سمير عادل

الورقة البيضاء، الكي بالنار والضحك على الذقون

 

 

(1)

اصدرت خلية الطوارئ للازمة المالية وبدعم البنك الدولي مشروعها السحري لإنقاذ العراق من ازمته المالية. وسمّتْ مشروعها بالورقة البيضاء على غرار الوثائق الحكومية التي تصدر في العالم والتي هي عبارة عن سند اقتصادي تقدمها الحكومات كي تلخص سياستها الاقتصادية وخاصة في مراحل الازمات. وقبل الخوض في الورقة التي تتألف من 96 صفحة ومقدمة وتقييم وخمسة محاور، نعطي ملاحظتين؛ الاولى فهي اي الورقة ليست طرح جديد لا من قبل الحكومات العراقية التي تشكلت بعد الاحتلال ولا على الصعيد دول العالم، والثانية تلخص دور الدولة وتنصلها من مسؤوليتها تجاه المجتمع. فعلى الصعيد المحلي سبق وان طرحت حكومة المالكي عشية انتفاضة شباط 2011 مشروعها الاصلاحي عبر الاطاحة بالبطاقة التموينية ورفع اسعار الوقود الا انها سرعان ما تراجعت على اثر انتفاضة شباط، وبعد ذلك حاول سلفها حكومة العبادي من فرض سياسة تقشف قاسية على المجتمع، على اثر حربه مع داعش واستلام ميزانية فارغة من رفيق دربه المالكي، فاستقبلته تظاهرات تموز 2015 والتي رفعت شعار "باسم الدين باكونا الحرامية" وبعد ذلك جاء عبد المهدي ليعلن ورقته البيضاء وسماها حينها بالورقة الاصلاحية الا ان انتفاضة اكتوبر اطاحت به وبها. بمعنى اخر ان هذه الورقة ليست جديدة ولكن اسمها تغير حسب ابتكارات كل حكومة. اما على الصعيد العالمي لقد جربت بلدان العالم في اسيا وافريقيا وامريكا الجنوبية هذه الورقة المظلمة، في الارجنتين والبرازيل وفي بولندا وروسيا والصين وتشيلي واندونيسيا وفلبين ومصر وتونس... وكما يقول واضعي الورقة انها قرارات قاسية وتنفيذها بحاجة الى ارادة سياسية. وبالفعل فهم على حق، فعلى سبيل المثال وليس الحصر  كان هناك انقلابان دمويين في تشيلي وفي اندونيسيا، كي تنفذ الورقة البيضاء او الورقة الاصلاحية، اما في البرازيل فلقد نفي قادة الاتحادات العمالية الى غابات الامازون في حقبة الثمانينيات من القرن الماضي كي يرغموا على التوقيع بالموافقة على تطبيق الورقة الاصلاحية او الورقة البيضاء.

الكي بالنار المحور الرئيسي في الورقة البيضاء:

ملخص مشروع الورقة البيضاء هو تطبيق السياسة الليبرالية الجديدة في العراق وتتلخص كما جاء؛ تصفية القطاع العام وتقليل اجور العمال والموظفين الى نسبة 25% -12,5% خلال ثلاث سنوات ورفع اسعار الوقود والكهرباء والمياه  بعد خصخصتها والغاء البطاقة التموينية وتعويم العملة المحلية.

ان اهم الحجج السخيفة التي سيقت لنا في الورقة وسنعمل على تفنيدها واحدة تلو الاخرى استندت على التهويل من رواتب العمال والموظفين، وانها السبب الرئيسي في ترهل اقتصاد الدولة وعدم وجود السيولة، وان الزيادة في نسبة الرواتب وصلت الى 400% (انظر ص 11). وان سياسة الاعتماد على النفط والاعتماد على الدولة التي سماها بالاشتراكية واهمال القطاع الخاص هي ايضا من اسباب الازمة الاقتصادية منذ 40 عام كما يصفه التقرير. والاسخف من كل تلك بأن الجماهير لا تدفع اجور الكهرباء والمياه لأنها تعتبرها (حقوق مكتسبة)، كما يضيف الى تلك الحجج الضغوط السكانية التي اصبحت اكبر من استيعاب حجم الاقتصاد العراقي. وطبعا لا يغفل المشروع ان وباء كورونا عمق من الازمة الاقتصادية وادى الى انخفاض اسعار النفط. بيد ان الحق يقال، ان اصحاب المشروع وضعوا المشهد الدرامي على الازمة الاقتصادية التي تعانيها جماهر العراق وهي المحاصصة الطائفية دون الخوض في تفاصيلها الفساد الاداري والمالي والسياسي وتضخيم الدواوينية الحكومية مثل الحمايات والمستشارين والمدراء العامين والمناصب الخاصة التي وصلت الى ثلاثة الاف منصب والاوقاف، ولجان العليا لمكافحة الفساد والمساءلة والعدالة...الخ التي التهمت عشرات اضعاف رواتب العاملين في القطاع الحكومي.

