سمير عادل

خرافة الإصلاحات وهيبة الدولة .... (سيد دخيل) تكشف عن الطرف الثالث المتورط بقتل المتظاهرين.


خرافة الإصلاحات وهيبة الدولة ....

 (سيد دخيل) تكشف عن الطرف الثالث المتورط بقتل المتظاهرين.

مقابلة مع سمير عادل

 

إلى الأمام/ قبل أن نطرح سؤالنا حول المواجهة الأخيرة بين الكاظمي وعشائر العساكرة على أثر اختطاف الأخيرة للشاب الناشط في الاحتجاجات، يتردد بان الكاظمي قد بدأ بعض الإصلاحات مما يستحق ذكرها، وانه ليس كسابقيه قد بدأ الشروع ببعض التحركات للقضاء على الفساد ولكسر شوكة المليشيات، ما رأيكم بهذه التصورات؟

 

سمير عادل: إصلاحات الكاظمي هي نفس إصلاحات سلفه عبد المهدي وقبله العبادي وقبله المالكي. أن كنه ما يسمى (الإصلاحات) هي سياسة نابعة من حاجة الطبقة البرجوازية الحاكمة بجميع تلافيفها القومية والإسلامية لبناء (دولة) بالمعنى القانوني والأمني والسياسي وحتى الهوياتي. وبوضوح أكثر فإن الأجنحة القومية والإسلامية المتصارعة على السلطة السياسية في العراق بحاجة للقضاء على تشرذمها السياسي. وقد نوهنا وتحدثنا عن هذه المسالة في عدة مناسبات. أن البرجوازية في العراق لا يمكنها ربط العراق بالسوق الرأسمالية العالمية وتحويله إلى بلد طبيعي، تتعامل معه الشركات والمؤسسات المالية بشكل متعارف عليه كما تتعامل مع سائر بلدان العالم التي فيها دولة بالمعنى الذي تحدثنا عنه، دون القضاء على تشرذمها السياسي وخلق استقرار سياسي وبالتالي استقرار أمني. ونرى أن هناك بديلين للبرجوازية في العراق لبناء الدولة، الأول هو البديل القومي ويشمل التيارات العروبية والمحلية (الوطنية) والذي يمثلها اليوم مصطفى الكاظمي والبديل الاخر هو الإسلام السياسي الشيعي. وكان المالكي أول من حاول بناء دولة الإسلام السياسي الشيعي التي تتميز بكونها ذات هوية طائفية على غرار الجمهورية الإسلامية في إيران والتي أصبحت أكثر وضوحا في النصف الثاني من ولايته الثانية، وكانت صولة الفرسان المدعومة من جيش الاحتلال الأمريكي وبشائر الخير التي ضربت عصابات جيش المهدي والقاعدة في آن واحد، وبعد ذلك تم تشكيل قوات دجلة للدخول إلى كركوك لتقويض نفوذ الأحزاب القومية الكردية، كل ذلك كان ضمن ما يسمى اليوم بالإصلاحات. والشيء ذاته بالنسبة للعبادي الذي أعلن الحرب على داعش، وبدعم هذه المرة، من قوات التحالف الدولي ولكن برأس حربة أمريكية، والمحاولة باحتواء الحشد الشعبي وقص أجنحته هي الاخرى مساعي كانت تصب في نفس مسار الإصلاحات. أما عبد المهدي فكان أحدى دمى الإسلام السياسي الشيعي وبديله في بناء دولة على غرار الجمهورية الإسلامية، لكن انتفاضة أكتوبر فرضت التراجع على هذا البديل لأسباب تحدثنا عنها بشكل مفصل لا داعي لذكرها هنا. أما اليوم فإن ما يحاول الكاظمي فعله، إنما يصب في نفس اتجاه الأجنحة السياسية الأخرى للبرجوازية، وهي مساعي لفرض بديله السياسي وبناء مؤسسة قمعية أساس آلة الدولة يتقدمها جهاز مكافحة الإرهاب وبدعم أمريكا السياسي والمادي والعسكري والاستخباراتي للقضاء على التشرذم السياسي عن طريق تصفية معارضيه، وخاصة الجناح المسلح الذي يمثل قوى الإسلام السياسي الشيعي الموالي لملالي طهران - قم والذي خسر لأول مرة سلطته التنفيذية منذ عام 2005.

