نادية محمود

وماذا يهم اللصوص لو افرغت ميزانية البلاد؟ كلمة حول" الاقتراض" من اموال الاحتياطي النقدي العراقي.


واخيرا، وبشكل قانوني هذه المرة، امتدت ايدي البرلمانيين وحكومة الكاظمي  الى "الاحتياطي النقدي العراقي" لل"استدانة! بعد ان كانت حكومة المالكي قد امتدت الى هذه الاحتياطي و بشكل سياسي حين وضعت البنك المركزي العراقي الذي يفترض ان يكون مستقلا عن الحكومة، تحت سيطرة رئيس الوزراء ومنذ عام 2011.

الان، قرر البرلمان وبناء على طلب من الحكومة اخذ اموال من الاحتياطي النقدي، اخر" خزين" مالي في البلد لدفع رواتب الموظفين، تسديد ديونها التي تقدر ب 90% من الناتج القومي الاجمالي، وتستمر بالمشاريع الاستثمارية بنسبة (20%) من القرض.  سيتمكن هذا القرض من تسديد رواتب موظفي الدولة لثلاثة اشهر. وستنهب منه المزيد من الاموال باسم " الاستثمار" حيث الجميع يعرف ان لا مشاريع ولا خدمات في البلاد.  اما الديون الهائلة فتحتاج الى ميزانيات اخرى لإيفائها.  

 واذن، وماذا بعد الثلاثة اشهر؟ مع انخفاض اسعار النفط، وتراكم القروض الخارجية، والقروض الداخلية- التي لا تخشى الحكومة المحاسبة عليها من احد- واستهلاك حتى ما في خزائن البنك المركزي من احتياطي نقدي، ماذا بعد كل هذا؟ كيف سيتم تسديد رواتب الموظفين لعام 2021، مع بقاء اسعار النفط، او حتى في حالة انخفاضها؟

ان مصير 40 مليون انسان هو على كف عفريت! كف الحكومة العراقية، وبرلمانها وطبقتها بشكل اعم. هذه الطبقة التي سرقت ونهبت وأوصلت البلاد الى حافة الافلاس بكل معنى الكلمة. فمع امتداد الايدي الى اخر خزين مالي في العراق، تهرب الحكومة والبرلمان  الى الامام، لشراء الوقت، لعل معجزة ستحصل لإنقاذ البلاد من حافة الهاوية.

انه تلاعب بمصير البشر، بحياتهم. بعد ان كان العاطلون عن العمل والعمالة الهشة القوة التي اشعلت الانتفاضة مطالبة بتأمين سبل العيش، وكان الموظفون هم الطبقة المؤمنة على مصيرها وحياتها، بضمان " الدولة" الان، اصبحت حياة هذه الفئة من موظفي الدولة مهددة بخطر فقدان سبل عيشهم.

الحكومة والبرلمان والطبقة الحاكمة برمتها ابتلعت وتبتلع موارد البلاد وبشكل منظم، من تهريب النفط، الاستيلاء على مداخل الدولة من الكمارك وغيرها، مكاتبها الاقتصادية في الاحزاب وسيطرتها على موارد الوزارات ونهب مصادرها المالية، ستوصل حياة 40 مليون انسان الى نفق مسدود النهاية.

وحتى في خضم هذه المعركة، لازالت صراعاتهم فيما بينهم لإعادة اقتسام الاموال. فكردستان التي لم تسلم حكومتها حصتها من النفط، جرت معاقبتها بعدم دفع رواتب موظفيها. والحال ان الاحزاب وميلشياتها في العراق تسرب وتهرب النفط، وتسيطر على مداخيل الكمارك دون ان يقوم احد من الحكومة العراقية النجيبة بمحاسبتهم او قطع مواردهم والسبب هو: انهم هم الحكومة بذاتها!

من الواضح انه كان  سيأتي عاجلا او اجلا ذلك اليوم الذي يصل فيه توزيع المال الى نقطة حرجة، الاستئثار بالأموال للطبقة الحاكمة واتباعها وموظفيها في " المكاتب الاقتصادية" ومشاريعها وبزنسها، الى الحد الذي تصبح فيه التضحية ب " موظفي الدولة" ممن لا تحتاجهم بشكل مباشر تلك الاحزاب امر قائم.  لقد جلبت هذه اللحظة او قربت اجلها انخفاض اسعار النفط بسبب " جائحة كورونا".

 

انها معركة حياة او موت لما لا يقل عن 4 مليون موظف/ة، والذين يعيلون بدورهم ما لا يقل عن ضعف هذا العدد على الاقل من المواطنين الذين يفتقرون لأي سبل عيش.

 

سيعاد مصير جماهير كردستان في ما تبقى من مناطق العراق وهو: عدم دفع الرواتب، او كما اسموه في كردستان: ديون الموظفين على الدولة، اي ان المواطن هو الدائن والدولة هي المدين! تأخر الرواتب لعدة اشهر، اعطاء نصف الرواتب، اي " لهوكة" سبل عيش المواطن. الا ان هذا لا يأتي دون ثمن، فمع انهيار القدرة الشرائية للطبقة الاكثر امانا، ستنخفض معها كل العمليات الاقتصادية، حيث ان تأثر رواتب هذا القطاع سيؤدي الى تأثر الاقتصاد برمته، ومعيشة الناس بشكل اوسع واعمق واسوأ مما كانت عليه حين بدأت انتفاضة اكتوبر 2019.

ويبقى السؤال الكبير وهو ما العمل؟ المطلوب ادامة ما ابتدأته الجماهير في اكتوبر ولكن بأفق اخر، بتنظيم اخر، باستراتيجية اخرى، و البدء من جديد وكرة اخرى، ومحاولة لرفع الاستعداد للعمل والتنظيم مرة اخرى، ولتعلم الدروس مما حدث في اكتوبر.19. فهذه الطبقة الحاكمة اثبتت وللمرة الالف انها هي المشكلة ولا يمكن ان تقدم حلا. وهذه المرة، ليس بانخراط  العمال و العاطلين والعاطلات، النساء والشباب بل وبموظفي الدولة وموظفاتها

مقالات