توما حميد

هل يمكن القضاء على الفساد في ظل الرأسمالية؟ مستحيل!

 

 

يعتبر الفساد احدى المعضلات الرئيسية التي تواجه كل المجتمعات في عالم اليوم، ويزداد حجم هذه المشكلة مع الوقت منذ دخول النظام الرأسمالي المرحلة الاحتكارية، وبشكل خاص في العقود القليلة الأخيرة حيث يشهد النظام تعفن واضح. فهناك زيادة هائلة في معدل الفساد عالميا بالمقارنة مع الخمسينيات والستينيات مثلا.

 يمكن أن يكون الفساد سريا وغير قانونيا في الميادين التي يوجد فيها قوانين تنظم النشاط الاقتصادي والسياسي. ولكن الكثير من اشكال الفساد تحدث بشكل علني، إذ اما لا توجد قوانين او قد تم الغاء القوانين المختصة. في الحالات التي يكون الفساد علني، غالبا ما يصور النشاط، كما لو كان يتم لمنافع عامة، مثل خلق الوظائف والنمو الاقتصادي، وبذلك تضفى عليه الشرعية والمقبولية. تعتبر الإعانات المالية التي تقدمها الحكومات لشركات او قطاعات اقتصادية معينة مقابل امتيازات تقدم للسياسيين على شكل دعم الحملات الانتخابية او التبرع للأحزاب ووظائف بعد الحياة السياسية مثال.

تنشر وسائل الإعلام بشكل يومي تقارير عن الفساد عبر العالم، تتحدث عن تورط مسؤولين على المستوى المحلي او الوطني او الدولي في قضايا فساد وسوء استخدام مناصبهم، وتهز فضيحة تلو الأخرى المؤسسات الحاكمة في مختلف البلدان.

في الحقيقية، لقد أصبح الفساد جزء من البنية والروتين اليومي للكثير من المجتمعات، وبدا يتفاقم حتى في الدول المتقدمة، وامريكا هي مثال صارخ. يشمل الفساد الحكومات والقطاع الخاص وفي كل الميادين من المؤسسات الاقتصادية، الاعلام، القضاء، منظمات المجتمع المدني، الصحة، التعليم، البنية التحتية، الرياضة والمؤسسات الدينية الخ.

يأخذ الفساد اشكال عديدة جدا مثل الرشوة، الاختلاس، التهرب الضريبي، الحصول على وظيفة، ترقية وظيفية، تامين تسهيلات ومزايا وعقود، اعانات حكومية، إعفاءات ضريبية الخصخصة بأسعار رمزية، وكيفية تصميم المدن وتحديد موقع المرافق العامة والطرق وحتى التفاوض بشان الاتفاقيات الدولية الخ.

معظم قضايا الفساد الكبرى تقوم بها الشركات الرأسمالية وتمولها. فكل البنوك العالمية الكبرى بدون استثناء مثلا متورطة في كل اشكال الفساد المعروفة من منح الرشاوى الى غسيل الأموال، من التلاعب بأسعار صرف العملة الى الضغط على الحكومات لتمرير قوانين تخدم مصالحها.

 

 وفي السنوات الأخيرة وجدنا مثالين بارزين على الفساد عابر للحدود وهما الفساد في الفيفا، وأوراق بنما التي كشفت ان اغلب اغنى 1٪ في العالم يتهربون من الضرائب عبر نقل الأموال الى الملاذات الضريبية. ففي 2011 كانت هناك 32 تريليون دولار على المستوى العالمي مخبأ في الملاذات، وكان 11 ترليون دولار منها من الأموال الامريكية. تعتبر امريكا اليوم افضل نموذج للفساد "القانوني"، اي الذي لا يخالف اي من قوانين البلد. اذ يوجد في العاصمة الامريكية 26 لوبي او عضو في مجموعات الضغط  لكل شخص منتخب. وأنفقت 200 شركة من أكثر الشركات نشاطًا من الناحية السياسية في أمريكا بين عامي 2007 و 2012،  5.8 مليار دولار على جماعات الضغط الفيدرالية والمساهمة في الحملات وبالمقابل حصلت على 4.4 ترليون دولار على شكل أرباح من عقود فيدرالية ودعم مباشر.

عالميا، يكلف شكل واحد من اشكال الفساد وهو الرشوة، الاقتصاد العالمي بين 1.5-2 ترليون دولار في السنة، اي 2% من اجمالي الدخل العالمي، اذ يقلل معدل الاستثمار ورغبة المواطن في دفع الضرائب، ويزيد تكاليف المشاريع المختلفة. وقد دمر الفساد الحياة ونسيج المجتمع في دول عديدة. مثل كل علل الرأسمالية،  يكون تأثير الفساد اكبر على الفقراء. فالفقراء على سبيل المثال مضطرون الى دفع الرشاوى بمعدل اكبر. كما يؤدي الفساد الى تقليل الخدمات الاجتماعية التي تخدم الطبقة العاملة والفقراء في المجتمع.