 

إن الفارق بين مساعي الكاظمي ومحاولات سلفه، يكمن في أن التحركات التي يقوم بها الكاظمي تأتي ضمن تحولات سياسية كبيرة في المنطقة، وهنا اقصد تحركات الولايات المتحدة الأمريكية في محاصرة المشروع الصيني او التمدد الصيني بالدرجة الأولى في المنطقة، ونقصد مشروع (طريق الحرير) وقطع الطريق عليه من خلال محاصرة ايران واسترداد زمام المبادرة من جديد، من جانب آخر نرى أنه لا يمكن عزل اتفاقيات (السلام) بين إسرائيل والإمارات والبحرين وربما والدول الأخرى التي ستتبعها في المنطقة، عن تحركات الكاظمي في محاولاته لقطع دابر النفوذ الإيراني. فبعد سيطرته على المؤسسة العسكرية والأمنية من خلال تغيير قياديها، والسيطرة على المنافذ الحدودية والمؤسسات المالية مثل البنك المركزي والأوراق المالية وبنك التجارة وهيئة الاستثمار، قام بسيطرته على مطار بغداد وإلغاء جميع مكاتب الأمن الوطني والحشد الشعبي واستخبارات الداخلية. أنه  يعمل على تأسيس مليشيا جديدة تابعة له وهي جهاز مكافحة الإرهاب الذي اصبح اليد الضاربة للكاظمي سواء بالقبض على ما يسمى بالفاسدين او بالسيطرة على المنافذ الحدودية وإشعال المعركة مع العشائر التي سأتحدث عنها، التي ما هي إلا عبارة عن عصابات المليشيات. إلا أن الفارق هذه المرة أن الجهاز المذكور والمبني على عقيدة أمريكية يلبس الثوب الرسمي للحكومة كي يسمى بالأخير (الدولة) ويكتسب صفة قانونية في حين القوى المسلحة الأخرى ترتدي اللباس الحكومي أيضا ومنضوية تحت مؤسسة حكومية ولها عنوان عريض ورسم لها خطوط حمراء وأحيطت بها الهالة والقدسية العظيمة (الحشد الشعبي) كي لا يتطاول عليها أحد. إلا أن صراع البديلين السياسيين التي أشرنا إليها في البداية، هو صراع ومحاولة كل طرف لنزع ثياب الآخر كي يظهره عاريا أمام المجتمع والرأي العام، كونه خارج عن القانون وينال من هيبة الدولة.

 

أما الحرب على الفساد، فهو يتفق مع نفس يافطة الحرب على الإرهاب، إذ يأتي لضرب المعارضين والمخالفين بين الأجنحة البرجوازية المتصارعة، ونرى أنها عناوين ويافطات للاستهلاك الإعلامي وتعمية الجماهير، فبعد 4 اشهر من تبوء الكاظمي السلطة، نرى أنه لم يفي بشيء من الوعود التي قطعها، فهو على سبيل المثال لم يقدم أي شخص من قتلة المتظاهرين إلى المحاكمة العلنية، وبالتالي فإن تلك العناوين تسوق على العلن في حين تتم المقايضة عليها سراً. أن إلقاء القبض على موظفين من مدراء بعض المؤسسات مثل التقاعد وغيرها ليس إلا لذر الرماد في العيون، أن حيتان الفساد مثل المالكي والحكيم والخزعلي وعبد المهدي والعامري والعبادي وبرهم صالح والشهرستاني والمطلك والعشرات ما زالوا قابعين في القصور والأبنية التي اغتصبوها من الجماهير في حين تعيش الملايين في العراء دون منازل أو دون خدمات، هذا ناهيك عن المليارات التي سرقوها وأسسوا بها شركات الطيران والدواجن والإسمنت والمصافي والمنتجات الزراعية. الخ.

