سمير عادل

الرومانسية بين الهزيمة والانتصار في انتفاضة أكتوبر



 

البكاء والعويل، الإحباط واليأس، التخوين والتشكيك كل هذه المشاعر والاتهامات تملئ شبكات التواصل الاجتماعي على اثر عدم وصول انتفاضة أكتوبر إلى محطتها النهائية، وتصب جميعها في ردود فعل أخلاقية وتفتقر إلى التقييم السياسي الموضوعي وتشخيص نقاط ضعف الانتفاضة، واين اخفقنا وفي اي مكان حققنا انتصار، وهل أن هزيمة الانتفاضة هي هزيمتنا النهائية، أم خسرنا معركة؛ ولكن أجواء الحرب باقية بشكل هدنة غير رسمية بين الملايين العاطلين عن العمل وعمال العقود والأجور والنساء الذين قدموا مئات التضحيات وآلاف الجرحى من اجل الرفاه والأمان والحرية والمساواة وبين السلطة البرجوازية التي يقودها اليوم التيار القومي (المحلي الوطني) ومدعوما بالمليشيات الإسلامية لإنقاذ راس السلطة من قبضة الانتفاضة.

 

لا شك أن العراق ليس كالسودان ولا كمصر أو تونس على صعيد التجربة السياسية النضالية والحركة الثورية بجميع ميولها السياسية سواء الاشتراكية أم الإصلاحية أم الديمقراطية. فلأول مرة يصادف المجتمع العراقي منذ عقود طويلة هبوب نسيم انتفاضة يوقف التاريخ في المنطقة، تاريخ ما قبل الأول من أكتوبر عام 2019 وتاريخ ما بعده. لأول مرة يشارك جيل من الشباب يفتقر إلى التجربة السياسية والنضالية قبل الانتفاضة، فهو لم يفتح عينيه سوى على الحرب والاحتلال أو في أفضل الأحوال على الحصار الاقتصادي، وعلى الحرب الأهلية الطائفية وعلى داعش. وبين هذا وذاك، فقد فطم على الفقر والعوز والبطالة، ولم يختبر السياسة سوى سماعه بالفساد الإداري والمالي والسياسي. هذا الجيل الذي حرم من كل شيء، وظل مغتربا عن حياة الإنسانية بحدودها الدنيا على الأقل من ناحية تنعمها بالحصول على خدمات بسيطة مثل الكهرباء والصحة والمياه النظيفة وشوارع معبدة في محلات سكنهم لا تقطعها الأوحال وبيوت لا تنخر سقوفها مياه الأمطار او تطوف فيها مياه الصرف الصحي أثناء فصل الشتاء. هذا الجيل الذي لم يتوارث أية تقاليد حزبية وتنظيمية ونضالية في المجتمع بسبب سياسة البعث القمعية، وبسبب عيشه في ظل التجربة مع الأحزاب الإسلامية الفاسدة وسلطتها الجائرة والظالمة. هذا الجيل هو من أشعل شرارة أكتوبر وهو من دفع ثمنها غاليا. هذا الجيل الذي أرعبت المليشيات المدججة بالأسلحة والمدعومة حكوميا وإقليميا فقط بصدورها العارية. هذا الجيل اليوم هو الذي انتابه اليأس والإحباط بسبب ما آلت إليه نتائج الانتفاضة بالنسبة لأحلامه وأمانيه وطموحه والتضحيات العظيمة التي قدمها.

 

أين أخفقت الانتفاضة؟

 

ليس صحيحا أن الانتفاضة لم تكن لها قيادة، او هكذا يحاول أن يصورها عدد من الاتجاهات. وليس صحيحا أن الانتفاضة افتقرت إلى التنظيم. نعم نحن في الحزب الشيوعي العمالي العراقي وفي نشرتنا (انتفاضة أكتوبر) وفي صحفيتنا (إلى الأمام) تحدثنا عن اللاتنظيم وعن غياب القيادة وقلنا مرارا وتكرار إن كعب أخيل الانتفاضة هو اللاتنظيم، ولكن اي تنظيم وأية قيادة؟ وأيضا نضيف إنه ليس صحيحا أن الانتفاضة فشلت، بالرغم من أننا نحن أول من قلنا إن الانتفاضة أسدلت الستار عن فصلها الأول وقلنا إنها وصلت إلى طريق مسدود وعبرنا عن صور إخفاقها بأشكال مختلفة.

