سمير عادل

الإرهاب الإسلامي لنا والأمان والعلمانية لهم ..حول قانون ماكرون وأزمة الإسلام الانعزالية في فرنسا


 

التصريح الذي ادلى به إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي، بتاريخ 2/10/2020، عن القانون المزمع تقديمه إلى البرلمان في شهر كانون الأول من هذا العام، حول الحفاظ عن علمانية الدولة الفرنسية، إذ قال بأن الإسلام دين يعاني أزمة انعزالية وانفصالية، وقد اشعل ذلك غضب مرابي المؤسسة الإسلامية وتحديدا (الإسلام السني)، ومؤسساته وأبرزها الأزهر الذي وصفه في بيان بأن تلك التصريحات عنصرية، وأما جماعات إخوان المسلمين وعلى رأسهم الرئيس التركي أردوغان الذي وصف ماكرون بأنه قليل الأدب، وجمعيات إسلامية أخرى شاركت بإطلاق سيل من الانتقادات في الداخل والخارج الفرنسي. بينما لم تثر تلك التصريحات بنفس الحدة والانزعاج عرابي (الإسلام الشيعي) وخاصة في الجمهورية الإسلامية في إيران، لأنه ببساطة تيارها السياسي ليس له القدرة على منافسة الإسلام السني في فرنسا والدول الأوربية الأخرى لا على صعيد القاعدة المادية من حيث عدد الجمعيات والجوامع والمساجد والأئمة التي شيدت بالأموال السعودية والقطرية ولا على الصعيد الاجتماعي من جانب الوجود البشر. وفي نفس الوقت هلل لتصريحات ماكرون بشكل متحفظ اليمين في فرنسا وأوروبا، بينما انتقتده بشدة بعض أطراف اليسار. وبمناسبة تلك المواقف جرت مناظرات ومقابلات في وسائل إعلام مختلفة بين مؤيد ومنتقد لماكرون. ويجدر بالذكر أن ماكرون في كلمته حَمَّلّ الحكومات الفرنسية السابقة مسؤولية خلق مجتمعات ونظام موازي في فرنسا إلى جانب المجتمع والنظام العلماني الفرنسي، وإن هدفه من طرح القانون هو دمج تلك الجاليات المسلمة او المجتمعات الإسلامية المنعزلة كما يصفها في المجتمع والنظام الفرنسي. أسئلة كثيرة تطرح حول المسألة التي طرحها ماكرون؛ لماذا يطرح هذا القانون الآن؟، وهل هي مرتبطة بالحد من العمليات الإرهابية التي تحدث بين الفينة والأخرى في فرنسا؟، وهل مشروع ماكرون هو مسالة محلية تخص الداخل الفرنسي كما يدافع المناصرين لمسودة القانون والتصريحات المذكورة في ردها على الأزهر وأروغان والمطالبة بعدم التدخل، فهو شأن داخلي فرنسي؟، أم أنها


قضية عالمية تصب في محور من محاور استراتيجية الأمن والأمان والسلم الأهلي وهوية المواطنة وحماية الآخرين من التمييز الاثني والجنسي في المجتمعات الإنسانية؟، وأين نقف نحن الشيوعيين من هذه القضية؟ قبل كل شيء يجب أن نبين أن أي موقف نتخذه من هذه التصريحات يجب أن يكون منطلقه طبقي، أي من زاوية مصالح الطبقة العاملة والإنسانية، بعبارة أخرى من زاوية الدفاع والعمل على خلق مجتمع آمن وإنساني، وليس من موقع معاداة الإسلام بأي ثمن كان، فنحن لسنا مجموعة (أنتي إسلام)، فنحن الشيوعيون نناضل ضد الإسلام كأيديولوجية من أيديولوجيات للبرجوازية التي تنثر الاوهام والتضليل بين البشر، مثلما هو نضالنا ضد الأيديولوجيات البرجوازية الأخرى كالديمقراطية والليبرالية، مع فارق هو أن الايدلوجية الإسلامية هي أيديولوجية إحدى اكثر أجنحة الطبقة البرجوازية تخلفا وأكثرها حثالة كما في العراق والشرق الأوسط، كونها تسعى من خلال هذه الأيديولوجية إلى فرض العبودية على الإنسان والحط من قيمته وقدره ومعاملة المرأة كوعاء جنسي يخدم الذكورية التي تنتجها وتعيد إنتاجها البرجوازية بكل تياراتها السياسية والاجتماعية إضافة إلى قمع كل أشكال الحريات الإنسانية، إنها أيدولوجية تخليد أبدية النظام الرأسمالي بشكله الإسلامي المتخلف المشار إليه، كما هو في نماذج السعودية وإيران وأفغانستان ودولة عصابات داعش، وليس لهذا الجناح الإسلامي مشكلة مع أي جناح آخر من أجنحة طبقته خارج الحدود أو الجغرافيا المحلية طالما هناك توافق على التقاسم بينهم. إن نضالنا ضد الأيديولوجية الإسلامية مثله مثل نضالنا ضد الأيديولوجيات البرجوازية الأخرى كما أشرنا والتي تتفرع منها كل يوم عناوين مختلفة مع ماهية واحدة وهي الديمقراطية والليبرالية التي هي الأخرى تضع العالم في تيه من الأوهام عن طريق الإيحاء بتخليد نظام الاستغلال والجور الرأسمالي. ليس هناك أي شك لو نظرنا إلى قانون ماكرون وتصريحاته بالدفاع عن القانون، فهو قانون مدني وعلماني ويخدم ويرسخ هوية المواطنة ويمكن أن تحتذى به دول أخرى أو يعمل على تقوية التوجهات العلمانية في مجتمعاتنا. بيد أن تلك التصريحات والقانون يخفي خلفه ازدواجية المعايير ويطمس الحقيقة ويذر الرماد حول سياسة البرجوازية الفرنسية والغربية بشكل عام، سواء على صعيد الداخل الفرنسي أو على الصعيد العالمي وخاصة


