شاكر مصطفى

الاسلام والارهاب والعنصرية وموقف اليسار حول الاحداث الاخيرة في فرنسا

 

الاحداث الارهابية الاخيرة في فرنسا ،  ذبح المدرس ساموئيل باتي الذي تم بفتوى دينية كما تقول الحكومة الفرنسية ثم احداث الطعن في مدينة نيس جنوب شرق فرنسا حيث قتل ثلاثة أشخاص أحدهم على الأقل نحرا، وجرح ستة آخرين الخميس (29 أكتوبر/تشرين الأول) على يد شخص يحمل سكينا وتم اعتقاله بحسب مصدر حكومي، فيما أعلنت نيابة مكافحة الإرهاب فتح تحقيق في الهجوم. وأوضح مصدر في الشرطة لوكالة فرانس برس أن شخصين هما رجل وامرأة قتلا في كنيسة نوتردام بينما توفيت سيدة أخرى بعد إصابتها بجروح خطيرة في حانة قريبة كانت قد لجأت إليها  بعدما تعرضت لطعنات عديدة. )

ووفقا لصحيفة لوفيغارو الفرنسية فإن جثة سيدة مقطوعة الرأس وجدت إلى جانب حوض الماء المقدس داخل الكنيسة، بينما عثر على جثة رجل في مكان غير بعيد عن الجثة الأولى.

 اعادت هذه الاحداث الدموية الى الواجهة طرح مشكلة العلاقة بين الاسلام والارهاب والعنصرية  وموقف اليسار الماركسي والاشتراكي من هذه القضايا الشائكة ،

ظاهرة الارهاب الاسلامي هي ظاهرة عالمية اليوم تقوم على فكرة اسلمة المجتمعات وان كل الارض هي مسرح للجهاد الاسلامي وهي مرتبطة بالإسلام الجهادي السلفي  الذي يستقي افكاره ومبادئه من التراث الاسلامي في جذوره الاولى اي من العهد النبوي ومن كتب الصحاح والفقه الاسلامي المختلفة . ان ظاهرة التطرف والارهاب الاسلامي المتسمة بكراهية الاخر وتكفيره هي ظاهرة ايديولوجية متعصبة روجتها السلفية الاسلامية المعاصرة ومولت بواسطة اموال البترودولار الخليجية والسعودية خاصة . المهاجرون في فرنسا والمانيا والولايات المتحدة ونيوزلندا واستراليا وغير هذه البلدان هربوا من جحيم مجتمعاتهم الاسلامية بحثا عن الحرية والعدالة في هذه البلدان فتلقفتهم الجماعات الاسلامية الاصولية ليعاد تأهيلهم  بواسطة الدروس الاسلامية في الجوامع التي سمحت الحكومات ببنائها كجزء من سياسة قبول الاخر واحترام المعتقد والتعددية الدينية تلك الجوامع والمساجد التي اصبحت اوكارا للإرهاب يسيطر عليها الشيوخ السلفيين المتطرفين .

تعاملت الحكومات الغربية مع المهاجرين المسلمين وفق سياسة (النسبية الثقافية ) بمعنى  انها تقول للمسلم (( ثقافتك يحددها دينك وتراثك )) تحت زعم احترام خصوصيات هؤلاء الناس  وفي واقع الامر لم تخطو الحكومات الغربية خطوات جدية ابدا  لدمج المهاجرين في المجتمعات الغربية القائمة على العلمانية وحقوق الانسان والحرية والديمقراطية وبدلا من ذلك تم عزلهم في كانتونات ((دينية وعرقية معزولة كجزر ثقافية و دينية. هذه السياسة لم تكن وليدة صدفة او نتيجة ضغط اجتماعي بل كانت سياسة شرعت منذ اوائل التسعينات ثم ترسخت اثر تطبيق موديل امريكا في العراق في العام ٢٠٠٣)) اي بعد سقوط الكتلة السوفييتية في العام 1991 وتمهيدا لمرحلة استعمارية جديدة من اجل اعادة تقسيم مناطق السيطرة والنفوذ للدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا .

