فارس محمود

حرية التعبير بدون قيد او شرط





حرية التعبير بدون قيد او شرط.

لم يقم المعلم باي "استفزاز" لاحد. بوصفه معلم، من حقه ومن واجبه ان يعلم الاطفال وفق منهجهم الدراسي. ان عمل الشاب الشيشاني هو ارهاب اسلامي بكل معنى الكلمة ومدان جملة وتفصيلا. ان اي مساعي للجم حرية الرأي والتعبير، وتحت اي مبرر كان، مدانة. ان حرية التعبير هو مكسب للبشرية حققته نتيجة نضالات تاريخية شاقة ومريرة. انه فرض الطبقات "الدنيا" على الطبقات "العليا". انها حرية "الادنى" امام المحدوديات التي يفرضها "الاعلى" كي يديم "علوه" وبقائه "اعلى". ان المقدسات التي يتحدثون عنها هي مقدسات حماية "الاعلى" وبقاءه. انها اسلوب الطبقات السائدة لمنع الاخرين من المس بها، وبالتالي، الابقاء على سلطتها ومكانتها.

ولهذا، اعد خطوة الدنمارك بطرد معلم لقيامه بعرض الصور على الطلاب امراً معادياً لحرية التعبير، وهو رضوخ لتطاول التيارات الاسلامية ومساومة غير مبررة معها. انه تراجع امام غطرسة هذه التيارات وعنجهيتها التي لا حدود لطموحاتها بالهيمنة والتسلط.

يتحدثون عن الاستفزاز. ولكن لماذا هم، اي الاسلاميون، مستفزون لهذا الحد؟! مستفزون لقصر تنورة فتاة، لشعر امرأة، لأقدام امرأة دون جوارب، لكاس ابو نؤاس، لجسد تمثال كهرمانة، لقصة شعر وتسريحة شاب، لكلمة، لصورة، لرسم، لشعر.... لكل شيء! لماذا مستفزون من الاساس؟! وفي الوقت ذاته، عديمي الاحساس الى ابعد الحدود تجاه فقر المليارات، لجوعها، لسكنها الذي ليس بأفضل من زريبة حيوان، لحق الانسان في الرفاه، السعادة، للنمو الروحي والمعنوي، للتكامل الحر والواعي للأطفال، للذل اليومي الذي يهرس عظامها كل لحظة! هذا كله ليس موضوع، لكن قصيدة شعر، رأي، فكرة، تنورة فتاة تقلب حابل مشاعرهم على نابلها!!! انها كذبة صرف! ان الشعوب "المسلمة" مبتلات بألف مصيبة ومصيبة كل لحظة، وهي في نضال من اجل حياتها، ومشاعرها واحاسيسها في مكان اخر ليس له صلة بما يسعى الاسلاميون لإشاعته عنهم!

"الاستفزاز" هو التعبير الرمزي للقمع، لإخراس الاخرين وللتطاول على حرياتهم وحقوقهم، لا اكثر.

يقولون ان ماكرون قد اهان الاسلام. كيف؟ ومتى؟ يردون الم يقل "ان الاسلام يمر بأزمة"؟! ولماذا انه امراً عجيباً ان يقول احد ما ذلك؟! عشرات المفكرين والكتاب الغربيين والعرب ومنذ قرون (واخرهم عفيف الاخضر، اسلام البحيري وهيتغتنون و..) تحدثوا عن الاسلام يمر بأزمة، ما الشيء الجديد في ذلك؟! القومية تمر بأزمة، الليبرالية بأزمة، الرأسمالية بأزمة، الديمقراطية متأزمة، الغرب متأزم، الشرق متأزم، ..... العالم الرأسمالي كله يمر بازمه، لماذا يعتبر كفراً القول بان الاسلام الذي ليس له اي حل ايجابي لأي معضلة سياسية، اقتصادية واجتماعية، "يمر بأزمة"؟! ان لم يكن تبجح ومكابرة فارغة، ماذا يمكن ان يطلق على هذا؟!

يحرفون الامور الى حد الكذب الصارخ. ولكن للحقيقة والانصاف، لم يهاجم ماكرون الاسلام ولم "يحرض على المسلمين"، ولم يدافع عن الرسوم الكاريكاتورية". ولكنه دافع عن حرية الرأي والتعبير بوصفه "احد البنود الدستورية في البلد" واحد "قيم الجمهورية". تحدث عن "الانعزالية" و"الانفصالية" الاسلامية وكيف ان هناك مجتمع داخل مجتمع، دولة داخل دولة وعالم داخل عالم. وكيف انه لايقبل ان تكون هناك قيم اخرى داخل المجتمع الفرنسي "تقف بالضد من قوانين ودستور الجمهورية الفرنسية"، "تلحق الاذى بالنساء والاطفال" و"تنتهك الحريات والحقوق مثل حرية الراي والتعبير و...". ان هذا للأسف، امر واقع.

جوهر القضية...

اردوغان، وتعقباً لمصالح الطبقة البرجوازية الحاكمة في تركيا، في صراع محتدم مع اوروبا. اؤكد مع اوروبا، ولكن لماذا تظهر وكأنها مع فرنسا؟ السبب يكمن في ان هنالك توجهين في سياسات اوروبا تجاه تركيا: توجه يدعوا الى التفاوض والدبلوماسية، الصبر ودرجة من التحمل والمهادنة (وعلى رأسه المانيا)، وتوجه اخر يدعوا الى المجابهة والتصدي الحازم للمساعي التركية التوسعية، وتقف على راسه فرنسا. ولهذا فان الاخيرة تقف في مقدمة المجابهة الاوربية مع تركيا.

