فارس محمود

الاتفاقات الاخيرة مع اسرائيل: اكاذيب...حقائق!



 

الامارات ومن بعدها البحرين عقدوا اتفاقات تطبيع مع اسرائيل برعاية امريكية. فيما يتحدث المسؤولون الامريكيون والاسرائيليون عن ان هناك بلدان عربية اخرى مرشحة للقيام بالخطوة ذاتها. وكل التقارير والمؤشرات الاخبارية تشير الى السودان وعُمان تحديداً. وفي هذا المسار، ورغم العبارات الضبابية لمسؤولييها، فان السعودية طرف اساسي في هذه العملية. لهذه القضية جوانب وتفاعلات عديدة اسعى الى تغطية جوانب منها عبر هذه المقالة.

معسكران:

بالاجمال، كان هناك معسكران احدهما مؤيد لهذا التطبيع ويشمل امريكا واوربا وبعض الدول العربية منها اغلب دول الخليج تقريبا، فيما هناك تيار معارض لهذا التطبيع لحد وصمه بـ"الخيانة" ومنها التيارات والفصائل الفلسطينية وايران وتركيا وبعض الدول العربية ايضاً.

ان رفض التيارات والفصائل الفلسطينية سواء القومية (منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس) او الاسلامية (حماس والجهاد) هو امر مفهوم. انها ترى في هذه الخطوات "اخلاء ظهر"ها في الصراع او المفاوضات المسدودة الافاق مع الجانب الاسرائيلي. ترى في ذلك اضعاف لخندقها، وهو خندق ضعيف متهالك اساساً جراء ما يسمى بـ"الانقسام الفلسطيني" و"الصراع الفلسطيني-الفلسطيني"، التعنت اليميني الاسرائيلي، افتقاد القضية الفلسطينية لمكانتها الدولية السابقة جراء تغيرات عالم مابعد الحرب الباردة، التصدع الحاد فيما يسمى بـ"العمق العربي" هذا المسار الذي اتسع مابعد غزو العراق للكويت والان "العمق الخليجي" بالاخص مايسمى بالانقسام القطري الخليجي، بالاضافة الى وجود سلطة فلسطينية فاسدة وقمعية ليس لها اي صلة بتحقيق اي من مطاليب الجماهير في فلسطين.

ولكن الرفض الاخر هو رفض قومي- اسلامي يتم تغليفه بخيانة "المسجد الاقصى" و"القضية الفلسطينية" و"طعن الفلسطينين من الظهر" والتباكي على القدس و"قضية العرب والمسلمين الاولى" و...الخ.

ان اسباب رفض ايران ومحورها الذي يتمثل التيارات الاسلامية الطائفية الملتفة حولها في العراق (الولائيين) ولبنان (حزب الله) واليمن (الحوثيين) وغيرها واضحة بحد لايمكن اخفائها. اذ خلف التباكي على فلسطين والقدس و"مقدسات المسلمين"، تجد بعد اول كلمة ينطقوا بها، ان الموضوع لايتعلق بكل هذا. يتحدثوا عن: بخطوة الامارات والبحرين هذه، "يقترب الخطر الاسرائيلي من حدودنا"، ويهددوا ان "لن تكون الامارات والبحرين خارج ردنا ان حدث امر ما" والخ من اصل القضايا والتي لا تعد مسالة فلسطين و"شعب فلسطين" و"نضاله" و"مقدسات المسلمين" والخ الا كذبة صرف.

ان ما يوجع نظام الجمهورية الاسلامية في ايران فعلا من هذه الاتفاقية هي اعلان دولتين خليجيتين لحد الان عن انضمامهم الى محور اخر منافس وغريم ومتصارع مع ايران ومحورها. في عالم تتصارع القوى الامبريالية العالمية والمحلية من اجل نيل كل منهما اكبر ما يمكن من حصة الهيمنة والتسلط والثروة في المنطقة، وبالاخص ابان التراجع الامريكي على جميع الاصعدة وظهور اقطاب اقتصادية وسياسية عملاقة اخرى من مثل الصين وروسيا، تتعرض المنطقة الى صراعات وحروب من اجل حسم مصير المنطقة، وامتداداً لهذا وارتباطا به، ثمة اصطفافات جديدة تظهر اليوم.

