عادل احمد

الانتخابات ومستقبل أمريكا.

 

استقطب المجتمع الأمريكي حول بديلين مختلفين، في الانتخابات الرئاسية الأخيرة بين دونالد ترامب الجمهوري وجو بايدن الديمقراطي حول مستقبل امريكا. ان هذا الاستقطاب هو تحصيل حاصل للوضع الراهن لموقعية أمريكا في العالم الرأسمالي، والتي تتسم ببدء وتشقق وانهيار الإمبراطورية الامريكية والتي اعتلت العالم، بعد الحرب العالمية الثانية وأصبحت القوة العظمى الوحيدة بعد انهيار الإمبراطورية السوفيتية .. والعد التنازلي لدور وموقعية أمريكا في قيادة العالم بدأ مع الإخفاقات والفشل في سياساتها الخارجية والداخلية في ان واحد.

في العقدين الأخيرين تورطت أمريكا في صراع عسكري واقتصادي مع باقي الدول العالم وانخرطت في حروب وصراع في أفغانستان والعراق وكذلك الصراع مع كوريا الشمالية وإيران وسورية وفي دول البلقان وكذلك في أمريكا اللاتينية وخاصة مع التيارات البوليفارية المتنامية بقيادة فنزويلا الشانفيزية وانخرطت أيضا في الشرق الأوسط في دعم التيارات الإسلامية والرجعية في ما يسمى بالربيع العربي والاحتجاجات الجماهيرية بالضد من الأنظمة الاستبدادية والقمعية.. ان كل هذه الحروب والصراعات كانت تهدف الى إبقاء دورها كشرطي العالم وحماية موقعيتها ومصالحها، ولكن هل هذه المحاولات انقلبت عكسيا على أمريكا وسياساتها و عجلت من بدء العد التنازلي نحو الانهيار حتميا؟ .

ان كل هذه الصراعات كانت موجه الى الدول وتحديدا الصين وروسيا في الشرق , والاتحاد الأوروبي والذي كان في طريق الاستقلال عن السياسات الأمريكية. ان كل محاولات سياسات أمريكا لمنع صعود الدول والأقطاب  الى الأفق وخاصة تحييد النمو الاقتصادي الصيني والذي بنيَّ على اكتاف مئات الملايين من العمال بأجور رخيصة وتحت ظروف قاسية واستبدادية ، منيت بالفشل وخاصة بعد مواجهة العالم الرأسمالي بأزماته المزمنة في بداية الألفية والتي استمرت حتى الان. ان نمو أرباح السوق في الدولة الصينية في ظل انهيارات الرأسمال واستثماراته ، خدمت بان لا يسقط الرأسمال العالمي الى درجة الصفر وان تسود الفوضى والانهيار الكامل وكذلك خدمت في ان تولد الاستقطابات الجديدة في العالم وان تبرز الصين المنافس الاقتصادي الأقوى لأمريكا والاتحاد الأوروبي والذي على وشك السيطرة على نصف قدرة الإنتاج العالمي بمساعدة من روسيا .

ان السياسة الترامبية  في الأساس تهدف الصين واستثماراتها  سوى في داخل أمريكا او في العالم، وتحاول إيقاف الزحف الصيني واستثماراتها وأرباحها ومن هذه الناحية أعلن الحرب الاقتصادية ضد الصين وفرض اقسى الشروط في التبادل التجاري معها بفرض الرسوم الجمركية المضاعفة والثلاثية على السلع الواردة من الصين وكذلك داخليا تحاول تقيد الاستثمارات الصينية في أمريكا ومحاولة فصل الرأسمال الأمريكي عن الرأسمال الصيني في النواحي المختلفة وفرض غرامات على الشركات الامريكية المتعاملة مع الشركات الصينية ، وكذلك شد الخناق على شركاء الصين الإقليميين كإيران وكوريا الشمالية وروسيا وفنزويلا من اجل إضعاف هذه الدول وابعادها عن الفلك الصيني.

