عادل احمد

بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لانتفاضة أكتوبر!

 

نحن نقترب من الذكرى السنوية الأولى لانتفاضة الجماهير المحرومة في العراق، انتفاضة أكتوبر.  ان مدة السنة الواحدة من بدء الانتفاضة والاحتجاجات الجماهيرية ، وتقديم مئات من الضحايا وآلاف المعاقين والجرحى ، والاعتقالات والتعذيب والإهانة بالكرامة الإنسانية، واغتيالات الناشطين وقادة و فعالي الاحتجاجات .. يستحق التمعن والنظر الى ما قمنا به وما كنا نطلبه ونتوقعه مقارنة بما حصل في النهاية وما نعاني منه حتى الان ، حتى يكون درسا وعبرا لخطواتنا القادمة.

ان شرارة انتفاضة أكتوبر على الرغم من انها كانت امتدادا للاحتجاجات الجماهيرية في السنوات التي سبقتها ولكنها كانت النقطة الحرجة في منحنى السخط الجماهيري للأوضاع التي تمر بها الجماهير من الطبقة العاملة والكادحة وشرائح كثيرة من المحرومين والمضطهدين في العراق، نقطة كانت لابد من ان تنفجر وكانت لابد ان يفكر المجتمع بما تجري في خضم صراعاتها الاجتماعية والطبقية .. كانت وليدة تراكمات المآسي والويلات لعشرات السنين تحت سلطة الاستبداد السياسي لأنظمتها القومية والعسكرية ومن ثم الاحتلال وعواقبه وفي النهاية سلطة المليشيات والأحزاب الطائفية والقومية وعمليات النهب والفساد وفرض إرادة المليشيات على المجتمع بقوة السلاح  والأموال المنهوبة من جهة وفرض الفقر والجوع والبطالة  على الجماهير المحرومة من جهة أخرى.. ان المجتمع العراقي قد جرب حكومات عديدة وفي النهاية جرب حكومة المليشيات من كانت معارضة في زمن البعث، ورأى في السنوات الاخيرة حكومته، لن ينال منها شيئا غير الجوع والفقر اكثر و لن يكون حرا ولا يستطيع رفع صوته واحتجاجاته الا  وإسكاته بقوة السلاح..  لا ترى الجماهير امامها سوى  الفقر والجوع يشتد، يوما بعد آخر،  ولم يكن أمامها من بُد، خيارا الا الاحتجاجات والانتفاضة الجماهيرية الواسعة وفي كل المدن في نفس الوقت حتى تتمكن من تغيير ميزان القوة لصالح المحرومين؛ وكنا شهود على بطولات الشباب والاستعداد للموت من اجل خلق عالم أفضل للأجيال القادمة، يواجهون الرصاصات بصدورهم العارية أمام قوات الأمن وقوات مليشيات الأحزاب وخاصة الأحزاب الموالية لإيران.  والآن عندما ننظر الى الوراء وننظر الى المطالبات وشعارات الجماهير المنتفضة نساء ورجالا نرى، باننا لم نقترب خطوة كبيرة من اجل أحلامنا أيام الانتفاضة! ولم نحقق أية مطلب مما كنا نرفعها وما كنا ضحينا من اجله سوى تغير طفيف في الوجوه السياسيين على الملأ ولكن في الباطن تتحكم بنا نفس القوة ونفس المليشيات ونفس التقاليد الرجعية و نمر في ظروف لا تختلف كثيرا كما في السابق بل ونسير نحو الأسوأ  ونعاني أكثر وتقمع أصواتنا اكثر والنهب مستمر والفقر والجوع يزداد يوميا .. إذن هنا يحتاج المرء الى ان يدقق وان يحقق في  اعماله وتجربته و يحاول إيجاد نقطة الضعف المميتة لحركته وافعاله، والتي كانت خاتمتها حتى الان، بدون نتائج في ما يخدم مصالحنا نحن الأكثرية في المجتمع.