إن الانتفاضة لم تفشل في الذكرى الأولى لها في 25 أكتوبر عندما استطاعت المليشيات الإسلامية أن تسيطر على الساحات والهتافات والشعارات، وعندما لم يكن هناك شعار واحد ضد الكاظمي وحكومته الرجعية والمحاصصاتية المعادية لحد النخاع للعمال والموظفين والمتقاعدين والعاطلين عن العمل، وقد عبر عنها بورقتها المظلمة وسماها (الورقة البيضاء). إن الانتفاضة أخفقت عندما اعتلى الكاظمي راس السلطة التنفيذية، ونحن قلنا حينها إن الكاظمي لن يختلف عن عبد المهدي والعبادي والمالكي، لكن عاصفة الأوهام كانت اقوى من مما ذهبنا إليه.

 

إن الانتفاضة لم تفشل لان الخيام رفعت من ساحة التحرير، وصورها عدد ليس قليل بأنه إعلان موت الانتفاضة، إن هذا التصور إلى الخيام هو تصور رومانسي وليس له أية علاقة بالعمل النضالي والسياسي الثوري. إن نصب الخيام، كان وسيلة نضالية معينة من اجل الاعتصام وديمومته، بيد أن رفعها لا تعني أبدا انتهاء الانتفاضة، بالعكس تماما إن الاعتماد على وجود الخيام وحصر التظاهرات أو الانتفاضة في الساحات  كانت واحدة من العوامل وراء مقتل الانتفاضة.

لقد قلنا في نفس أدبيات وخطابنا السياسي والإعلامي، بأن السلطة المليشياتية راضية على ابقاء الاوضاع الى هذه الحدود وهي ابقاء الانتفاضة في الساحات، في حين كانت هي تتحرك وتبيع وتشتري وتصدر النفط وتسرق المنافذ الحدودية وتأخذ الإتاوات، دون أن تؤثر تلك الخيام على أوضاعها الاقتصادية، وأيضا قلنا حينها يجب أن تتحول كل منطقة وكل مصنع إلى ساحات للانتفاضة، إن التنظيم في المناطق المعيشية وفي محلات السكن، في أماكن العمل وفي الجامعات والمعاهد، كان بالإمكان أن تنقل الانتفاضة إلى مرحلة جديدة، إن كل التصعيد الذي حصل في الانتفاضة هو محاولات للوصول إلى المنطقة الخضراء ولقد تكبدنا خسائر بشرية كبيرة وراء هذ الشكل من النضال بالرغم من أننا نبهنا إليه.

 

التيار القومي والانتفاضة:

 

في كل انتفاضة وكل ثورة تشترك التيارات السياسية وأحزابها من اجل سيطرة آفاقها وسيادتها عليها وبالتالي قيادتها، وقد اشرنا إلى هذه المسالة بشكل صريح وشفاف في المقابلات الصحفية والمقالات والبيانات، وبينا أن هناك تيارات سياسية تشترك في الانتفاضة وشخصناها بالتيار القومي العروبي والتيار القومي المحلي، و(وجود النزعة الاشتراكية) كي لا نقع في كمين المبالغة ولا نقول التيار الاشتراكي وسوف سنتحدث عنها لاحقا، وكانت النزعة المعادية للنفوذ الإيراني هي السائدة في الانتفاضة، وكلا الجناحان القومي اشترك في نفس الأفاق وعملت على قيادة تلك النزعة واستطاعت أن تسود آفاقهما عليها. وكان الشعار (نريد وطن) هو الشعار الذي اختزلت جميع مطالب الانتفاضة العادلة به. فاليوم الذي انتصر هو أصحاب شعار (نريد وطن) اي الوطن الخالي من النفوذ الإيراني، الشعار الفارغ من اي محتوى ولا يبين اي شيء، وطن لا فيه ضمان بطالة أو فرصة عمل، ولا فيه تحريم أو تجريم العنف ضد النساء، ولا فيه ضمان صحي ولا فيه أمان، ولا فيه عدالة ولا فيه خدمات، ولا أي شيء يدل على مكانة الانسان وكرامته وامنه وامانه وحريته في هذا (الوطن) وهو من اغنى بلدان العالم بالثروات الطبيعية، هذا (الوطن) عبر عنه الكاظمي وحكومته الفاسدة بـ (ورقتها البيضاء).