 

أسباب الفساد

رغم بلوغ الفساد ابعاد فلكية، يصر علم الاقتصاد البرجوازي في تحليلاته، على ان الفساد هو ضد طبيعة النظام الاقتصادي الرأسمالي، وبانه ظاهرة شخصية.  كما يميل الإعلام إلى التعامل مع الفساد الرأسمالي على أنه شيء استثنائي، عرضي، طارئ، شاذ، وغير عادي. تقوم كل المجتمعات الرأسمالية الحديثة بجهود كبيرة لإخفاء حقيقة وجود فساد ممنهج.

ولكن في الحقيقية لا يعد الفساد مسالة طارئة بل افة مستوطنة في النظام الرأسمالي، لا يمكن القضاء عليها، ليس هذا فحسب، بل في الحقيقة تتعاظم رغم الجهود التي تبذل.

 تخصص كل دولة بشكل منفرد، وتخصص التجمعات الدولية مثل مجموعة العشرين والأمم المتحدة موارد هائلة، وتطور استراتيجيات لمكافحة الفساد. وتفرض قوانين ويقام عدد لا يحصى من المحاكم واللجان الحكومية لمنع الرأسماليين الأفراد أو كقطاعات اقتصادية من إفساد المسؤولين الحكوميين، ومع ذلك، تشير الدلائل إلى ان هذه الجهود قد فشلت بشكل مزري. رغم ان الطبقة الحاكمة تعرف معرفة جيدة خطر الفساد كونه عائق امام النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وتقديم الخدمات بشكل فعال ويقوض الثقة بالحكومات والمؤسسات الرأسمالية ويفاقم عدم المساواة والفقر والانقسام الاجتماعي والأزمة البيئية، الا انها تقف شبه مشلولة امام هذه الظاهرة .

 

لا تكمن الجذور الأساسية للفساد في الطبيعة البشرية وميزة الجشع لدى الانسان، وهو ليس مسالة مرتبطة بالأشخاص والسلوكيات المختلفة للأشخاص، كما يدأب مناصرو الرأسمالية اشاعته، بل تكمن في طبيعة النظام الاقتصادي الرأسمالي. الجشع هي صفة واحدة من عدد لا يحصى من الصفات البشرية، وليست أكثر أهمية من الكثير من الصفات الأخرى في توجيه سلوك الانسان، ولكن النظام الرأسمالي يوظف هذه الصفة لأنها تتناسب مع منطق هذا النظام. 

 لا يوجد أي دليل على وجود تمايز على اساس الدين، التوجه السياسي، الجنس، الموقع الاجتماعي، والعرق فيما يتعلق بمن يشارك في الفساد او حجم الفساد، بل ان الفساد مرتبط بشكل وثيق بطبيعة وخصوصية النظام الرأسمالي الاقتصادية والسياسية.

 تبقى قوانين النظام الرأسمالي الدافع الرئيسي وراء معظم أنواع الفساد في عالم اليوم. في الحقيقة، يجعل النظام، في الكثير من المجتمعات، من الصعب على الفرد بان لا ينخرط في الفساد. ولا توجد طريقة غير فاسدة للرأسمالي لكسب المال وتعظيم ارباحه، اذ يتطلب هذا الامر، استغلال العمال والفقراء. فالفساد يبدأ بقيام الرأسماليين بسرقة فائض القيمة الذي يخلقه المليارات من العمال في جميع انحاء العالم وبمكافئة افعال الرأسماليين المستندة على نوع من الاحتيال او اخر، و الأفراد الذين يكدحون يغطون في ظل ظروف مروعة.

  تستند قوانين حركة الرأسمال على منطق الربح والتنافس بين الرأسماليين، والتي تكافئ في الكثير من الاحيان الفاسدين.  توجد على الافراد والمؤسسات الرأسمالية ضغوطات تنافسية وغيرها لزيادة الأرباح او زيادة حصتها من السوق. فيسعى الرأسماليون الافراد والمدراء ومجالس إدارة الشركات إلى تقليل نفقات الإنتاج بكل الاشكال، وهذا يتطلب سلك طرق مختصرة في الإنتاج، حتى إذا كان ذلك على حساب البيئة او الصحة والسلامة العامة.

ويتطلب الحصول على أقصى قدر ممكن من المساعدة من الحكومة مثل التدخل ضد العمال في أي مواجهة طبقية، الحصول على الإعانات، او امتيازات على شكل بنى تحتية، وفرض التعريفات الكمركية، والحصول على قروض بنسب فائدة تافهة الخ.