أما الديمقراطيين وبايدن فيتجهان الى مسار اخر ويستنجدان اكثر  بالدول الأوروبية وتعاونها ويحاولان التقرب أكثر الى الدول الأوروبية والرجوع الى السياسات والاتفاقيات السابقة ولكن بصيغة جديدة مع أوروبا وخاصة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي .. وكذلك يحاول احتواء ايران اكثر والتعاون معها واستخراجها من الفلك الصيني كما حاول أوباما من قبل عن طريق الاتفاق النووي ، ويحاول الديمقراطيون توسيع التعاون والاستثمارات أكثر في الشرق الأوسط مع الحكومات المستبدة والمستقرة و الابتعاد عن مغازلة السعودية وصعود دورها .. وداخليا يحاول الديمقراطيون الاستفادة من الاستثمارات الصينية بشروط أمريكية لزيادة نمو الأرباح الأمريكية وتعبئة أوروبا أيضا لمواجهة الصين اقتصاديا .

ان كلا البديلين موجهان بالضد من نمو موقعية الصين ولكن بطريقة وخطط مختلفة وكلا البديلين يحاولان الحفاظ على موقعية أمريكا الاقتصادية والسياسية والتي شرعت بالتشقق والانهيار.. وأثبتت هذه الانتخابات مدى خطورة الأوضاع بالنسبة لأمريكا وعلى هذا النحو ينظر إليها عالميا والاهتمام العالمي بمجرياتها . والكل يحدد مواقفه حسب مصالحه مع كل من البديلين.

ان الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة أظهرت محتوى الديمقراطية أكثر من أي وقت مضى. على الرغم من فوز بايدن بالانتخابات ولكن ترامب لن يعترف به، لماذا؟ لأن ترامب والجمهوريين يرون صحة الرؤية الترامبية من اجل جعل أمريكا الدولة العظيمة! ولهذا فالأصوات لـ ٧٥ مليون ناخب لا تدل على شيء أمام مستقبل أمريكا ،أي العملية الديمقراطية معتبرة عندما يكون كل شيء على ما يرام  ويتبادلون الأدوار كل اربع سنوات بين طرفي الحكام، ولكن عندما يكون مستقبل أمريكا على المحك ويكون في خطر ، فإن الديمقراطية لا تخدم مصالحهم وانما يكون عائقا وهذا ما نراه في خطابات دونالد ترامب عندما يقول انه لن يسلم أمريكا لجو بايدن الضعيف أي لبديل الديمقراطيين .. قال ترامب بصراحة اذا يفوز خير على خير ولكن اذا يخسر في الانتخابات فانه يفكر بعدم تسليم السلطة. اذا ليست الانتخابات والديمقراطية مسألة رئيسية بل ذهاب مستقبل أمريكا في الوقت الحاضر نحو الانحدار هي المسألة الجوهرية وهذا ما قسم المجتمع الأمريكي الى قسمين أي الى بديلين مختلفين ولكن في الجوهر الامر هو الشيء نفسه: الحفاظ على دور الرأسمال الأمريكي على العالم .

ان اليسار الأمريكي وقسم أعظم من الطبقة العاملة صوتت لصالح بايدن، ليس من باب الحب والموافقة  على سياسات الديمقراطيين بل من باب المواجهة الترامبية وسياساتها الرجعية والعنصرية والفاشية بحق المواطنين والشعوب الأخرى. ان هذه الانتخابات قد تفتح آفاقا لليسار الأمريكي والطبقة العاملة الامريكية وتفتح باب اخر للهجوم على الفاشية والشعبوية وإبراز شبح الشيوعية في سماء أمريكا مرة أخرى، ليس من قبيل الصدفة أن ينعت ترامب خصمه أي بايدن بالاشتراكية ليس لشيء وانما خوفا من شبح الاشتراكية والذي يحوم في سماء أمريكا كما رأينا في حملة المرشح بيرني ساندرز كيف استقطب اليسار والاتحادات العمالية بجانب ساندرز وحاولوا الاستفادة منه لتقوية شبح الاشتراكية.. ان إسقاط الترامبية نهائيا هي مهمة الطبقة العاملة والاشتراكيين وهي تبدأ من اليوم.



مقالات