صراع اقطاب اقليمية!

ان كانت النزعة القومية العربية طرف في المعادلات السياسية للمنطقة في مراحل ما، مرحلة الجامعة العربية وعبد الناصر وغيره، فان هذا الطرف تفتت اليوم. وعليه، ان تعيد كل دولة حساباتها ارتباطاً بمصالحها المباشرة وبالقوى العالمية والاقليمية. في المنطقة، هناك ثلاث اقطاب رئيسية ذا صلة مباشرة بالقوى الامبريالية العالمية وتستمد منها القوة. هذه المحاور والاقطاب هي ايران بنزعتها التوسعية الفارسية الشوفينية المتلحفة بعباءة "الشيعة" و"الهلال الشيعي"، تركيا "ذات الامجاد التوسعية "العثمانية" براية و"زعامة" الاخوان المسلمين  في المنطقة واسرائيل ذات الوشائج القوية والراسخة مع الولايات المتحدة. تسعى الدول العربية، كل منها، لايجاد مكان لها في هذه اللوحة المليئة بالصراعات الدموية. تبحث كل منها عن عمق سياسي واقتصادي وامني تستند عليه في هذا العالم المتلاطم. مثلاً، حسمت قطر التي تسعى للعب دور اقليمي ونيل مكانة تضاهي قدراتها الاقتصادية امرها بالاصطفاف والتخندق مع تركيا ومعهم جبهة الاخوان المسلمين في العالم "العربي" و"الاسلامي".  

ولهذا حين يتحدث المسؤولون الخليجيون عن انهاء الصراع مع اسرائيل، يتهكم البعض على ان "كم طلقة اطلقت دول الخليج على اسرائيل". ان هذا فهم محدود جداً للقضية. انه صراع بالمعنى الاشمل للكلمة. حتى حين يتحدث مسؤولو الامارات مثلا عن مخاطر ايران ونزعاتها التي تهدد انظمتهم، ناهيك عن احتلالها لثلاث جزر اماراتية، فهم يعلمون ان الامر لايتعلق بغزو او حرب وشيكين او مباشرين، بل عن "قلق امني" عام لايمكن انكاره بالنسبة لهم رغم ان التبادل التجاري بين ايران والامارات كبير يصل الى اكثر من 10 مليارات دولار سنويا. الامر اكثر وضوحاً من ناحية البحرين، اذ ترى في مساعي ايران التوسعية عبر اثارة وتقوية النزعات الطائفية الشيعية داخل البحرين بوصفها خطر يسعى لبلبلة الاوضاع والحاق الاذى بالسلطة الحاكمة لحد تغييرها. السودان، تتعقب من هذه الخطوة رفع اسمها من "قائمة الارهاب" ونيل مزايا اقتصادية ودعم اقتصادي بمليارات الدولارات لها.          

من "خان" واين تكمن الخيانة؟!

ان اكثر كلمة شاعت خلال هذه الايام هي كلمة "الخيانة". انه لامر مفهوم ان يتحدث ابو مازن، الجهاد، حماس او ايران وتركيا عن هذا. ان اساس القضية هو شعورهم بان هذه الخطوة تؤدي الى اضعافهم بوجه اسرائيل في عالم صراع المحاور والاقطاب. وليس لموضوعة فلسطين اي ربط بالمسالة.

ولكن الادهى من هذا، ان تجد هذه العبارة شائعة على السنة اليسار العربي. ان سبب ومبرر هذا هو واضح ايضاً. لان اليسار العربي في اغلبيته يسار قومي، يسار في احسن الاحوال فريسة الاوهام القومية، بالاخص فيما يتعلق بموضوعة فلسطين.

ماذا ينتظر هذا اليسار من مشايخ الخليج؟! من مرتع الرجعية، الاستبداد، اضطهاد العامل، معاداة المراة، الانسان وسالبي الكرامة الانسانية؟! المسالة واضحة. الم يبق احد تتطلع منه حتى تتطلع من هؤلاء؟! يتطلع منهم لانهم "عرب" والا ليس لديه شكوى خاصة على حكام تايلند او تنزانيا مثلا. لماذا؟! لان هؤلاء عرب ومن المفترض بهم ان لا "يخونوا" قضية "عربية" اسمها فلسطين! اما اؤلئك فليسوا بعرب، فلا ينتظر احد منهم شيء بخصوص فلسطين. ان هذا منطلق ورؤية قومية صرف.