 كما يحاولون دفع أقل جزء ممكن من صافي إيراداتهم كضرائب. وتندلع منافسة شرسة بين الشركات في هذا الاتجاه، وبالتالي يولدون فسادًا منهجيًا. والنتيجة النهائية - كما يظهر من تاريخ الرأسمالية – هي قيام اقتصاد يخدم بشكل أفضل أولئك الذين يمكن أن يكونوا أكثر فاعلية في الفساد.

ويؤدي النظام الى تركز الإمكانات في ايدي قلة لها حافز قوي على افساد السياسيين والسلطة السياسية للإبقاء على امتيازاتهم الاقتصادية. فعندما تتحكم اقلية في المجتمع بالثروة والاقتصاد والقرارات الاقتصادية سوف تولد حاجة للتحكم بالنظام السياسي والسياسيين.  ان الاستثمار في افساد المسؤولين الحكوميين له عائد هائل، وخاصة في دول مثل أمريكا.

يؤدي النظام الرأسمالي، أينما أصبح النظام سائدً، الى نمو انعدام العدالة وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء. في الدول التي لا توجد فيها انتخابات نزيهة، يقوم الأغنياء باستخدام جزء من ثرواتهم في ارشاء شريحة واسعة من المجتمع من اجل إخضاع كل المجتمع. في المجتمعات التي فيها انتخابات "ذات مصداقية"، يخلق التناقض بين الوضع الاقتصادي الذي يخدم اقلية وبين القوة السياسية التي تتمتع بها الغالبية العظمى من الجماهير من خلال الانتخابات حافز قوي لدى الرأسماليين لشراء العملية السياسية. فهناك تناقض بين عدم المساواة الاقتصادية والديمقراطية المستندة الى الانتخابات. لهذا يظهر ميل يشهد قيام الثروة الكبيرة المتركزة في ايدي قليلة بإفساد العملية السياسية وسن قوانين لصالح الرأسماليين والتحكم بالأعلام.

ويكون التأثير أكبر عندما يلتقي الرأسماليون والشركات في صناعات معينة، فتنتظم الشركات والمؤسسات الرأسمالية في تحالفات وجمعيات وغرف تجارة فيفسدون السلطات السياسية لتأمين مصالحهم الطبقية.

وما يشجع الفساد هو غياب العدالة حتى امام القانون. فكل مدراء البنوك والمؤسسات الاقتصادية الرأسمالية المتورطين في مئات من قضايا الفساد، والذين يخلقون الازمات الاقتصادية، لا يواجهون أي محاسبة قانونية. كم من المتورطين في قضية التجسس من قبل الاعلام التابع لمردوخ على الشخصيات المشهورة في بريطانيا دخل السجن؟ كم من المرتبطين بجيفري ابستين دخلوا السجن؟ كم من مدراء الشركات التي تسببت في ازمة 2008 قد واجهوا العقاب؟

باختصار، الفساد هو ليس دليل فشل النظام،  بل هو جزء من بنية هذا النظام الذي يجعل الربح اسمى هدف ويجعل كل شيء اخر ثانوي بما فيه التصرف بإنسانية وامانة. فالنظام يخلق حافز للتصرف بشكل فاسد وهو تحقيق اعلى معدل من الأرباح. في الحقيقة، يجبر النظام الافراد والمشاريع الاقتصادية في الكثير من الأحيان على الانخراط في الفساد. لان بخلاف ذلك، سوف يخسرون المنافسة ويندثرون من الناحية الاقتصادية.

القضاء على الفساد.

الحد من الفساد يتطلب انهاء عمر هذا النظام وكل الحوافز التي يقدمها لانتشار الفساد.  فالقضاء على الفساد في ظل الرأسمالية هو هدف مستحيل. إذا تم الغاء العمل المأجور ومنطق الربح في تنظيم الاقتصاد، وقام العمال بشكل جماعي بتوجيه عملية الإنتاج عندها سوف يضعف الحافز للفساد.  ولكن ضمن حدود هذا النظام لا يوجد حل سحري للحد من المستويات المرتفعة من الفساد سوى تشديد النضال من اجل الأجور والضمانات الاجتماعية والخدمات مما يقلص فرصة طرفي معادلة الفساد، أي المفسِد والمفسَد، للانخراط في الفساد.  رغم ان النضال من اجل قوانين وانظمة ولجان إضافية من اجل الشفافية وتعزيز دور الاعلام يجب ان يستمر، لكن دون وجود خطر على نظام الحكم تخلقه الطبقة العاملة، لا تحقق الإصلاحات البرجوازية من هيئات النزاهة وتشديد العقوبات والفضح الاعلامي سوى القليل من النجاح، لأن اما ان قدرتها على كشف الفساد يكون محدودا او في حالات معينة تصل الطبقة الحاكمة الى مرحلة لا تأبه بكل هذا وتقر بان الفساد هو جزء من تركيبة النظام.

 

مقالات