توما حميد

حول دكتاتورية البروليتاريا والحرية السياسية* / الجزء الثاني والاخير

 

تنقسم عملية صنع القرار والإدارة بوضوح إلى عدة مستويات وترتبط جميع هذه المستويات مع بعضها البعض وكل مستوى من الإدارة مسؤول امام الاخر. وتكون الحكومة المركزية ومختلف مستويات الحكم سلطة تنفيذية وتشريعية في ان واحد بمساعدة هيئات خاصة. وتشغل جميع المناصب الإدارية والقضائية والتعليمية عبر الاقتراع العام لجميع المعنيين. يقوم المسؤولون بكل شيء علانية ويعلنون أهدافهم علنا. ويتلقى جميع المسؤولين رواتب مساوية للرواتب التي يتلقاها العاملين الاخرين.

من خلال الية الحكم الجمعية والمباشرة هذه، يتم القضاء على البيروقراطية والتآمر والسرية التي هي سمات الديمقراطية البرجوازية حيث يكون البيروقراطيين منعزلين عن جموع العمال والكادحين. وتحمى  الحكومة والسلطة المجالسية من خلال مليشيا الجماهير المسلحة التي تحل محل الجيش.

في الميدان الاقتصادي:

تقوم دكتاتورية البروليتاريا بتثوير علاقات الإنتاج، الغاء الملكية الخاصة واحلال الملكية الجماعية الاشتراكية لوسائل الإنتاج محلها. وتستولي الحكومة العمالية بعد الثورة على وسائل الإنتاج والبنى التحتية ومصادر الخدمات الاجتماعية وتضعها في خدمة المجتمع، أي تحولها الى ملكية عامة لكل افراد المجتمع. تقوم السلطة بوضع خطة لتنظيم التوظيف والإنتاج وتوزيع المنتجات والخدمات ويكون عمل الفرد مقياس الحصول على البضائع والخدمات بعد توفير ضروريات الحياة الاساسية لجميع افراد المجتمع بشكل مجاني بوصفها مسؤولية الدولة. ويتم إدارة موقع العمل من قبل العاملين بشكل جماعي وحر "ديمقراطي". وهذا يعني قيام دكتاتورية البروليتارية بتأسيس الاقتصاد التعاوني والملكية العامة.

يجب ان نؤكد باننا، هنا لا نتحدث عن مجرد إحلال ملكية الدولة لوسائل الإنتاج محل الملكية الخاصة وإحلال التخطيط محل الية السوق وإحلال مسؤول في الدولة محل الرأسمالي في إدارة موقع العمل، بل ان وسائل الإنتاج تصبح ملكية كل المجتمع، اي يتم إرساء الملكية الاشتراكية، والعمال هم من يديروا موقع العمل من كل النواحي بشكل حر " ديمقراطي"، وتتحكم جموع العاملين بكل جوانب الإنتاج والتوزيع.

حتى في هذا المجتمع، سينتج فائض قيمة، بمعنى انه سيقوم أناس في انتاج بضائع وخدمات اكثر مما يحتاجونها، ولكن فائض القيمة هنا ليست لمصلحة طبقة في المجتمع، بل لإعالة  من لا يمكنه العمل مثل الأطفال والشيوخ وذوي العاهات، او لاي سبب اخر، او الشرائح التي يحتاجها المجتمع والذين لا يشاركون في الإنتاج مثل الفنانين.

وستقرر سلطة المجالس كم من الإنتاج يذهب لإعادة انتاج قوة العمل ووسائل الإنتاج، وكم سيذهب الى تغطية التكاليف الإدارية  وتشغيل الخدمات العامة وكم من الأموال تذهب الى هؤلاء الذين هم غير قادرين على العمل لأي سبب، والتحصين ضد الطوارئ. ما يتبقى من الإنتاج سيتم تقاسمه بين العاملين بقيمة مساوية لمقدار العمل الذي يقومون به. ان ميزة هذا النظام هو الغاء منطق الربح وعدم وجود طبقة ترنو الى تحقيق الربح. 

مع ابعاد أي احتمال للإطاحة بالحكومة العمالية، ومع رسوخ الاقتصاد الجديد والقيم السياسية والاجتماعية الجديدة وسيادة الحرية والمساواة، تنتفي الحاجة الى الدولة العمالية كمؤسسة وتفقد ضرورتها وتضمحل بوصفها دولة ويتم إدارة المجتمع من خلال لجان المراقبة والإدارة دون الحاجة الى مؤسسة الدولة. 

