عادل احمد

مهزلة الانتخابات الامريكية!

 منذ ما يقارب من ثلاث عقود، أي في زمن انهيارات كتلة أوربا الشرقية والاتحاد السوفيتي، قامت الطبقة البرجوازية العالمية بشن حملة عالمية من الدعاية السياسية للديمقراطية والنظام الديمقراطي والتي  صمّت اذان الأشخاص في اكثر المناطق النائية في العالم، وقام بترديده كل كبير وصغير في حينها دون معرفة المحتوى والجوهر الحقيقي للديمقراطية البرجوازية. ورددها المجتمع أيضا وخاصة اثناء احتلال قوات النظام البعثي للكويت. وفي هذه الأثناء، وفي أوج ضجيج الديمقراطية، وجهنا نحن الشيوعيون العماليون، وخاصة الرفيق منصور حكمت، بنقد الديمقراطية البرجوازية كمفهوم وكشكل للحكم في كتابه "الديمقراطية بين الادعاءات والوقائع"، وساهم بشكل دقيق بالتحليل السياسي والطبقي لمفهوم الديمقراطية وإشكالية حكمها السياسي.

 وخلال ثلاث عقود من الزمن، ها نحن نواجه الانحدار نحو الانحطاط الديمقراطي في زمن الشعبوية. ومن هذه الزاوية، ننظر حولنا والى عالمنا الذي تؤكد كل حقائقه على ان الديمقراطية لا تعني الحرية، والانتخابات البرلمانية وحتى في ارقى اشكالها لا تعني حكم الشعب. لنأخذ ارقى نظام ديمقراطي وأكثرها شهرة وتأثير، وهو النظام الديمقراطي الأمريكي، والذي هو على اعتاب انتخابات رئاسية بعد اقل من اسبوعين بين المرشحين جو بايدن ودونالد ترامب.

ان من ينظر بدقة الى سلوك وأقوال المرشحين في دعايتهما الانتخابية وفي المناظرتين التي عرضت من على الشاشات والقنوات الفضائية، يتبين أولا هزالة الدعاية الانتخابية، وثانياً المفاهيم والمصالح التي تقف ورائها، أي ما وراء السلطة التي تأتي الى الحكم وتقوم بخدمتها.  ان الانتخاب تتم بين مرشحين، وهي في الأصل بين مرشحي الحزبين المهيمنين والمحتكرين للسلطة منذ ولادة الدولة الامريكية، ولا مجال لطرف ثالث البروز او الارتقاء مهما حاول، لان الهيكل السياسي والإداري للدولة الامريكية مقسم بين "الديمقراطي" و"الجمهوري"، وتتمحور كل البدائل والآفاق السياسية حول افاق هذين الحزبين والتقسيمات متعادلة تقريباً. ان تحطيم وتشويه شخصية الآخر، البحث عن عيوب ونواقص بعضهما البعض وبيان الاختلافات الجزئية والسطحية بينهما وتضخيمها وجعلها  "قضايا" امام الجمهور الأمريكي. ان الحيلة والتضليل السياسي هو ديدن هذه الديمقراطية المرموقة!!

تتدخل جميع المؤسسات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وبالأخص الطغم المالية، وهو ما بني على اساسه النظام الأمريكي. ان توجيه الاتهامات حتى المتعلقة منها بالحياة الشخصية لبعضهم البعض هو محور المناظرات وليس بيان ونقد سياسات ما تجلب الفقر والجوع والبطالة والعنصرية الممنهجة والحروب الخارجية والتدخل في البلدان وانهيار نظامها ونشر الفوضى في العالم و تهديد العالم بالحروب النووية و  ... الخ. ان هذا هو احد الجوانب. بيد ان نظرة كلا المرشحين، او بالأحرى كلا الحزبين، لمفهوم الديمقراطية والنظام الانتخابي أيضا موضع جدل. ان الرئيس الحالي المرشح دونالد ترامب لا يؤمن حتى بآلية الديمقراطية والتصويت، وانما يطعن من الان بهذه الآلية حتى قبل اجرائها، ولا يؤمن بتسليم الحكم لو فاز المرشح جو بايدن بالرئاسة، لأنه يرى في شخصية جو بايدن شخصية ضعيفة غير قادرة على قيادة أمريكا في المرحلة الحالية، ولهذا سيسلك كل الطرق الممكنة لبقائه في الحكم!!!. ويهدد المجتمع الأمريكي باذا لم ينتخب دونالد ترامب رئيسا، فان الحرب الأهلية على الأبواب وسوف تنفلت الامور!! أي ان الديمقراطية الانتخابية لا تعني شيئا وانما القيادة الضرورية لهذه المرحلة في تاريخ أمريكا والتي هي آيلة للسقوط والانهيار امام تشكل إمبراطوريات المال الجديدة، ومنها الصين.  اذا الديمقراطية البرجوازية تخلي مكانها للشعبوية البرجوازية.

ابان كورونا، لا تجد مكان لرفاهية والعيش الكريم، ولا الوقاية من الوباء ولا توجد حلول واقعية لتجنب المواطن الأمريكي الموت والمحن الاقتصادية والوبائية جراء كوفيد ١٩ وشلل في شريان الاقتصاد وما يتبع ذلك من أزمة اقتصادية خانقة لأكثر من عشر سنوات، حيث تتهاوى المصانع والشركات يوميا مثل أوراق الشجر في الخريف وتزداد البطالة واليأس يوم بعد يوم بين صفوف العمال.  بيد ان ما ينهمكون به هو من يجب ان يكون على رأس السلطة دون برنامج واضح لكل هذه المصائب! وفي الحقيقة من يخدم اكثر لتراكم الرأسمال والارباح، من يخدم اكثر إمبراطور المال والنفوذ، من يخدم اكثر الشركات العملاقة والبنوك والمؤسسات المالية للطبقة البرجوازية؟

 ان من ينظر الى الدعم السياسي الغربي، وخاصة أمريكا وبريطانيا، لكل من السعودية والتي هي قلعة الرجعية والاستبداد ودول الخليج وباكستان ومحاولة اعادة طالبان الى الحكم في أفغانستان ومساندة الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط ورعاية دولة إسرائيل العنصرية، ومساندة الدول والأنظمة الاستبدادية والمفسدة في السلفادور وكولومبيا وبنما و.. مالذي يتوقع من هذه الديمقراطية وأفكارها ونموذجها السياسي للسلطة وهي تخدم اكثر الدول استبدادا ورجعية؟ ومن لا يستهزأ من النظام السياسي في العراق وديمقراطيته والتي تتحكم به المليشيات الموالية اما لإيران او أمريكا! ومن لا يستخف بديمقراطية الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني وهي تعتقل وتغتال وتصادر حريات اناس لا لشيء الا لاحتجاجها ودفاعها عن لقمة عيشها؟!  وكلها مدعومة من قبل الغرب وأمريكا.

 ان كل الديمقراطية والنظام الديمقراطي وانتخاباته وبرلمانه هي موضع سخرية فعلاً كما هي عليه الحال مكانة ترامب وبايدن في الانتخابات الامريكية! وان من لا يزال لديه ادنى شك بالنظام الديمقراطي، فلينظر الى أمريكا!

ان الديمقراطية، كما قلنا مرات عديدة، ليست مرادفة للحرية، وانما هي حرية طبقة الأغنياء والرأسماليين والبرجوازية من اجل إمبراطورية المال والسلطة والنفوذ، وهي في نهاية المطاف بالضد من مصالح أكثرية المجتمع من العمال والكادحين والمحرومين.

مقالات