توما حميد

حول دكتاتورية البروليتاريا والحرية السياسية* / الجزء الاول

الجزء الاول
برأيي، مفهوم ديكتاتورية البروليتاريا هو من المفاهيم الماركسية التي تم تشويها وأسيء  فهمه بشكل كبير. وقد كان هذا التشويه عمل واعي ومدروس للبرجوازية.

المجتمع الطبقي مجتمع طبقات متضادة، سائدة ومسودة، حاكمة ومحكومة، مضطهِدة ومضطهَدة. في مجتمعنا المعاصر، ثمة طبقتان اساسيتان ومتضادتان يتمحور المجتمع حولهما: الطبقة البرجوازية والطبقة العاملة. وطالما هو مجتمع طبقي، فان الديكتاتورية، فرض ارادة طبقة على طبقة، جزء عضوي وبنيوي فيها. في البداية، يجب ان نفرق بين نظام قمعي او نظام شمولي وتوتاليتاري "دكتاتوري" لطاغية فردي، او حزب نشاهده امامنا في عالم اليوم، حيث يحتكر شخص او مجموعة صغيرة كل القرارات المتعلقة بإدارة المجتمع، ولأسميه الاستبداد (السافر والدموي في احيان كثيرة) مثلما هو الحال في العديد من البلدان، اما ما نراه في اوربا مثلا، حيث ليس هناك استبداد سافر، ولكن هناك عنف وديكتاتورية طبقة، هي الطبقة البرجوازية.

الدكتاتورية الطبقية هي املاء وتنفيذ البرنامج الاقتصادي والسياسي لطبقة معينة في مجتمع معين، وفي مرحلة ما، وهي صفة كل الدول منذ قيام الدولة مع ظهور المجتمع الطبقي. فالدولة ليست جهازا مستقلا من الناحية الطبقية، كما تصورها البرجوازية بل هي دائما حامية مصلحة الطبقة الحاكمة.

ومثلما ذكرت، لا تعني الدكتاتورية الطبقية  حتى البرجوازية بالضرورة استخدام القمع الدموي والاستبداد السافرين من قبل الطبقة الحاكمة. ولكن بغض النظر عن طبيعة الأنظمة البرجوازية في عالمنا اليوم، فيما اذا كانت أنظمة قمعية، او أنظمة برلمانية تمثيلية مثل الدول الغربية، تبقى كلها اشكال لدكتاتورية البرجوازية، رغم ان الأنظمة الغربية ليست بحاجة الى استخدام الاستبداد والقمع السافر بسبب من توازن القوى الاجتماعي والطبقي. حتى في الدول الغربية، يجب على الافراد والقوى السياسية الالتزام بالدستور الذي وضعته الطبقة الحاكمة والذي يضمن املاء وتنفيذ البرنامج الاقتصادي والسياسي لهذه الطبقة، اي يجب ان تعمل ضمن الحدود التي تحافظ على النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي القائم ولا يسمح لاحد المساس به. وفي الكثير من الحالات، ستضطر الدولة البرجوازية الى استخدام القمع والاستبداد السافر، فقط في حالة المساس، او خطر ما  على وجود النظام الاقتصادي والاجتماعي البرجوازي.

القمع والاخضاع هي صفات بنيوية بالنسبة لدكتاتورية البرجوازية لان النظام الاقتصادي الرأسمالي يستند على استغلال طبقة لطبقة أخرى، ولكن اشكال القمع والاخضاع تختلف باختلاف اشكال الدولة البرجوازية.  تقوم السلطة البرجوازية بالقمع السافر في الدول الفقيرة التي تحتاج علاقات الانتاج الرأسمالية فيها الى طبقة عاملة خاضعة ومقموعة وتقبل بالقليل، بينما يكون الاخضاع في الدول المتقدمة بالأكاذيب والتضليل حتى تصبح السلطة تحت الخطر، عندها تتدخل أجهزة القمع بشكل سافر تحت ستار حفظ النظام، ومعاقبة "المخربين" و"الفوضويين" و...الخ. 

ان هذا يعني بان الدولة البرجوازية، وبغض النظر عن شكلها، هي دكتاتورية البرجوازية وهي حكم أقلية مصحوب أحيانا بالقمع السافر، وهي اداة حماية الملكية الفردية والعمل الماجور، اي استغلال البرجوازية للطبقة العاملة ولهذا فالقمع والاخضاع هي صفة اصيلة متجذرة فيها.