فيما يتعلق بالحريات:

 تقوم الدولة العمالية-دكتاتورية البروليتاريا بتوسيع  الحريات، بما فيها الحرية السياسية غير المقيدة او المشروطة، مثل حرية تأسيس الأحزاب والمنظمات السياسية والاجتماعية والثقافية وحرية الاضراب والتظاهر وحرية التعبير والاستفادة المتساوية من إمكانات المجتمع في الدعاية والتبليغ وحرية العقيدة. أي ستكون هناك حرية تأسيس الأحزاب والمشاركة السياسية والدعاية بكل الاشكال والدفع بأجندتها وجعلها اجندة سلطة المجالس، بشرط ان لا يتم المساس بسلطة الحكومة العمالية. تقوم الأحزاب بإقناع المجالس المختلفة بسياساتها وبرامجها لمواجه المشاكل والتحديات التي تواجه المجتمع وجعلها سياسات وبرامج سلطة المجالس و البلد. سيعتمد مدى تحول برنامج حزب معين الى سياسة سلطة المجالس على قوة منطقه وبحثه واقناعه للجموع. بإمكان المجتمع الذي تحكمه حكومة مجالسية تحمل ان يكون للأحزاب العنصرية وجود بشكل رسمي وعلني، وان يكون لها مكاتب ومقرات والقدرة على الاستفادة من وسائل الدعاية، بشرط ان لا تقوم هذه التنظيمات بالحاق الأذى بالأخرين. في ظل الحكومة العمالية، تكون حرية التعبير بالذات مبدأ لا يساوم عليه. وحرية التعبير تشمل التعبير عن وجهات النظر مهما اعتبرت متخلفة ورجعية وسخيفة وحتى عنصرية وفاشية.

ان ضمان وجود الحريات الفردية والسياسية والاجتماعية في المجتمع الاشتراكي وزوال الحاجة الى القمع الموجود في المجتمع الرأسمالي هو ليس تعهد كلامي من الشيوعيين او نابع من سمو اخلاقهم، بل مرتبط بعلاقات الإنتاج والغاء الملكية الخاصة والعمل الماجور التي هي سبب وجود طبقة مضطهِدة ومضطهَدة، وهو ما يقف وراء الاستبداد والخضوع ووجود الأجهزة الضرورية لها مثل الدولة والشرطة والجيش والامن.  في المجتمع التي تلغى فيه الملكية الفردية والعمل الماجور والطبقات ويكون نظام الحكم مجالسي يستند على مبدأ ان يكون كل الافراد متساويين بشكل كامل، لا تبقى هناك حاجة او مكان للضغط والاكراه والقمع ومصادرة حرية التعبير. سيكون الجميع أحرارا.

 وبعكس الديمقراطية البرجوازية، ان اهم ميزة للحكومة العمالية-دكتاتورية البروليتاريا هي انها تحرر الانسان من العبودية الاقتصادية والاستغلال وتخلق المساواة بين البشر، كما تؤسس من خلال السلطة المجالسية إمكانية لتدخل كل السكان في كل جوانب ادارة المجتمع بشكل مباشر، وتصبح الحقوق السياسية مثل حق التصويت، حق الترشيح، وحرية التعبير الخ حقوق حقيقية غير شكلية. تزيل المساواة الاقتصادية والسلطة المجالسية كل اشكال عدم المساواة في الحقوق السياسية والاجتماعية والفردية.  وهكذا فان دكتاتورية البروليتارية تؤسس لمساواة حقيقية وحرية تامة. 

في حين، في ظل الديمقراطية البرجوازية التي تركز على الحقوق السياسية، تسيطر اقلية صغيرة على الاقتصاد، وتستخدم قوتها الاقتصادية للتحكم بالحياة السياسية وتسخيرها لمصالحها الخاصة. ومع الية الحكومة التمثيلية، تصبح حتى الحقوق السياسية التي تتشدق بها البرجوازية  مثل حق التصويت والترشح وعمل مؤسسات التمثيلية مثل البرلمان شكلية وتصبح حقوق مثل حق التظاهر والاضراب محدودة الوقع. 

في ظل النظام الرأسمالي، الغالبية بحاجة الى بيع قوة عملها للأقلية التي تتحكم بوسائل الإنتاج من اجل العيش، مما يعني استخلاص فائض قيمة واستغلال.

 ان الإنتاج الذي يقوم به العمال يصبح باستمرار مصدر اقتدار البرجوازية ودونية الطبقة العاملة. لا وجود للحرية والمساواة والرفاهية والقضاء على التمييز مع وجود من هو بحاجة الى بيع قوة عمله بشكل يومي ووجود العمل الماجور والاستغلال واستخلاص فائض القيمة. ان ادامة هذا المجتمع وحمايته يتطلب حكومات، جيوش، سجون، شرطة، ميليشيات، فساد وايديولوجيات ووسائل للدعاية والتحميق، وهذه هي مكونات الدولة البرجوازية.

مقالات