 ارتفعت اسعار الاسهم بشكل جنوني لتصل الى اربعة اضعاف، وهذا يعني خلق فقاعة. ومثل كل الفقاعات، سوف تنفجر هذه الفقاعة ايضا رغم انسلاخ سوق الاسهم عن بقية الاقتصاد الى حد ما. في النهاية لا يمكن لسوق الأوراق المالية عزل نفسه عن بقية الاقتصاد بشكل كلي.


تصبح الفقاعات التي تخلق بحد ذاتها وسيلة لنقل الثروة من الطبقة العاملة الى البرجوازية وتركز الثروة في ايدي اقل فاقل. فمن جهة، تقوم الحكومة بإنفاذ الشركات الضخمة، ومن جهة اخرى تفرض سياسات تقشف، حيث يتم تقليل الخدمات والضمانات المقدمة الى الطبقة العالمة والمحرومين في المجتمع.

في الوقت ذاته، تقوم شركات، مثل شركة بلاك ستون وفانغارد وكولدمن ساكس، باستغلال وضع الفقراء الذين يفقدون بيوتهم لتستولي على حصة كبيرة من العقارات والبيوت بأسعار رخيصة. فمثلا ادت ازمة 2008 الى فقدان 5.1 مليون عائلة لبيوتها في الولايات المتحدة. وتستولي الشركات الكبيرة على الكثير من المشاريع الاصغر والمشاريع العائلية بأسعار زهيدة. ويلي كل هذا بيع البضائع بالأقساط الذي يعني دفع الزبون بالنهاية اموال اكثر مقابل البضاعة بسبب ضعف رصيده الائتماني. ويستغل ارباب العمل الازمة الحالية ووجود عدد كبير من العاطلين في المجتمع لتقليل اجور وضمانات وحقوق العمال الذين لايزالون يحتفظون بوظائفهم.

هذا يعني بان الرأسماليين يستفادون من فشل الرأسمالية. بمعنى اخر، ان الازمة نفسها تصبح آلية لإعادة التوزيع التصاعدي للثروة الاجتماعية لصالح الأوليغارشية المالية.

الدولة "العين الساهرة" على مصالح الشركات!

بات النظام الرأسمالي، وخاصة في الدول المتقدمة، نظام هش وازدادت هشاشته منذ ازمة 2008. لقد خلقت الأساليب المستخدمة لتحقيق الاستقرار في النظام الرأسمالي استجابة للأزمة المالية لعام 2008 فقاعة أصول ضخمة وخلقت ظروفًا لانهيار جديد. ونتيجة للذعر من احتمال انهيار كامل الاقتصاد، وخاصة فان الكثير من المؤسسات اصبحت اضخم من ان يسمح لها بالانهيار، قامت إدارتا بوش وأوباما بتحويل مئات المليارات الى البنوك. وأعقب ذلك ضخ أكثر من 4 تريليون دولار من خلال سياسات "التيسير الكمي" وسنوات من سياسات التي تضع سعر الفائدة قريب من الصفر.

مقالات