ان ديكتاتورية البروليتاريا، التي تسمى ايضا بالحكومة العمالية او الجمهورية الاشتراكية او الديمقرطية البروليتارية هي اداة لفرض وتنفيذ برنامج الطبقة العاملة من خلال انهاء علاقات الإنتاج الرأسمالية، اي الغاء العمل الماجور والملكية الخاصة وبناء نمط مختلف، من علاقات الإنتاج الاجتماعي المستند الى العمل التعاوني والملكية الجماعية، وتشريك وسائل الإنتاج. من اجل تحقيق هذا الهدف، يجب الإمساك بالسلطة وتحطيم مجمل بنية السلطة البرجوازية، بما فيها الدولة، والتصدي لمحاولات البرجوازية لاسترداد سلطة النظام الاقتصادي الرأسمالي. ان دكتاتورية البروليتاريا هي مرحلة انتقالية، ومهمتها هي نقل المجتمع من الرأسمالية الى مجتمع غير طبقي-شيوعي.

 هناك اختلافات جوهرية بين دكتاتورية البروليتارية ودكتاتورية البرجوازية وهي:

1-     ان دكتاتورية البروليتاريا هي دكتاتورية الأغلبية على الأقلية، في حين ان دكتاتورية البرجوازية هي دكتاتورية اقلية صغيرة جدا في المجتمع بوجه الأغلبية.

2-     الحرية التي توفرها دكتاتورية البرجوازية لأقلية صغيرة في المجتمع، فالأغلبية محرومة من الإمكانات الاقتصادية، ومن مستلزمات ممارسة الحرية، في حين ان الحرية التي تضمنها دكتاتورية البروليتاريا هي للمجتمع بأسره، لكل جموع العاملين والذين يرغبون ان يكونوا متساوين مع الاخرين (اذ لا تتحرر الطبقة العاملة الا بتحرير المجتمع ككل).

3-     دكتاتورية البروليتارية هي دكتاتورية لمرحلة مؤقتة، تتسع او تتقلص طبقاً لظروف ارساءها، اي الى ان يتم انهاء انقسام المجتمع الى طبقة مضطهِدة وأخرى مضطهَدة، في حين ان دكتاتورية البرجوازية مستمرة مادام بقى النظام الرأسمالي هو النظام السائد.

4-     ستلجأ دكتاتورية البروليتاريا الى قمع البرجوازية في حالة المساس بالنظام الاشتراكي فقط، في حين ان القمع والاستبداد هي صفة متجذرة في الدولة الرأسمالية من اجل استغلال الطبقة العاملة وإنتاج فائض القيمة وخاصة في الدول الفقيرة التي تحتاج الى طبقة عاملة رخيصة وقمع منظماتهم.

5-     دكتاتورية البروليتاريا، أي الدولة العمالية، ليست أداة لاستغلال أي طبقة، بل تقوم بالقضاء على الاستغلال والاضطهاد وتقف بوجه الاستغلاليين والمضطهدين، انها اداة تحرير المجتمع. بإمكان البرجوازيين الالتحاق بجموع العاملين ويصبحوا متساويين معهم، في حين ان دكتاتورية البرجوازية هي من اجل صيانة الاستغلال والاضطهاد وليس امام العامل والكادح فرصة المساواة مع الرأسمالي.

6-     جراء القضاء على الاستغلال، تنهي دكتاتورية البروليتاريا القمع الذي يحكم موقع العمل في ظل الرأسمالية الذي يقضي الانسان جزء كبير من حياته فيه، حيث تمكن العمال من إدارة موقع العمل بشكل جماعي وحر ( ديمقراطي) بعيدا عن الهرمية الصارمة ومصادرة القرار من الأغلبية العاملة.

 يعترف الشيوعيون بان كل الحكومات هي دكتاتوريات طبقية و للدولة بما فيها الدولة العمالية-دكتاتورية البروليتارية صفة طبقية، باعتبارها أداة فرض برنامج طبقة معينة في المجتمع، وأداة للسيادة الطبقية، في حين ان البرجوازية هي غير صريحة في هذا الشأن وتحاول بشتى الوسائل تصوير دولتها كونها مؤسسة فوق الطبقات، وتمثل كل المجتمع. وتقوم أيضا بتشويه مصطلح دكتاتورية البروليتاريا الذي ورد في الادبيات الشيوعية، ليعني إقامة أنظمة قمعية واستبدادية كالتي نراها في الكثير من البلدان الرأسمالية بما فيها أنظمة رأسمالية الدولة. 