من جهة اخرى، ان هذه العلاقات موجودة من عقود سواء "من تحت الطاولة" او "باستحياء" او علنية على اعلى المستويات. ما جرى هو فقط اقتضاء المصالح المشتركة اعلان هذا الامر ودفعه بوتائر عالية ورسمية من اجل مصالح اليوم.

علما انه لم تكن قضية فلسطين يوماً ما "القضية المركزية والاولى للعرب" بالنسبة للانظمة الاستبدادية القومية العربية البرجوازية! كانت هذه القضية لا تتعدى شعار ديماغوجي للحكومات البرجوازية العربية الناشئة التي تسعى لتثبيت سلطاتها الهشة، شعار هدفه حرف انظار الجماهير التي ترسف بالجوع، الفقر، الحرمان والاستبداد السياسي عن معضلاتها ومطاليبها الواقعية واليومية.

 كانت هذه القضية شعار لقمع الخصوم السياسيين، وفي مقدمتهم الاشتراكيين ودعاة الحرية والمساواة. وعملت في الحقيقة كل هذه القوى بطريقة تتعقب مصالحها بحد حتى اذا اقتضت الضرورة اقامة حمامات دم للفلسطينيين انفسهم! (ماقام به ملك حسين في الاردن، وقصدي ايلول الاسود 1970).

 قامت مصر السادات باتفاقيات وتطبيع مع اسرائيل عام 1979 تعقباً لمصالحها نفسها. الاردن كذلك في اكتوبر 1994. واليوم يجري الامر نفسه مع الامارات والبحرين. والادهى من هذا ان السودان تتسابق من اجل اقامة اتفاقية تطبيع باسرع ما يمكن، قبل ان تخطوا السعودية على ذلك، لانها تعلم جيدا انه اذا خطت السعودية هذه الخطوة لن يبقى قيمة لانضمام السودان للركب، وبالتالي لن تنال شيء، وستضيع منها مليارات الدولارات كان من المؤمل ان تنالها من هذه العملية لو استعجلت! فانضمام السودان اليوم هو امر مهم بالنسبة لاطراف العملية، ولكنه سيكون عديم الاهمية او في الحقيقة قليلها ان قامت به بعد السعودية ذات النفوذ الكبير في المنطقة.

ولهذا، ومن زاوية مصالح برجوازية بلدانها، لا يجانب المسؤولون الاماراتيون والبحرينيون الصواب حين يتحدثوا عن ان اتفاقهم ليس له ربط او صلة بالقضية الفلسطينية. اذ يقولوا نحن نتعقب مصالحنا وهذا لا ربط له بالاخرين. فهذا هو ما قامت به الحكومات القومية العربية البرجوازية دوما، اي ان ما سيّر قراراتها وخطواتها هو دوما هذه المصالح نفسها. وفوق هذا، لا يكف المسؤولون عن هذا الرياء والكذب. اذ لجأوا الى عادتهم القديمة وسعوا الى ذر الرماد في العيون عبر الادعاء بان الاتفاقيات والتطبيع هو بهدف ايقاف سياسة ضم اراضي الضفة التي تقوم بها حكومة نتنياهو اليمينية!!! وهو الامر الذي ينكره نتنياهو وينفيه ويعرف الجميع حقيقة ان "الضم" ليس له ربط بهذه الخطوة!

مالذي تتعقبه اطراف الاتفاقية:

الرئيس الامريكي يبحث عن "نصر" لانتخاباته القريبة المقبلة يستر فضائح حكمه وازماته الاقتصادية والسياسية الداخلية وتعفر كل وعوده بالتراب (اكثر من 200 الف متوفي اثر كرونا، واكثر من 30 مليون عاطل عن العمل!، مشاكل التمييز العنصري بحق السود و...).