 

أن كسر شوكة المليشيات يأتي عبر حلها، عبر حل الحشد الشعبي دون قيد او شرط، لا التغني به وتخميره وإخراجه لاستخدامه عن الحاجة، أن كسر شوكة المليشيات يأتي عبر تقديم قادتها إلى المحاكمة العلنية بتهمة الجرائم التي اقترفوها بحق المتظاهرين، أن كسر شوكة المليشيات يأتي عبر إعلان حلها دون قيد او شرط، من دون تعمية الجماهير بشعارات سخيفة مثل حصر السلاح المنفلت وتغيير تسميتها إلى قوى خارجة عن القانون.

 

إن سلطة الكاظمي ذاته، ولدت من رحم العملية السياسية الفاسدة القائمة على المحاصصة، ففاقد الشيء لا يعطيه كما يقول المثل المعروف، وإن ما يدور الآن حقاً هو صراع محتدم بين تلك الأجنحة وليس لها أية علاقة بمصالح الجماهير ولا بالحرب على الفساد ولا حتى بكسر شوكة المليشيات.

 

من هنا يجب النظر إلى أن الصراع الحالي ليس بين العشائر وحكومة الكاظمي عندما أرسلت الأخيرة قوات مكافحة الإرهاب لإطلاق المختطف (سجاد العراقي)، فالعشائر بالمعنى التقليدي والكلاسيكي ليس لها اي ثقل سياسي ولا عسكري في المجتمع العراقي، أن العشائر عناوين للمليشيات المجرمة، كما أن أي شخص تعطيه المال والسلاح يستطيع تكوين مليشيات أو عصابة مجرمة وإيجاد أسم عشيرة مناسب لها. إن ظاهرة العشائر أعيد إنتاجها في زمن نظام صدام حسين في عام 1992 بعد تدمير انتفاضة أذار جميع الأجهزة القمعية البعثية، وهم عبارة عن لفيف من المرتزقة أو البلطجية أو الشقاواة، إذ أن المالكي نفسه قد استعان بها من جديد بعد فشل مشروع دولته، وان ما نشاهده اليوم من سطوة العشائر في الشارع العراقي مرده ليس نفس المعطيات المادية للعشائر في بداية القرن العشرين في العراق التي كان زعمائها يلسعون بالسياط ظهور الفلاحين لإجبارهم على أعمال السخرة الزراعية، أن ما يمثل العشائر اليوم هي المليشيات، لذا نرى أن قسم من البرجوازية اليوم بحاجة إلى هذه التسميات أي العشائر كي تعطي صفة شرعية على مرتزقتها أو ميليشياتها امام المجتمع بعنوان (أن العشائر هي أصالة المجتمع العراقي، وأنها التراث ، وأنها التقاليد.. وإن المجتمع العراقي عشائري كما تسميها نفس الجماعة تارة بالإسلامي ... الخ من تلك الترهات). ولا شك أن أي متتبع لمنطقة (سيد دخيل) وعشائر العساكرة يدرك بشكل واضح أن منظمة بدر التي يقودها هادي العامري وجزء من هيئة الحشد الشعبي ولها مقاعد في البرلمان؛ هي الدعامة الأساسية والرئيسة لعشائر (العساكرة)، وإن إلباس الصراع بين الكاظمي ومليشيا بدر لباس عشائري هو أولا لإخفاء او طمس حقيقة الصراع بين البديلين السياسيين، وثانيا لتأليب النزعات المتخلفة والرجعية في المجتمع بالضد من الكاظمي لصده، وثالثا لإخفاء تورط بدر بعمليات الخطف والقتل.