في الشرق الأوسط خلال أكثر من ستة عقود ولحد هذه اللحظة.

صراع الهويات بين الإرهاب الإسلام السياسي والسياسة الغربية:

إن قانون ماكرون حول الانعزالية الإسلامية يكشف عن الوجه المنافق للطبقة البرجوازية الحاكمة في الغرب، فهو يعترف بأن الحكومات الفرنسية السابقة لم تدمج المسلمين في المجتمع، ولكنه يتناسى بأن إرهاب الجماعات الإسلامية الذي بدأت حرارة نيرانه تصل إلى النظام السياسي والاجتماعي الفرنسي، بل وتكاد على الصعيد الاستراتيجي تصل إلى السلطة السياسية، ويدخل الإسلام كايدلوجية في صراع مع بقية التيارات الأيدولوجية البرجوازية، ليس سببه الوحيد السياسة الفرنسية الداخلية على مدى عقود من الزمن، ولابد أن نقف قليلا لنشير إلى تلك السياسة أي عزل الجاليات وتحت عنوان (الثقافات النسبية، أو التعددية الثقافية) التي تعمل بها في معظم الدول الغربية، هي سياسة مغرضة ولها أهداف واضحة منها؛ إن عدم إدماج تلك الجاليات بالمجتمعات الأصلية هو شل تأثيرها السياسي والاجتماعي في صنع القرار السياسي، استخدام أفرادها كجزء من العمالة الرخيصة عندما تكون منعزلة عن الطبقة العاملة في تلك البلدان وغير واعية بحقوقها وتكون مادة للمزايدة ونشر الاوهام في صفوف الطبقة العاملة وزرع التفرقة في صفوفها عن طرق استخدام سلاح القومية العنصرية وحرف الانظار عن سبب الازمات الاقتصادية للنظام الرأسمالي كما يفعل ترامب في رفع شعاره (امريكا اولا) او شعارات ماري لوبان الزعيمة اليمينة في فرنسا وغيرهم، سهولة السيطرة عليها فكريا وأيديولوجيا بما تخدم مصالحها الطبقية، مادة للضغط والتجنيد في صراعاتها السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط والدول التي كانت تستعمرها كما شاهدنا بشكل واضح في تجنيد الشباب وإرسالهم إلى صفوف الجماعات الإسلامية الإرهابية في سوريا والعراق وأمام أعين المخابرات الفرنسية والألمانية والبريطانية، بينما كان أئمة الجوامع والمساجد تلقي الخطب الدعائية والتحريضية في تلك الدول لتجنيد أولئك الشباب دون أن تحرك تلك الأجهزة المخابراتية ساكنا بل وكانت تنسق بشكل مباشر وغير مباشر مع المخابرات التركية لإيصالهم إلى سوريا. إن تلك السياسة التي استيقظ عليها ماكرون الآن، تشير إلى عدد من الإحصاءات الفرنسية، منها أن 50 ألف طفل لم يدخلوا  