ان كان السياسيين متجهي الاوجه، فالاقتصاديون مستبشري الاوجه بالاتفاقيات. الابواب الاقتصادية الكبيرة التي تفتحها هذه الاتفاقيات هي مطمع برجوازية كل الاطراف.  فتح الابواب امام المستثمرين الاسرائيليين في منطقة "فاحشة الثراء"، التقنيات الاسرائيلية التكنولوجية الامنية والعسكرية والمدنية العالية (تنفق الدول العربية مئات المليارات سنويا على شرائها)، قطاع السياحة (هناك 4 ملايين مسافر وسائح اسرائيلي سنوياً) ، العقارات، مشاريع خطوط سكك حديدية طموحة تربط المنطقة بميناء حيفا ومنه لاوربا. وبالاخص اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ان اسرائيل تقيم هذه الاتفاقيات مع دول ذات اعلى ناتج اجمالي محلي عربي (السعودية الاولى: 780 مليار دولار، الامارات الثانية: 400 مليار دولار و...).

ثمة جانب اخر مهم تتعقبه بلدان الخليج. ان رجال الاعمال والشركات "الخليجية" مرتبطة الى حد كبير بالعائلات الحاكمة، ويتمتع باهمية خاصة لها ان هذه الصلات التجارية والاقتصادية المغرية ان تنال دعماً سياسياً بامس الحاجة اليه هذه العائلات الحاكمة امام اي حراكات جماهيرية او فردية معارضة لسلطتها وحكمها العائلي والفردي الاستبدادي ومن اجل نيل حريات اساسية و"تعددية سياسية" التي حرمت منها جماهير هذه البلدان.

من جهة اخرى، تتمتع مواجهة النفوذ الايراني والتركي المتزايد في "المشرق العربي" وشبه الجزيرة واليمن وليبيا  باهمية خاصة بهذا الصدد.  

"القضية الفلسطينية" في اوضاع جديدة:

ان ميزان الصراع الفلسطيني الاسرائيلي يميل ومنذ عقود لصالح الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة، وبالاخص بعد اتفاقيات السلام في اوسلو 1993 ولحد الان، وعلى وجه الخصوص اكثر في العقد الاخير.

 كان غزو العراق للكويت وحرب الخليج هي منعطف مهم في التصدع الحاد في "العمق العربي" بحد افرغت الجامعة العربية من كل محتوى، وفي السنوات الاخيرة التصدع والشق الكبير الذي شهده مجلس التعاون الخليجي، حامل راية الزعامة القومية العربية مع مصر، بفرض الحصار على قطر وذلك لنزعاتها المتعاظمة بالهيمنة والسيطرة عبر جماعات الاخوان المسلمين في المنطقة وتحالفاتها مع ايران وتركيا بوجه السعودية. وضع هذا اسرائيل في وضع افضل بكثير امام الفلسطينيين، فقاموا يتحدثوا الان لا عن "الارض مقابل السلام"، بل عن "السلام مقابل السلام"، اي لا ارض في الموضوع!!

 ذهبت "قضية فلسطين" في جانب منه اليوم ضحية الاصطفافات العالمية والاقليمية الجديدة. وبناءا عليه، تقف السلطة الفلسطينية وجماعات حماس والجهاد الذين رموا كل جهودهم في "العمق العربي" في اكثر وضع لايحسد عليه اليوم، عديمي الافق وخائري القوى ومسلوبي الارادة تماماً. انه نتيجة متوقعة للاطار الذي تحركت فيه هذه التيارات القومية-الاسلامية. اي الاستناد والاتكاء على دول المنطقة في سعيها من اجل ارساء الحقوق الفلسطينية.

ليست احتلال اسرائيل لفلسطين قضية "الامة العربية" ولا "الامة الاسلامية". انها قضية الجماهير التحررية في فلسطين واسرائيل وفي العالم. على الاخيرة ان تمارس الضغوطات على الحكومة الاسرائيلية اليمينية التي رمت جماهير فلسطين في كابوس دموي مستمر لمايقارب  ثلاثة ارباع قرن لايقاف هذا التطاول وهذه الجريمة بحق الفلسطينيين واقرارها بالمواثيق والمقررات الدولية بهذا الصدد: ارساء دولة فلسطين المستقلة والمتساوية االحقوق والقابلة للعيش والحياة.  


مقالات

فارس محمود

23/11/2015