تركيا ذات المطامح التوسعية النابعة من قدرتها السياسية والعسكرية، من مكانتها وجغرافيتها السياسية على الخريطة العالمية، في نزاع رجعي حاد وضار مع فرنسا في ليبيا، وفي شرق المتوسط، سوريا، القوقاز (اذربيجان-ارمينيا)، وكلها صراعات من اجل نيل اكبر مايمكن من الحصة في الثروات والهيمنة العالمية في عالم يعاد تقسيمه اليوم اثر تراجع مكانة امريكا وظهور اقطاب اقتصادية وسياسية عالمية جديدة، اي من عالم احادي القطب بزعامة امريكا الى عالم متعدد الاقطاب، تسعى كل من البرجوازيات العالمية والاقليمية لنيل مكانة اكبر من اعادة القسمة.

لقد كانت لتركيا مكانة بارزة في الغرب والناتو في عالم مرحلة الحرب الباردة، والثنائية القطبية (الشرق-الغرب)، وذلك لكونها محاذية للسوفييت والمعسكر الشرقي وخط دفاعي اول بوجههما. مع انهيار هذه الثنائية، انهارت مكانة تركيا لدى الغرب ومعها المكاسب السياسية والاقتصادية والامنية (المجزية) التي كانت تنالها منه. ولتعويض تراجع هذه المكانة، سعت لان تجد لها مكانة في اوروبا عبر الانضمام للاتحاد الاوربي وبذلت الغالي والنفيس من اجل ذلك، الا انها جوبهت برفض قاطع. وللضغط على اوروبا وفرض التراجع عليها، استخدمت اخرها ورقة اللاجئين من بلدان اسيا، اذ فتحت حدودها الاوربية لموجة لاجئين في اوسع هجرة جماعية من تركيا لأوروبا. ولهذا، تسعى تركيا "الاسلامية"، التي هي في الحقيقة قومية توسعية وشوفينية، عبر عباءة الدين وزعامة جماعات الاخوان المسلمين في العالم، ان تبحث لها مكانة في عالم اليوم.

ولهذا، فإنها في صراع حاد مع اوروبا من اجل فرض مكانة اوسع، وحليفها في هذا هم جماعات الاخوان المسلمين التي لا ترى افضل من تركيا نصيراً عالميا قوياً لها.

ولهذا، وجد اردوغان في خطاب عادي لماركون ضالته. تلقف هذه الورقة (الجديدة) ليحشد قوى الاسلام السياسي على صعيد عالمي خلف ظهره في حربه مع فرنسا (اوروبا، بالأساس). ليستعرض عضلاته "الاسلامية العالمية" في هذا الصراع.

انقلب السحر على الساحر

لقد دعم الغرب، ومن بينهم فرنسا نفسها، الاسلام السياسي كأنجع سبيل بوجه الشيوعية والطبقة العاملة، اليسار والتقدمية. اذ ان فرنسا نفسها من اتت بالخميني الى السلطة في ايران لقمع ثورة راديكالية داعية للحرية والمساواة ولتنقذ مجمل الطبقة البرجوازية من ان تعصف بها الثورة. لقد كان الغرب الجهة الداعمة الاساسية للاسلام السياسي في المنطقة في عالم الحرب الباردة، وهو من دعم المقاتلين الافغان بوجه السوفييت، وهو من اطلق ايادي الاسلام السياسي في اوروبا وساوم وتملق للاسلام واتى بنظريات "النسبية الثقافية" و"التعددية الثقافية" وغيرها من سياسات رجعية. حتى انقلب السحر على الساحر. ومن جهة اخرى، سعت الدول الرجعية من امثال قطر، السعودية، ايران وتركيا و... غيرها من دعم التيارات الاسلامية في اوروبا بأموال طائلة، بتصدير ائمة الدين، بناء المساجد الضخمة في وسط اوروبا الى ان غدت هذه "الجمعيات الثقافية" في اوربا، والمساجد والجوامع و"دور عبادة المسلمين" منابر لتفريخ الارهابيين والمعادين للغرب نفسه.

ان تحدث اليوم ماكرون عن "الانفصالية الاسلامية" في اوربا، فيجب ان يكون واضحاً ان حكومته وحكومة اسلافه والغرب انفسهم مسؤولون عما آلت اليه هذه الوضعية التي يدفع ثمنها النساء والاطفال اللاجئين في غيتوات لا ربط لها باوربا والمنجزات والمكاسب التي حققها تحرريو ومساواتيو اوربا من النساء والرجال. تحول الاسلام السياسي وارهابه الى معضلة للغرب.

انها لخطوة ايجابية تلك التي تستهدف تجفيف منابع ارهاب هذه التيارات واقتدارها، تفرض الزام الاخيرة بالتقيد بقوانين المجتمع وحرياته وحقوقه، بالتضييق على شبكاتها المالية، بفرض رقابة صارمة على احاديث منابرها التحريضية من جوامع ومساجد و، منابر نشر الرجعية والتخلف والانعزالية الدينية والكراهية، انهاء المحاكم الشرعية الدينية، والتأكيد على سياسة "بلد واحد قانون واحد" وليس سياسة تعد خلفية الاشخاص الدينية مبرراً كافياً للحيد عن القوانين المدنية. ايجابية، بغض النظر عن طبيعة اهداف ماكرون نفسه سواء اكانت انتخابية، التملق لليمين الفرنسي او سحب هذه الورقة منه. في الحقيقة ان هذه كانت نداءات ودعوات الاشتراكيين ودعاة التحرر والمساواة على طول الخط وعلى امتداد عقود.

 




مقالات

فارس محمود

23/11/2015