هدى الجابري

الصمت لم يكن خياراً ابدا

 

عن أهمية مشاركة النساء في الاحتجاجات والمظاهرات في العراق

سبعة عشر عاما مرت على تسلم الحكومة الطائفية والرجعية للسلطة في العراق وأوضاع النساء تزداد سوأً يوما بعد اخر. ولم تأتِ أي تغيرات لا قانونية ولا سياسية ولا اقتصادية جديدة لصالح المرأة. بل تم سحب البساط من تحت أقدامهنَّ تدريجياً ولم تتحسن اوضاعهنَّ بالرغم من التغييرات التي حدثت ومازالت تحدث يوميا. وكأن الوضع السياسي و تبعاته في العراق قد انقلب بالإجمال ضدهن بسبب تصاعد عنف المليشيات والأحزاب التابعة والموالية او غير الموالية للسلطة.

وعند تزايد الرفض والاحتجاجات في العراق للمطالبة بظروف معيشية أفضل لم يسع المرأة الا المشاركة في هذه الاحتجاجات وكانت مشاركتها مستمرة، وواضحة للغاية، وملهمة لكثير من النساء حول العالم. على الرغم من أن مشاركتهن لم تكن بدون ثمن. فقد فقدت الكثير من النساء حياتهن بسبب أعمال القتل والاغتيالات المنظمة التي قيدت ضد مجهول. ريهام يعقوب هي الضحية الأخيرة للاغتيال المنظم بواسطة الميليشيات الدينية التي طالت النساء الناشطات خلال العقدين الاخيرين، وبالتأكيد لن تكون الأخيرة.


وفي ٢٩ تشرين الأول ٢٠١٩ قتلت الناشطة والصحفية، والتي كانت حاملا في طفلها الثاني، سارة طالب مع زوجها في شقتهم الصغيرة وامام اعين ابنتهما. في ٢٥ أيلول ٢٠١٨ قتلت سعاد العلي عضو مؤسس منظمة" الود العالمي" والتي طالبت بمساندة المظاهرات والوقوف ضد الطائفية ودعت الى عمل إصلاحات في القوانين المدنية العراقية. وهناك العديد من النساء اللواتي فقدن حياتهنَّ بسبب الميليشيات والاحزاب الدينية المتطرفة والمتحصنة خلف حكومة رجعية وطائفية التي تريد

منع النساء من المشاركة في الاحتجاجات. نساء مثل علياء السعدي ونور رحيم وهدى خضر وجنان الشحماني. ساهمت هؤلاء النسوة في علاج الجرحى، توفير الطعام والماء في ميدان التحرير خلال انتفاضة أكتوبر ٢٠١٩ في العراق، ورغم أنهنَّ وقفنَّ وقفة بطولية في المظاهرات بالرغم من تعرضهنَّ للخطف والقتل على أيدي الميليشيات. ولم يحاسب على هذه الجرائم التي ارتكبت ضد هؤلاء النساء أو يعتقل أو يحاكم أي شخص.


القتلة يريدون إرسال رسالة واضحة إلى النساء بأن حياتهن في خطر إذا شاركن في المظاهرات وخرجنَّ من بيوتهن.

لكن النساء في العراق شاركنَّ وبقوة ولم يمنعهنَّ التهديد ووقفنَّ وقفة واحدة مع إخوانهن، واباءهن، وازواجهن، واحباءهن ضد اللا عدالة وانعدام فرص العمل وضد الجوع والفقر الذي لحق بهنَّ وبعوائلهنَّ على مدى السبعة عشر عاما. ان مشاركة النساء في الاحتجاجات الجماهيرية تهدد وتدق جرس الخطر للأحزاب الطائفية الرجعية الذين أرادوا ان يحجّموا دور المرأة في المشاركة في القرار السياسي والاقتصادي وأيضا سعوا الى إحلال التفرقة الجنسية في المجتمع ظنا منهم ان هذا سيحدد وسيقضي على أهمية ومشاركة النساء في رفضهم ورفض احزابهم ودولتهم.


ولطالما حاولت هذه الأحزاب والمليشيات من ان تدفع الى الفصل بين الجنسين من اجل تمزيق وحدة الصف النضالي المتطلع لحياة افضل. فأقروا الفصل الجنسي في المدارس وأماكن العمل والساحات العامة، لكن تواجد النساء في الاحتجاجات والمظاهرات جنبا الى جنب مع شركائهم في التطلع لحياة انسانية اكثر اشراقاً انما زعزع وهزَّ كل ما حاولوا تطبيقه لسبعة عشر عاماً من عرف التفريق الجنسي وفتاواه البائدة.


ان القتل والاختطاف والتهديد بالقتل والاختطاف هو محاولة فاشلة للتيارات والمليشيات الدينية والطائفية لزرع الرعب بصدور النساء


اللواتي يردنَّ المشاركة في التغيير الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في العراق. فالنساء في العراق لم يكنًّ يوماً خارج العملية السياسية. وبالرغم من كل ما تعرضن له من سنوات رعب وخوف عبر التاريخ لم يرضنًّ الا ان يكنَّ في الصفوف الامامية للإضرابات والاحتجاجات. ومهما حاولوا من تحجيم دور النساء في قيادة عجلة التغيير، فالنساء لن يرضخنَّ لهذا التحجيم ولن يصمتنَّ.

ازدياد حالات اغتيال الناشطات المدنيات المنظم الذي يحدث تحت انظار الحكومة الطائفية المتعصبة والفاسدة، اعطى للنساء القوة والعزيمة لعدم السكوت، ويؤكد أن المرأة لم تعد تقبل المصير الذي رسمته هذه السلطة ومخلفاتها الرجعية، فهؤلاء النساء قويات ومتمكّنات وقادرات على رفض الظلم وعدم الصمت بغض النظر عن الحكومة التي تحاول بالاغتيالات والتعنيف على إيقافهن.

النساء في العراق لن يصمتنَّ وسوف ينتصرنَّ دائمًا بالأمل والحلم بمجتمع أفضل، وبالرغم من الاغتيالات.

مقالات