قبل الخوض في غمار الورقة، نريد ان نبين  نحن الشيوعيون، لسنا من عشاق القطاع العام، الا اننا نؤمن ان الدولة وبغض النظر عن محتواها الطبقي هي المسؤولة عن معيشة الجميع وسلامتهم وامنهم، وقد اعلنا هذا بالرد على وباء كورنا عبر ما سميناها "البرنامج الوطني" والذي وقعته عشرات الاتحادات والمنظمات العمالية والنسوية والقوى المختلفة. في حين ان "الدولة" في العراق تنصلت من كامل مسؤوليتها تجاه المواطن في مواجهة ازمة كرونا، وتعترف الورقة كذبا او حماقة للتستر على سياسات الحكومات السابقة وتداعياتها، بأن نسبة الفقر ارتفعت الى 31% بسبب عملية الاغلاق جراء وباء كورونا، في حين ان نسبة الفقر في العراق تجاوز 40% منذ عام 2017 حسب احصاءات صندوق النقد الدولي.

لنذهب الى الحجة الاولى التي يتحدث عنها المشروع (الورقة البيضاء) وهو رواتب العمال والموظفين، السؤال الذي يتم طرحه بين الحين والاخر، ان اي علاج للازمة الاقتصادية تطرحها هذه الطبقة الفاسدة يجب ان يمر عبر شن هجمة على معيشة العمال والموظفين، فمن اين تستمد هذه الطبقة الطفيلية الفاسدة حقانيتها لشن هجمتها الحقيرة هذه؟. ان الكذب والذي ملئ المشروع يذكرنا بالأكاذيب الصلفة للرئيس الامريكي ترامب، وتصوير ان رواتب العمال الموظفين هي جذر المشكلة انظر (فقرة بعنوان جذور المشكلة -ص 9) هو من اجل الحفاظ على امتيازات تلك الطبقة. فأولا ان الارتفاع الحاصل في تلك الرواتب المزمع تقليلها لا يأخذ بنظر الاعتبار الارتفاع في تكاليف المعيشة، وثانيا لا يأخذ بنظر الاعتبار ان رب الاسرة سواء كانت عاملة او موظفة او عامل او موظف او المتقاعد، يعيل على الاقل فردين او ثلاث افراد، وهم اما في مرحلة الدراسة  او عاطلين عن العمل، واخيرا كيف تقاس القدرة الشرائية حتى تصف الرواتب والمعاشات بأنها عالية. فعلى العكس تماما فأن هذه الرواتب لا تسد غير تكاليف الحد الادنى لمعيشة المواطنين. الحجة الثانية وهي الادهى من قبلها،  تتحدث الورقة عن الاهمال المتعمد للقطاع الخاص لصالح القطاع العام، ولذلك تشير الورقة( لقد جاءت سياسات دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع، سيما نفقات الموظفين والمتقاعدين المرتفعة على حساب الانفاق الضروري، على البنى التحتية العامة المتهالكة نتيجة اكثر من اربعة عقود من الصراعات، وعلى حساب راس المال الثابت واللذين يشكلان الاساسين لنمو الاقتصادي المستدام...ص 9). هذا التضليل التي تمارسها الورقة او اصحاب المشروع الجهنمي بحرف الانظار عن الاموال التي انفقت على تأسيس شركات القطاع الخاص ومن صلب اموال (الدولة) والتي لم تذهب لا الى البنى التحية المتهالكة ولا الى تطوير راس المال الثابت والمقصود هنا المصانع والمعامل والات التشغيل والادوات الاحتياطية واعمال التعمير والبناء...الخ. اولا هذه النغمة النشاز والتي اعتاد عليها حزب الدعوة الاسلامية الذي قاد سلطة الاسلام السياسي الشيعي الفاسدة منذ اكثر ما يقارب عقد ونصف نقول اعتاد من تكرارها في رمي كل مصاعب التي زيدتها وعمقتها على كاهل جماهير العراق على النظام البعثي والبعثيين. ولكن هذه المرة بنغمة اقل حدية وهي (اربعة عقود) ولم تقل النظام البعثي.



مقالات

سمير عادل

05/03/2018