 

بعبارة أخرى كانت هناك قيادة للانتفاضة، وكان هناك تنظيم في الانتفاضة ولكن لم تكن تلك قيادة هي قيادة العاطلين عن العمل ولا قيادة للنساء ولا لعمال العقود والأجور، ولم يكن أي تنظيم يجمعهم ويوحد صفوفهم، بل كان هناك قيادة للتيار القومي مثل نقابة المعلمين التي كانت تحت جناح العبادي-حزب الدعوة والمحامين الذي يقودها الجناح العروبي، وكان هناك التيار الصدري وميليشياته بقبعاته الزرقاء الذي يمثل أحد أجنحة التيار القومي المحلي. واستطاع التيار القومي وبتقاليده السياسية والتنظيمية التاريخية وبخبرته السياسية وبإمكاناته المادية الذي استحوذ عليها من عمليات السلب والنهب أن تسيطر على آفاق الانتفاضة وتنتصر لمصالحها.

 

يقول منصور حكمت قائد ومؤسس الشيوعية العمالية، اذا تفتح سحابة صدر اي إنسان، فتجده اشتراكيا، فهو يطمح أن يعيش في مساواة ورفاه ويتمتع بالحرية في جميع الميادين، إن من انهزم في هذه الانتفاضة هو تصورات وطموحات ذلك الجيل الذي مثل الأغلبية المطلقة من جماهير العراق، الجيل الذي يريد إن يحيا بإنسانيته وقاوم بصدوره العارية وحشية العصابات الإسلامية ومليشياتها المجرمة، أنها النزعة الاشتراكية التي حركت وأشعلت الانتفاضة لمدة ما يقارب 7 اشهر، هذه النزعة الاشتراكية لم تكن تيار موحدا، ولم يكن جزء من معادلة الانتفاضة بالرغم أننا في الحزب الشيوعي العمالي إلى جانب قوى يسارية أخرى لم تذخر جهدا على الصعيد الدعائي والسياسي والتنظيمي في تقوية هذه النزعة وتحويلها إلى تيار سياسي تسيطر آفاقها على الانتفاضة، كان هذا الجمع المليوني الغفير يفتقر إلى التنظيم وافتقر إلى القيادة، وكانت نزعة اللاتنظيم يغذيها ويقويها التيار القومي المنظم عن عمد في صفوف الجماهير المنتفضة، ويعمل على التشكيك بشكل مباشر وغير مباشر بتشكيل أية قيادة للجماهير شعارها إنهاء عمر العملية السياسية وتشكيل حكومة غير قومية وغير دينية تحقق الأمان والحرية وخدمات وفرصة عمل او ضمان بطالة، لقد استطاع ذلك التيار القومي المنظم بحصر كل الانتفاضة بشعار (نريد وطن) وانتخابات مبكرة، وعليه ليس مهما من اشعل الانتفاضة، ولكن المهم من الذي توج بالانتصار بالرغم من التضحيات العظيمة.

 

ما هي الخطوة التالية:

 

علينا كثوريين واشتراكيين ودعاة الحرية والمساواة، ومناضلين من اجل تحقيق مجتمع يعرف الإنسان بهويته الإنسانية، مجتمعا مرفها، مجتمعا ليس هناك طبقة من السياسيين يحصلون على راتب شهري 4 ملايين دينار في حين لا يجد العاطل عن العمل في جيبه أجرة نقل ولا نقول أكثر، مجتمعا فيه قانون يحاسب قتلة المتظاهرين وكل من يرتكب اي عنف ضد النساء، مجتمع يعيش فيه أطفالنا بعيداً عن أعمال بيع المناديل الورقية والاستجداء في الساحات العامة ويستمعون بطفولتهم وبرائتهم، نقول علينا أن ننظر إلى كل اللوحة بجميع تفاصيلها. إن انتفاضتنا انتصرت بفرض التراجع على أسلمة المجتمع ذلك المشروع الإسلامي الجهنمي الذي بدء مع الحملة الإيمانية لصدام حسين عام 1996 وحاولت القوى الإسلامية الشيعية المضي به، بعد غزو واحتلال العراق، فالانتفاضة فرضت التراجع على القوى الإسلامية المليشياتية وخسرت لأول مرة سلطتها التنفيذية، مزقت وحطمت كل التابوهات حول أبدية عبودية المرأة وإبقائها أسيرة في البيت، فجرت الجرأة الثورية في المجتمع، إن هذه الإنجازات بحاجة إلى ديمومة، والمضي بها وتحويلها إلى نقاط قوة لتحقيق الأهداف النهائية لانتفاضة أكتوبر.