 

لقد كشفت منطقة (سيد دخيل) ولأول مرة او لنقل إنها أماطت اللثام عن الطرف الثالث الذي كان يقتنص المتظاهرين ويقتلهم ويغتالهم، إنها منظمة بدر المتورطة بقتل المتظاهرين.

 

إلى الأمام: سؤالنا الثاني لكم يتعلق بموضوع الساعة في العراق إلا وهو رفض عشائر العساكرة عن تسليم الشاب المختطف سجاد، وقد أرسل الكاظمي قوات مكافحة الإرهاب من بغداد إلى الناصرية في قضاء سيد دخيل، يرى البعض أن هذا عمل هدفه إعادة هيبة الدولة، هل ترون نفس الشيء؟

 

سمير عادل: قبل الرد على سؤالك، أريد تبيان مسالة تبعث على السخرية حقا، وهي حصر مفهوم (هيبة الدولة) بمن يتجاسر على آلة الدولة، أولاً لا أريد أن ادخل في شرح مقولة (الدولة) والمعنى الطبقي، ولكن أريد أن أتحدث عن هذه النقطة وهي خرافة (هيبة الدولة)، لماذا هيبة الدولة لم تهتز عندما قتل أكثر من 800 متظاهر؟  وعندما يدافع شاب او متظاهر عن نفسه تنقلب الدنيا على أنه تعرض لهيبة الدولة. وهكذا عندما يتحدثون عن العنف، لا يتحدثون عن العنف المنظم ضد المتظاهرين وضد الاحتجاجات الاجتماعية، ولكن ما أن يتعرض أحد أفراد القوات الامنية في المواجهات بين المتظاهرين، تحدث ضجة كبيرة حول تعرض الشرطة إلى عنف، إنه نفاق سياسي والغرض منه هو حماية الأجهزة القمعة وإضفاء الهالة والقدسية عليها كي تكون أداة لفرض الطاعة في المجتمع.

 

 وابعد من هذا، أين هيبة الدولة من أكثر من 12 مليون عاطل عن العمل يتضورون جوعا، أين هيبة الدولة من عمال العقود والأجور الذين يتقاضون بي 250-300 ألف دينار والتي لا تكفي أجور نقلهم، أين هيبة الدولة ونظامها الصحي قد انهارت أمام إصابات مرض كورونا، أين هيبة الدولة عندما تزور مخيمات النازحين وهم يعيشون تحت شروط لا إنسانية، أين هيبة الدولة وأطفالنا يتركون مقاعد الدراسة ويتحولون إلى باعة في مفارق الشوارع لإعالة أسرهم. الخ. أن هيبة الدولة سخافة وخرافة والغاية منها تقديس الالة القمعية للطبقة الحاكمة.

 

بالنسبة لنا أن قضية الأمن والأمان والحرية هي بوصلتنا وهي محور من محاور نضالنا السياسي، أن (هيبة الدولة) وغيرها من المقولات والمفاهيم الخادعة لا تهمنا، فالبرجوازية الحاكمة نفسها لا تعير أي اهتمام لهيبة الدولة بالاستدلالات التي ذكرناها، فما بالنا نحن الشيوعيين نلهث وراء هذه الشعارات الفارغة من المحتوى والمظللة.

 

 وبعبارة أخرى نرى أن العراق لا توجد فيه دولة بالمعنى العام، المتمثل بحماية الأنسان ببعده الاقتصادي والسياسي والجسدي والصحي والاجتماعي، أو تعريف الأنسان على أساس الهوية الإنسانية وتحقيق كل أشكال الحريات كي يتمتع بها الأنسان. إذا توفر هذا الشكل من الدولة، فهو قابل للدفاع عنه بالنسبة لنا نحن الشيوعيين وقابل للدفاع عن (هيبتها).

مقالات

سمير عادل

05/03/2018