توما حميد

كورونا وازمة الرأسمالية ( ٢-٢


(محاضرة قدمت في قناة الانسان المصرية يوم 5 ايلول 2020)

(2-2)

لقد كشفت الكثير من الاحداث والكوارث قبل كورونا مثل اعصار كترينا و ماريا وهارفي ، وحرائق الغابات في كاليفورنيا عجز المجتمع الأمريكي عن معالجة المشكلات الاجتماعية والكوارث الكبرى بجدية. وهذا ينطبق على الكثير من الدول الاخرى. في الحقيقة لقد تم انتخاب ترامب وجنوسون وبولسنارو، لأن النظام السياسي كان في ازمة، نتيجة المشاكل المتراكمة .

لكن كان الوباء أكثر الأحداث وضوحاً في سلسلة الأحداث التي كشفت عجز النظام وتأزمه وكشفت عيوبه ودحض الادعاءات حول مزاياه. هذا العجز كما قلنا سببه يعود، الى العقود الاخيرة التي كانت الحياة الاقتصادية والسياسية كلها موجهة نحو إعادة التوزيع التصاعدي المستمر للثروة من الفقراء الى الاغنياء، في وقت ان حل جميع المشاكل الاجتماعية الكبرى، من الأوبئة إلى تغير المناخ، يتطلب توجيه الموارد المالية نحو تلبية الاحتياجات الاجتماعية والاهتمام بالبيئة الخ.


في وضع مثل هذا فشل النظام وحكوماته من التحضير لمواجهة الوباء رغم تحذير العلماء ومنظمات الصحة ومؤسسات بحثية، من خطر حدوث جائحة لم يتم التحضير لمواجهة لمثل هذا الخطر في بعض اكثر دول العالم تقدما. وفشل في وقف انتشار الوباء العالمي وحماية الجماهير من العواقب الاقتصادية الهائلة بما فيه فقدان الملايين من الناس لوظائفهم وانهيار بعض سلاسل التوريد. ففي امريكا مثلا يوجد اليوم اكثر من 30 مليون عاطل اضافي بالمقارنة بشباط.

واتسمت الاستجابة للفيروس في الولايات المتحدة والكثير من الدول المتقدمة الأخرى بغياب القيادة التي يمكنها توجيه المجتمع في وضع مهلك مثل اليوم، وعدم كفاءة هائلة وارتباك ونقص التنسيق. وقد ادت هذه الاجواء الى انتشار نظريات المؤامرة والاكاذيب والشائعات والاخبار  


الزائفة والمعلومات الخاطئة.

فالولايات المتحدة، التي تُعد أغنى دولة في العالم وأكثرها تقدمًا من الناحية التكنولوجية والعلمية - وموطن وادي السيليكون والجامعات المرموقة في العالملم يكن لديها تدابير الوقاية الشخصية الكافية، وكانت غير قادرة على إجراء الحد الأدنى من الاختبارات، التي تجعل إدارة الوباء أمرًا ممكنًا، وشهدت قلة اجهزة التنفس الاصطناعي وغرف الانعاش وغرف لعزل مرضى الكورونا، وافتقرت مواقع العمل حتى إلى أبسط منتجات النظافة لمكافحة تفشي المرض.

اي لم يكن هناك في امريكا مؤسسة تقدم تدابير الحماية الشخصية و سلطة تنظم المدارس وتنسق الجهود ولكن هناك دولة تلقي باللوم على الاخرين.

وما زاد الطين بلة هو انه عندما غادر الإنتاج الى دول مثل الصين، ادى هذا الى توسع في قطاع الخدمات وهذا يعني بان الناس يعتمدون على وظائف تتطلب التعامل مع الناس وجها لوجه مما يزيد من خطر الاصابة. كما ان الفقر يجبر العمال للذهاب الى العمل والمخاطرة بحياتهم وحياة عوائلهم. والاكثر من ذلك، ان سياسات الحكومة الامريكية تتركز على اجبار العمال للعودة الى العمل دون اجبار اصحاب العمل على جعل مواقع العمل امنا.

لذا وجدنا بان رغم ان عدد سكان امريكا لا يتعدى 4-5 بالمئة من سكان العالم الا ان ربع الاصابات والوفيات تقريبا حدثت في الولايات المتحدة. لقد بين الوضع في الولايات المتحدة بشكل خاص بشكل لا لبس فيه بان التطور التكنلوجي في عصر الرأسمالية لا يخدم البشرية بل يخدم الارباح.

أيا كانت نتيجة هذه الأزمة ، فقد أصبحت بعض الأمور واضحة. 1- ان سلوك امريكا هو سلوك امبراطورية في وضع الافول. وهذا واضح من خلال عدم قدرتها للتعامل مع الضغوطات والازمات بما فيه تعاملها مع الوباء والقاء اللوم على الاخرين، الى انهيار البنية التحتية، وتفريغ المؤسسات بما فيه المحاكم الفيدرالية وحتى الكونكرس من


محتواها، واللجوء والتهديد باستخدام القوة، الهجوم على الشرائح الضعيفة الخ. لقد كان 30 مليون انسان غير مشمول بالرعاية الصحية قبل ازمة كورونا وقد تم اضافة 30 مليون انسان اخر ممن فقدوا وظائفهم، و البطالة الحقيقية اليوم هي حوالي 20%. حتى قبل الجائحة كانت تفقد 4 مليون عائلة في امريكا بيوتها في السنة و25% من العوائل كانت تصرف اكثر من نصف دخلها على الايجار. وكانت اكثر من ثلث القوة العاملة تحصل على اقل من 12 دولار في الساعة وهي اجور الكفاف.