ان قيم الحرية والمساواة والعلمانية وحقوق الانسان مرغتها الانظمة الرأسمالية الغربية بالوحل ففقدت قيمتها واعتبارها الاجتماعي والانساني وفقا لمعايير النسبية الثقافية وتقسيم المجتمعات على اساس الدين والمذهب والعرق ودعم الحركات الارهابية واحداث الفوضى في الشرق الاوسط وتدمير دول مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا من اجل اعادة الهيمنة الامبريالية تحت يافطة الديمقراطية والحرية مرة ومرة تحت زعم الدفاع عن المدنيين امام قمع الانظمة الحاكمة .

الارهاب الاسلامي في فرنسا وغيرها من الدول الاوربية هو نتيجة لسياسة المعايير المزدوجة للحكومات الغربية الفصل العنصري الثقافي والديني للمهاجرين وعدم دمجهم في مجتمعات اللجوء وتسليمهم بأيدي الملالي وشيوخ الدين الذين قيدوا حرية المرأة وزرعوا بذور الارهاب بين صفوف الاطفال والشباب هذا من جهة ومن جهة اخرى موجات الكراهية والعنصرية التي يقودها اليمين العنصري ضد اللاجئين باعتبارهم دخلاء وغرباء عن الثقافة والعرق الاوربي ويجب طردهم هذه هي جذور الارهاب والصراع التي تتحمل نتائجها الحكومات الغربية سواء في فرنسا وغيرها .

موقف اليسار الاوربي ضد التمييز والعنصرية ودفاعه عن اللاجئين باعتبارهم يعانون من اضطهاد اليمين العنصري والحكومات الاوربية  وفقا لحقوق الانسان هو موقف ناقص رغم كونه ايجابيا فاليسار في الغرب بتعدد احزابه ومنظماته يدافع ايضا عن ( الخصوصيات الثقافية والدينية ) للاجئين المسلمين ويشترك مع الحكومات البرجوازية بنفس النظرة القائمة على مفهوم النسبية الثقافية (( دينك وتقاليدك هي ما يحدد هويتك )) وهذه النظرة الناقصة لا تدافع عن ضرورة الاندماج وتأهيل المهاجرين ومساواتهم في الحقوق مع السكان الاصليين بل انها تنطلق من خصوصياتهم ومن كونهم مضطهدين فحسب ، كما ان اليسار الغربي عامة لم يدرك بعد حقيقة خطر ظاهرة الاسلام السياسي والتطرف الجهادي الذي يقوم على فكرة اسلمة اوربا والسيطرة عليها ونشر القيم الاسلامية القروسطية والرجعية بدلا من قيم المساواة والعلمانية والحداثة .

ان دفاع اليسار في فرنسا عن اللاجئين والوقوف الى جانب الجمعيات والمنظمات التي تمثلهم ضد الحكومة واليمين العنصري كونهم يتعرضون للاضطهاد والتمييز ادى الى وسم اليسار في فرنسا بتسمية ( اليسار الاسلامي ) من قبل الاحزاب الليبرالية والاحزاب العنصرية القومية التي تكن العداء والكراهية للاجئين ولليسار بنفس الدرجة .

 وبوجه عام يجب على اليسار الاوربي توجيه نقد جذري للايديولوجية الاسلامية المولدة للارهاب والعنف والكراهية ذات الاهداف الرجعية الخطيرة ليس في اوربا بل في العالم اجمع وفضح طبيعتها المضادة للتحرر والتقدم والعلمانية ومساواة البشر في الحقوق .

لقد تحولت قضية اللاجئين في فرنسا الذين يقدر عددهم حوالي 4 ملايين الى معضلة خطيرة فغالبية اللاجئين الذين هربوا من بلدانهم للبحث عن فرص عمل وحياة افضل هم اليوم ضحايا بين مطرقة اليمين العنصري وسندان الجماعات الارهابية الموتورة .ولا مصلحة لهم فيما كل ما يحدث .

ادانة اعمال القتل والذبح في فرنسا التي قام بها ارهابيون اسلاميون يجب ان يترافق مع ادانة المعايير المزدوجة والمنافقة التي تدير بها الحكومة الفرنسية سياستها تجاه اللاجئين وادانة سياسة النسبية الثقافية ومواقف اليمين العنصري المتطرف كما يجب بلا هوادة فضح خطر الارهاب الاسلامي واهدافه الرجعية المحملة بالتكفير والكراهية ، والدفاع عن حقوق الانسان والمساواة بين جميع السكان في فرص العمل والتعليم والثقافة والحياة وادانة  كل اشكال الفصل العنصري والكراهية أيا كان مصدرها .

 

مقالات