المدارس لان آبائهم يرفضون ذلك ويخافون على أبنائهم من دراسة الجنس والاختلاط وقيم الحرية، أين كان ماكرون من هذا؟ لماذا استيقظ الآن؟ هل سبب هذه اليقظة هي سيارات الدهس التي ضربت مدينة (نيس) قبل أعوام، أم الهجمات المتكررة بالسكاكين على الأبرياء في شوارع باريس أم قتل عدد من الصحفيين في مجلة (تشارلي ايبدو) بسبب نشر كاريكاتير عن نبي الإسلام؟ إن حصر ظاهرة الإرهاب الإسلامي بهذه الحوادث، ومن ثم سن قانون محلي وبتصريحات سطحية، سنعرج عليها ونكشف عن محتواها، هو من أجل طمس حقيقة سياسة الغرب وتصورها للمجتمعات الإنسانية التي يسميها (المسلمة) وإن إلصاق صفة (الدين) على تلك الجاليات والمجتمعات وسن سياسات وقوانين دون التدخل في إدماجها بالمجتمعات الأصلية هي من أجل أن تتعامل دون مسؤولية وتختم على جبينها بأنه فاقد للأهلية الآدمية والاندماج بالمجتمع الإنساني كي تتخلص من أية مسؤولية مادية ومعنوية تجاهها، ومن أجل خدمة مصالحها الطبقية من خلال تثبيت أنظمة استبدادية وفاشية تخدم مصالحها في بلدان التي تصف بالإسلامية. إن ماكرون واليمين الفرنسي واليمين بشكل عام في الغرب ليس مشكلته الحقيقية هي حماية مجتمعاته من الإرهاب الذي هو وسيلة في استراتيجية الإسلام السياسي في صراعه على السلطة، فديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني الأسبق قال بكل صلافة يجب الحفاظ على هوية الغرب المسيحي، اي هوية البرجوازية الغربية في مقابل هوية الإسلام للبرجوازية القادمة من (الشرق الإسلامي)، أي أن نقطة انطلاقه ليس الإنسان وحقوقه وقيمه، بل أن نقطة انطلاقه الخوف، وكل الخوف من التقرب والمنافسة على السلطة، ليس على الصعيد المحلي فحسب، بل أيضا الحيلولة دون أن تكون تلك الجاليات أداة ضغط للأنظمة الإسلامية والبرجوازية في الشرق لانتزاع حصة منها، وهذا يفسر تصريح كامرون بالحفاظ على الهوية المسيحية لأروبا في مقابل الهوية الإسلامية، وهذا أيضا يفسر توجه حزب العدالة والتنمية الذي يقوده اردوغان في بناء الجوامع والمساجد في أوربا ويصدر أئمتها إليها لإلقاء الخطب والتعاليم الدينية وخاصة في ألبانيا والبوسنة والهرسك وبقية الدول الأوربية، فعندما يصف اردوغان ماكرون بأنه قليل الأدب، فهذا يعني احتدام الصراع الأيديولوجي الذي يعكس الصراع  


على المصالح السياسية والاقتصادية، الصراع بين الهوية المسيحية التي تمسك بها كاميرون تارة وعلمانية ماكرون والهوية الإسلامية التي يدافع عنها اردوغان تارة أخرى. صحيح أن طرح القانون ونحن نؤيده، يكون بالنتيجة لصالح الحريات وحقوق المواطنة كما أسلفنا، ولكنه يبقى محليا من جهة، ومن جهة أخرى لا تكون تلك المجتمعات اي الغربية محصنة لا على الصعيد الأيديولوجي ولا على الصعيد الأمني، وعليه يجب النظر إلى قضية المواطنة والأمن والأمان من زاوية عالمية شاملة، فاليوم ليس هناك حقوق محلية وثقافة نسبية كما أراد لها الغرب في مجتمعاته ومجتمعاتنا من جهة، ومن جهة أخرى قدم كل أشكال الدعم لإطلاق أيادي الأنظمة الإسلامية والقومية الملتحفة بالإسلام المستبدة للحفاظ على مصالحها مثل السعودية والجمهورية الإسلامية في إيران وتحت يافطة الخصوصيات الأثنية والثقافية. وسؤالنا هو هل يمكن استغفال التاريخ بأن الخطوط الجوية الفرنسية هي التي نقلت على متنها الخميني أبان الثورة الإيرانية عام 1979 من باريس إلى طهران؟ وهل يمكن محو الذاكرة عندما أفردت إذاعات (مونتي كارلو) الفرنسية و (بي بي سي) البريطانية و(صوت امريكا) بث ساعات من خطب الخميني أبان الثورة للالتفاف على الشيوعية والماركسية واليسار واحتوائها في المجتمع الإيراني في خضم الحرب الباردة، هذه كانت سياسة الغرب تجاه المجتمعات الشرق الأوسطية، لقد دعم أجداد ماكرون في بناء أكثر دولة إرهابية ونازية في الشرق، ومعادية حد النخاع لكل ما له صلة بالإنسانية، وهي الجمهورية الإسلامية في إيران، أن الغرب بسياسته ساهم في تثبيت أركان الجمهورية الإسلامية، والغرب ما زال يدعم إسلام النفط السعودي والتي تدور في فلكها عدد من أصحاب محطات الوقود والتي تسمى بدول الخليج الرجعية.

مقالات

اين نقف من الحكومة الجديدة؟...

سمير عادل

08/10/2018