2-كما كشفت هذه الازمة ان معظم مشاكل المجتمع الحديث هي مشاكل عالمية وتتطلب حلول عالمية. الازمات في لبنان، العراق، تشيلي والاكوادور والبرازيل وفي امريكا هي مرتبطة. لا يمكن حل التحديات التاريخية الكبرى التي تواجه المجتمع في إطار نظام اجتماعي قائم على الدول القومية.

3-لقد توضح بان على البشرية تغير الطريقة الخاطئة في التعامل مع البيئة. لقد كانت مسالة التغير المناخي حتى قبل الوباء مسالة وازمة كبيرة تواجه البشرية. لقد فضح الفيروس طريقة الرأسمالية في تربية الحيوانات والتجاوز على البيئة.

4-وكشفت الازمة ان مبدأ الربح وتراكم الثروة الخاصة لم يعد يخدم البشرية. لقد بين الوباء بان الادعاءات حول كفاءة القطاع الخاص و ترحل وفساد وعدم كفاءة القطاع العام هي ادعاءات غير صحيحة. هناك تناقض صارخ بين من يعتبر المهم من وجهة نظر البرجوازية وبين من هو المهم لإدامة حياة المجتمع.

5- لقد كشف الوباء افلاس الرأسمالية لان الواجب الأساسي لكل نظام هو حماية سلامة البشر. في الحقيقة لقد كشفت الازمة بان الرأسمالية يجب أن تذهب. يجب تنظيم المجتمع على أساس علمي وعقلاني. بعبارة أخرى، تثير الأزمة ضرورة التحول الاشتراكي للمجتمع.

لقد تبين ومن ضمن حدود نظام السياسات النقدية، مثل خفض نسبة الفائدة وضخ ترليونات الدولارات في الاقتصاد لاتحل المشكلة. يجب ان  


تعالج المشاكل الأساسية التي وقفت خلف ازمة 20008 والازمة الحالية مثل انخفاض الأجور والقوة الشرائية ويجب زيادة الانفاق من قبل الدولة، بالطرق التي تخدم الطبقة العامة بدلا من الاغنياء والذي يؤدي الى زيادة الطلب. يجب ان يكون هناك برنامج توظيف حكومي لتشغيل الناس.

وضمن حدود هذا النظام يمكن للسياسات المالية، ان تقوم الحكومة بالإنفاق عن طريق رفع الضرائب على الأغنياء و فرض ضرائب تصاعدية، تقديم الخدمات وخلق فرص عمل وخاصةً ان الكثير من فرص العمل التي فقدت في القطاع الخاص سوف لن تعود، هو الذي قد يكون حلاً ولو مؤقتا.

يتجلى ويتفاقم عجز النظام اكثر، فاليوم، البديل امام مجتمع متأزم مثل المجتمع الامريكي هو الاختيار بين ترمب وبين بايدن وفريقه الذي تتركز خطته حول العودة الى الوضع "الطبيعي"، اي الوضع في ظل كلنتون وبوش واوباما وهو الوضع الذي جلب لنا ترامب. مثلما عجز ترامب للوفاء بالوعود التي قطعها في 2016 بتقليل العجز التجاري وزيادة التصدير واعادة الوظائف الى امريكا سوف يعجز ترامب وبايدن من تحقيق اي من وعودهم.

الطبقة العاملة في امريكا غاضبة الى درجة كبيرة لان المجتمع يواجه مشاكل وتناقضات وازمات هائلة بما فيها الازمة البيولوجية، الزيادة الفلكية في عدم المساواة، عرضت النظام للازمات، مشكلة العنصرية، الازمة المناخية وكلها تلقى على عاتق الطبقة العاملة. لا يمكن حل كل هذه التناقضات من خلال انتخاب ترمب او بايدن.

الطبقة الحاكمة تعرف جيدا حقيقية هذا الامر ولكن تنكر الحقيقية، لذا فإنها تلجأ الى شراء السياسيين وتقسيم الجماهير على اسس عرقية وجندرية الخ. تبين الازمة بانه بدون مقاومة ستقوم البرجوازية بتحميل الطبقة العاملة كل تبعات مشاكلها.

تخلق أزمات بهذا الحجم تغييرات عميقة في الوعي. يشهد المجتمع فشل طبقة ونظام اجتماعي كامل. نحن الآن في خضم حدث يستلزم تغيير العلاقات الاجتماعية والسياسية التي تهيمن على المجتمع لحد الان. كلي امل ان يكن التغير نحو بناء عالم افضل.







</qowt-section>
</qowt-page>

مقالات