ان انتفاضة أكتوبر كانت بحق حركة عظيمة  في تاريخ العراق المعاصر وكانت من الشدة الى  درجة ادخلت خوفا رهيبا في قلب الطبقة البرجوازية العراقية، بشتى ائتلافاتها وحتى القوميين الأكراد كانوا يرون مصيرهم مقرون مع نتائج الانتفاضة الجماهيرية،  والتي فيما اذا كانت قد حققت أهدافها فأن مصيرهم لم يكن اقل من مصير اقرانهم الباقين في الأحزاب الطائفية والقومية في العراق. وكانت حقا حركة على وشك ان تولد من رحمها صراعا اجتماعيا بارزا، وهو الصراع الطبقي اذا تمكن من تحقيق أهدافه ومطالباته وشعاراته الثورية. ولكن اخفق في تحقيق أهدافه لسببين رئيسين: أولا لكونه حركة فتية وكان يخوض اول تجربته الثورية بهذا الدرجة ولم يكن مسلحا فكريا على الرغم من بروز أفكار ثورية اثناء الانتفاضة من قبل قسم من ناشطي الحركة، وليدة أعمالهم الثورية اليومية، ولم تكن هذه الحركة صاحبة رأس واحد وانما تأثر كل الرؤوس بالوهم القاتل وهو  دور الغرب وأمريكا لحركتهم بدراجات متفاوتة وتأثروا قليلا بالوعود ولم يكن لهم قيادة واحدة وميدانية واضحة المعالم حول المطاليب المشتركة وعامة على الرغم من التنسيق الخفي والمحدود .. ولم يكن هنالك منبرا لنقل الأفكار وتبادل الآراء  في الساحات والميادين والاتفاق بشأن كيفية إدامة الاحتجاجات وتطويرها معنويا و تنظيميا واعلاميا.. وان مواطن الضعف هذه مكنت قسم من الأحزاب الحاكمة والمليشيات وخاصة الصدريين التموضع داخل الانتفاضة الجماهيرية ومحاولة التأثير على الجماهير و تحويل حركته لصالح السلطة وليست الجماهير.

ونرى كيف تراجعت الانتفاضة في أيامها الأخيرة وتحولت الى ساحة، للمساومة على منصب رئيس وزراء جديد، وهو غير ما كان في بداية الانتفاضة، ولم يكن لا مطلبا ولا من افكار الانتفاضة، وانما المطالبة بإسقاط العملية السياسية برمتها كان هو المطلب الجماهيري ورحيل جميع السياسيين وأحزابهم كانت شعارا يتفق الكل عليه، ولكن لم تتمكن الانتفاضة والاحتجاجات الجماهيرية ان تسير بنفس السرعة وبنفس المنوال كما بدأت، وفي النهاية ضعفت وتلاشى دورها وتأثيرها.

اما السبب الثاني فإنها  كانت فاقدة للتنظيم وفاقدة للتنسيق السياسي، أي لم تكن منظمة ولم يكن هنالك توجه نحو التنظيم الجماهيري تنظيما قويا بين صفوفها. ان التنظيم ليس مشروطا ان يكون حزبيا ولكن تنظيما اجتماعيا يعد بمثابة الوسيلة القوية والمؤثرة من اجل تحقيق مطاليب الجماهير المنتفضة.. لم تكن هنالك هيئات او مجالس او تنظيمات محلية في كل مكان وفي كل المناطق والاحياء السكنية أي بمعنى لم تكن الجماهير منظمة تنظيما جماهيريا ومن خلاله يتم التحرك والاتفاق و يتبادل الآراء وانتقاد الأفكار الاستسلامية والرجعية، و ان تنتقد محاولات السلطة وان تفضح شخصياتها عندما يحاولوا ان يتسللوا الى داخل الانتفاضة.. وان ضعف التنظيم داخل الانتفاضة  كان له دور حاسم في عدم انتشار المد الثوري حول نطاق الساحات والميادين المدن المنتفضة، ولنقطة الضعف هذه الدور الهام في ظهورها  بعيون الطبقات الحاكمة لقمة سهلة لهضمها ومحاولة احتوائها بكل الطرق إضافة الى استخدام السلاح كأداة ترويع. وإذ ننظر الى كل هذه المأساة التي تعاني منه المجتمع العراقي  وننظر الى الضحايا التي قدمناه ، لا يمكن أمامنا الا ان نفكر جديا في خطواتنا المقبلة وان يكون في نظر اعتبارنا مليء الفراغ والضعف التي عانيناها في تجربتنا السابقة وان نحاول نتجاوزها وان نخرج بقوة لكي نحقق أحلامنا وأهدافنا ومطالباتنا . وهذا يتم عن طريق توحيد صفوفنا عن طريق تنظيمنا و عن طريق ارادتنا المباشرة مع البعض.

--

مقالات