 

من اجل انهاء عمر النظام الرأسمالي وانهاء انقسام المجتمع الى طبقات، أي الغاء الملكية الخاصة وتحرير البشرية من عبودية العمل الماجور، يتوجب على الطبقة العاملة الإمساك بالسلطة السياسية بقيادة حزب شيوعي وعمالي من خلال الثورة ( لايمكن الغاء سلطة الرأسمال من خلال إجراء إصلاحات او تغيرات جزئية على هذه السلطة)، وتطبيق برنامجها الاقتصادي والسياسي، وتحطيم بقايا البنية الفوقية البرجوازية و مقومات السلطة البرجوازية على شكل مؤسسات الدولة مثل الحكومة، البرلمان، الجيش، الشرطة، السجون والأجهزة الأمنية والتجسسية والقوانين، وإلغاء دين الدولة وصفة الايديولوجيا الرسمية او خارج الدولة مثل الاعلام وادوات التضليل الأخرى و...الخ.

 سيتحتم إرساء بنية فوقية بما فيه الدولة تتوافق مع القاعدة الاقتصادية الجديدة واستخدام الدولة للتصدي للبرجوازية والحاق الهزيمة النهائية  بقواها الرجعية المضادة للثورة الاشتراكية التي تحاول استعادة نظام العمل المأجور والملكية الخاصة.

 سيتوجب إعادة تشكيل جميع المنظمات الاجتماعية والثقافية وإعادة تنظيمها لجعلها متوافقة مع اهداف المجتمع الاشتراكي. ويتطلب انشاء منظمات ثقافية واجتماعية جديدة من اجل التنمية الشاملة للإنسان. وسيتطلب اخراج وسائل الاعلام والمؤسسات الاكاديمية والتعليمية من الملكية الخاصة ووضعها تحت تصرف المجتمع وتغير أهدافها.

سيستلزم بالتالي الدفع بتطور المجتمع وتغيير الأوضاع الاقتصادية و السياسية والقانونية والايديولوجية والدينية بحيث يؤدي الى اضمحلال الدولة.

يكون الشكل الحكومي لدكتاتورية البروليتاريا في البداية على شكل حكومة موقتة يشكلها الحزب والذي يمثل مصالح الطبقة العاملة وله نفوذ في هذه الطبقة والذي يتشكل من القادة والفعالين الشيوعيين داخل الطبقة العاملة لوحده او مع أحزاب أخرى تشارك هدف القضاء على النظام الرأسمالي وإقامة مجتمع اشتراكي.

لا تعني دكتاتورية البروليتاريا بالضرورة ممارسة العنف. لم يرافق ثورة أكتوبر مثلا عنف ملحوظ. لقد كانت ثورة سلمية الى حد كبير. العنف جاء بعد الثورة نتيجة ممارسات البرجوازية المحلية والعالمية. فالعنف سيعتمد على درجة مقاومة البرجوازية وعلى الاشكال التي تتخذها الثورة المضادة للبرجوازية. فبشكل عام، البرجوازية لن تتخلى عن سلطتها وعن موقعها في المجتمع بدون مقاومة. ستبقى البرجوازية ، لمراحل معينة بعد الثورة، تشكل تهديدًا للنظام الاشتراكي. ولذلك فان التصدي لها وحتى  قمع عناصر الطبقة الرأسمالية التي تحاول قلب النظام من خلال العنف ستكون مهمة اساسية لدكتاتورية البروليتاريا.

مع ترسخ دكتاتورية البروليتاريا و أبعاد خطر مساعي البرجوازية في الداخل والخارج  لاسترداد النظام الرأسمالي تنتقل السلطة الى المجالس الجماهيرية والهيئات ولجان التحكم والمراقبة العمالية التي تشكلها والتي ستكون قاعدية بأوسع نطاق وتعتمد على السلطة المباشرة لسكان البلد. أي تقام السلطة المباشرة للعاملين في المجتمع التي تدير اعمال الدولة، اذ يحل المجلس العام للمجالس الجماهيرية محل الحكومة الحزبية. يتم الحكم من خلال المركزية الديمقراطية التي تستند الى تسلسل هرمي. اذ يتم انتخاب الممثلين من خلال الاقتراع العام من قبل المجالس في مواقع العمل والمحلات والدراسة والتي بدورها تنتخب مجالس المناطق و المدن ثم الأقاليم او المحافظة وصولا الى اعلى سلطة في البلد، ويكون لجميع سكان البلد الحق في المشاركة، وفي ان يكون لهم من يمثلهم في السلطة وحق استدعاء مندوبيهم واستبدالهم في أي وقت.

 

مقالات