عادل احمد

الديمقراطية والمجالسیة .. بدیلین طبقیین!



بعد انهیار الاتحاد السوفیتي وكتلته الشرقية، في نهایة ثمانینات وبدایة تسعینات القرن الماضي، طبلت

الطبقة البرجوازیة العالمیة بشكل لا یصدق حول انتصار الدیمقراطیة وتم تصویرها بأنها انجح

وافضل نظام للحكم للبشریة على الإطلاق. وحاول الإعلام الغربي تزیین صورة الدیمقراطیة

بشكل مقصود و رسم صورة خارقة وأكثر إنسانیة وأكثر حریة عن النظام الدیمقراطي مقارنة

بانظمة الكتلة الشرقیة، بحیث أدى الى تخلي الجزء الأكبر من الیسار العالمي غیر العمالي عن

لافتته الاشتراكیة واتجه نحو الدیمقراطیة ومفاهیمها ونظامها واعتنق القبلة الدیمقراطیة في

توجهاته ووقف بجانب معاداة الاشتراكیة والماركسیة وغیر قسم كبیر منه حتى أسماء حركاته

وأحزابه .. وبهذه الطريقة وقعت الماركسية والحركة الاشتراكیة والعمالیة واماني واهداف

الحریة والمساواة أي الاشتراكیة العمالیة تحت وطأت الهجمة الدیمقراطیة البرجوازیة العالمیة

بعد ثلاث عقود من هذه الأحداث، بین الزمن بوضوح محتوى وجوهر الدیمقراطیة أكثر من

الاستدلالات والمجادلات الفكریة والحقوقیة والسیاسیة عن النظام الدیمقراطي، و بینت بشكل عملي المفهوم السیاسي للدیمقراطیة وتطلعاتها ومصالحها ومنافعها وخدمتها للطبقة الغنیة

وأصحاب الملیارات والملكیات.. ورأینا كیف وصلت البشریة الى الهاویة والحروب وعدم

الاستقرار والبؤس والجوع وانتشار الوباء القاتل وعدم وجود الرعایة الصحیة المطلوبة ،

واستخدام القوة لإسقاط الحكومات متى ما تشاء بحجة الدفاع عن الدیمقراطیة وقیمها. وعن

طریق هذه الدیمقراطیات وصلت الى الحكم الترامبیة والجونسنیة والاردوغانیة أي الشعبویة .

ونرى القیم الدیمقراطیة الحقیقیة في أوقات الشدة والأزمات كیف تسلب الإرادة من المواطنین

ولا تعطي القیمة حتى لثمانین ملیون صوت للناخبین في أمریكا الانتخابات. أي حتى أصوات

المواطنین والتي هي جوهر الدیمقراطیة البرجوازیة تحت السؤال ولا تعیر  اهتمام باي شيء

مادام لا تخدم الاتجاه والمسلك المعین للمجتمع الرأسمالي .

والیوم الإعلام البرجوازي والذي یهیمن على عقول المجتمع ،یحاول بألف طریقة وطریقة

للحفاظ على النظام الرأسمالي بنشر الأكاذیب والخرافات وخلق أوهام الصراعات القومیة

والطائفیة والدینیة بما تخدم مصالحها وبث التفرقة بین أجناس البشر . و دفاع الإعلام بقوة عن

سلب الحریات وإرادة المواطنین عن طریق إظهار حقانیة المحاكمات وأجهزة الشرطة و الجیش

والأمن .. وبث القیم اللیبرالیة عن الحقائق والتاریخ و ابعاد الجماهیر عن الاحتجاجات .. ان كل

هذه الأكاذیب والتشویه هو من اجل إبعاد الجماهیر من العمال و الكادحین والمحرومین عن

التجربة التاریخیة والإنسانیة للحكومة المجالسیة في كومونة باریس ١٨٧١ والحكومة العمالیة

في روسیا عام ١٩١٧.حیث بینت تلكما التجربتان، للبشریة أیضا نوعا اخر من أنظمة الحكم والتي

تعبر عن الإرادة المباشرة للجماهیر وأكثر تعبیرا عن مصالح المحرومین وأكثر حدودا لطمع

وجشع الرأسمالیین.