إن حكومة الكاظمي وانتخاباتها المبكرة، وكل فذلكاتها وكذبها وببهلوانيتها الشكلية وادعاءاتها حول محاسبة قتلة المتظاهرين او إنهاء المليشيات في العراق هو ضربا من الهراء. إن الكاظمي جاء من رحم العملية السياسية ومن جهاز أمنى متورط بقتل المتظاهرين سواء على شكل تستر وإخفاء الجرائم خوفا على منصبه ومركزه او بشكل مباشر، فالتستر على الجريمة يحاسب عليها القانون الجنائي في كل بلدان العالم، وفضلا على ذلك لن تستطع أية حكومة تنبع من العملية السياسية في تحقيق أهداف الانتفاضة، ولا بالرد على أزمتها سواء على الصعيد السياسي او الاقتصادي سواء بتشديد الهجمة على العمال والكادحين بجميع فئاتهم.

إن أول شيء يجب أن نتعلمه هو أهمية ومكانة التنظيم بالنسبة لأية حركة ثورية، هذا التنظيم يجب أن يكون حول شعارات ومطالب محددة، والدرس الآخر علينا أن ننوع الأشكال النضالية هو ليس الانغماس لحد الغرق بشكل نضالي واحد مثلما حدثت في ساحات وميادين الانتفاضة. يجب التنويع بالأشكال النضالية كما أشرنا في المحلات ومناطق السكن وأماكن العمل والدراسة، والذي يشتت من قدرة قوة السلطة المليشياتية. والدرس الثالث والمهم علينا أن نفصل آفاقنا عن التيارات القومية التي رفعت شعار (نريد وطن) دون اي معنى، وطن بعيد عن النفوذ الإيراني،في حين أن الورقة البيضاء التقشفية كتبها البنك الدولي وهو أحد مؤسسات المالية الأمريكية من اجل تحويل العراق إلى إقطاعية تدر الأموال والأرباح على الشركات الأمريكية والغربية وعملائها الفاسدين في العملية السياسية. اما الدرس الرابع علينا ان نمد ايدينا للسلطة وليس الانتظار من القوى الاخرى ان تقدم هي مباردتها، سواء في المحلة بطرد المليشيات والمجالس البلدية واحلال لجان لادارة المحلة وحمايتها، او بتنظيم اي شكل بأدارة المحافظة مثلما حدث في ايلول 2018 في البصرة او في ايام انتفاضة اكتوبر في الناصرية،

 

وأخيرا نقول طالما هناك سعي للإنسان من أجل حياة حرة وكريمة، فأن التغيير هو جزء من دينامية البشر من أجل حياة أفضل، إن الانتفاضة  لم تحقق نتائجها وأهدافها بالنسبة لنا، وبالنسبة لذلك الجيل الثوري، ولكن علينا أن نتعلم منها، وان نحول كبوتنا إلى نقطة انطلاق جديدة، إن ما تريده هذه السلطة البرجوازية المليشياتية الفاسدة هي نشر اليأس والإحباط في صفوفنا كي تديم سطوتها علينا لسنوات أخرى. فعندما تتضح الأفاق، وعندما تملك بوصلة نضالية عندها سنكون محصنين كمناعة جسم الإنسان ضد الفيروسات، وعندها تتحول نفس الصدور العارية والجرأة الثورية إلى مشعل في طريق إنهاء كل أشكال المظالم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في العراق.

 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018