ان من أكثر الأشكال الدیمقراطیة تعبیرا عن الإرادة المباشرة للجماهیر هي سلطة المجالس أي

وجود المجالس في كل وحدة یتجمع فیه الناس، في المعامل والمصانع، في المدارس

والجامعات، في الأحیاء والمحلات السكنیة، في المزارع والبساتین، في الإدارة والتوزیع، في

المحاكم والهیئات القضائیة، وفي الحمایة والوقایة الصحیة و كذلك في إدارة الأمن للمواطنین. ان

المجالس الشعبیة هي القوة الفعلیة والمباشرة والمعبرة عن إرادة المواطنین وتعتمد في الأساس

على مبدأ (التجمع العام) للمواطنین في أي وحدة إنتاجیة او خدمیة او حیاتیة، أي تعتمد على

الاقتراع المباشر للناخبین في اجتماع عام في أي وقت لأي وحدة ویتم إزاحة أي ناخب أیضا في

اجتماع عام وفي أي وقت یرون أنه لم یقم بواجباته الضروریة . بعكس الانتخابات الدیمقراطیة

والتي تتم الانتخابات فیه كل أربعة او خمس سنوات في عملیة انتخابیة ومن ثم یرجع الناس الى

بیوتهم بانتظار أربعة او خمسة سنوات أخرى لانتخابات جدیدة ولیس بمقدور الناس إزاحة او

محاسبة أي مُنتخب . وفي أحسن الأحوال لن یتم انتخابه مرة اخرى في الانتخابات المقبلة.

في الانتخابات المجالسیة , للمواطنین الحق الكامل بمناقشة الأفكار وتثبیتها ویتم الإقرار علیها

بمبدأ الأكثریة ، وإذا لم تنجح أي فكرة أو طرح معین بسبب عیوبها, فإن التخلي عنها یتم أیضا

بمبدأ الأكثریة. وهذه التجربة حتى الآن تعتبر من أرقى اشكال التنظیم في المجتمع وأكثر تعبیرا

عن الإرادة الإنسانیة للمواطنین. وتعتبر من أكثر الأشكال التنظیم ثوریة في الثورات والتغییرات

في انظمة الحكم وتعتبر أیضا من افضل الأشكال لحمایة حقوق ومصالح المواطنین و أكثر حریة

وأكثر تطبیق لمبدأ المساواة لمن ینتخب والناخبین في ان واحد ولا تعتمد على التبلیغات

والأموال اللازمة لأي مرشح وإنما تعتمد على معرفة الأشخاص وقدرتهم , وأیضا وفائهم

لعملهم ودفاعهم عن مصالح المواطنین. ان الجماهیر بحاجة الى تنظیم نفسها مع الآخرین من

اجل العیش بكرامة ورفاه والتقدم نحو حیاة أفضل باستمرار وحاجتها الى تربیة الأجیال تربیة جیدة

وإنسانیة وان تصارع الطبیعة والتكیف معها وخلق حیاة خالیة من التنافس وإخضاع البعض

للآخر وإنما حیاة یكون الانسان حرا و تسود المساواة الكاملة بین أجناس البشر. وهذا لا یتم إلا

في الشكل المجالسي للحكم.

نحن الان امام تجربتین للحكم، النظام الدیمقراطي والبرلماني ورأینا الحربین العالمیتین الأولى

والثانیة ورأینا الهتلریة والترامبیة والاردوغانیة والبوتینیة ونرى عدم استقرار العالم الیوم

والحروب والتهدیدات النوویة والهوة بین الأغنیاء والفقراء .. والنظام المجالسي رأینا تجربته

في كومونة باریس والتي انتهت بسفك دماء عشرات الآلاف منهم فقط لأنهم أرادوا حیاة أكثر

إنسانیة وأكثر مساواتیة وأكثر معبرة عن إرادة المواطنین ومصالحهم ، وتجربة المجالس

وحكومتها في الثورة الروسیة وقوانینها الإنسانیة والتي مكنت المجتمع من الخلاص من الحرب

والجوع بالنسبة للمجتمع الروسي وازدهار أوثق العلاقات بین القومیات المختلفة وأكثر مساواةً

بین المرأة والرجل على الإطلاق وأكثر وضوح والصراحة في القرارات والتعاملات حتى بین

الدول. ان هاتين التجربتین هما التعبیر التنظیمي والسیاسي والاجتماعي عن تجربة الطبقتین

المختلفتین و المتصارعتین في النظام الرأسمالي الحالي اي الطبقة البرجوازیة والطبقة العاملة

والمحرومة. وهي تعبير عن مفهومین مختلفین عن الحیاة، الطبقة المضطهدة والمستبدة

البرجوازیة والطبقة المحرومة والمحررة للبشریة أي الطبقة العمالیة.


مقالات