سمير عادل

مقتدى الصدر والعودة الى الطائفية. التيار الصدري يتكسر على صخرة ساحة الحبوبي.

الاصطفاف الطائفي والتلويح بالايدلوجية الاسلامية الخيار الوحيد امام مقتدى الصدر وتياره للتغلب على ازمته السياسية وانسداد افاقه وانحسار مده الاجتماعي. هذا ما غرد به الصدر اخيرا بدعوته الى ترميم البيت الشيعي والتوقيع على اتفاقية شرف واتفاقية عقائدية، بعد ان فشل في قمع احتجاجات الناصرية بالتنسيق والتعاون الامني والاعلامي مع حكومة الكاظمي. وقد لقت تغريدته ترحيبا من تيار فتح التي تلاقفته بسرعة، لان ازمة التيار الصدري كما سنشرحها في هذا المقال هي ازمة سلطة الاسلام السياسي على جميع الاصعدة.

لنقف قليلا عند خطبة الصدر والعنوان الذي أختاره لتظاهرات أتباعه، وهذا العنوان هو (ورقة الإصلاح الأخيرة) كي يحقق الأغلبية البرلمانية وتكون رئاسة الوزراء محصور بجماعته كما عبر عنها مقتدى الصدر في صلاة الجماعة يوم الجمعة الفائت.

من البديهي القول إن التيار الصدري خلال انتفاضة أكتوبر فقد الكثير من رصيده الاجتماعي بسبب لعب زعيمه خلال سنوات على حبلين، او بالأحرى يضع قدم في العملية السياسية ويحصد مغانمها، وقدم آخر في المعارضة لاحتواء أية احتجاجات واعتراضات جماهيرية ضد فساد سلطة الإسلام السياسي بهدف إفراغها من محتواها، إضافة إلى أن بدائله السياسية التي قدمها إلى منصب رئيس الوزراء مثل محاولة فرض توفيق علاوي لإنقاذ سفينة الإسلام السياسي كالعادة وتحت عنوانه المعهود ورقة الإصلاح قد تحطمت أيضاً، إذ كانت بمثابة ورقة الجوكر التي طالما كان مقتدى الصدر اقرب إلى مواصفاتها واللعب بها اكثر من لعب اي طرف آخر بها. ولقد بينت انتفاضة أكتوبر إن الصدر بالرغم من كل تهديداته ووعوده وجرائم ما يسمى بأصحاب القبعات الزرق لم يستطع إن يحرز موطئ قدم في الانتفاضة.

إلا أن مشكلة التيار الصدري مقتدى الصدر ذاته لا تكمن فقط في تياره فحسب بل إن مشكلة التيار الصدري هي جزء من أزمة السلطة البرجوازية للإسلام السياسي التي أصبحت غير قادرة على إدارة الأزمة الاقتصادية والسياسية في العراق، وخاصة ندرك إن هذه السلطة غير منسجمة فيما بينها، وتتقاذفها صراعات النفوذ الإقليمي والدولي.

إن انسداد آفاق التيار الصدري هي وراء رفع شعار (ورقة الإصلاح الأخيرة) والحصول على رئاسة الوزراء، والذي يعني محاولة من اجل تعبئة تياره الذي بدأ ينفرط عقده يوما بعد يوم على أثر ضربات انتفاضة أكتوبر. فالشعار الذي أطلقه ودعواته للحصول على الأغلبية البرلمانية هي من أجل نفخ الروح في تياره على الصعيد الاجتماعي.

من يراقب خطبة الصدر في تظاهرات يوم الجمعة الفائت يدرك أنها مساعي لإنقاذ الإسلام السياسي في المجتمع ويكون هو رمزه وقائده على حساب القوى السياسية الأخرى في الإسلام السياسي التي ظهرت مثل ربع الله وهي تمثل الحشد الشعبي ودولة القانون وفتح، من جهة ومن جهة أخرى الحفاظ على هويته (القومية المحلية) التي عبر عنها باسم الوطن، والتي سرعان ما فشل بسبب الضربات التي تلاقاها في ساحة الحبوبي ليعود الى مربعه الاول وهو رفع شعار الطائفية (البيت الشيعي) كما اشرنا اليه في بداية المقال.

إن الأعمال الاستعراضية التي قامت بها (ربع الله) وبعدها جاءت تظاهرة الصدر وخطبته كما نوهنا في مقالنا السابق الذي كان تحت عنوان (انهم ينتقمون من الانتفاضة) هي من اجل استرداد زمام المبادرة وإعادة الهيبة والرهبة للإسلام السياسي في المجتمع بعد إن فقد الكثير من رصيده الاجتماعي والسياسي. إن قوى الإسلام السياسي منذ انتفاضة أكتوبر، ومنذ أن خرجت الألاف من النساء بتحدي الصدر وميليشياته (القبعات الزرق) عندما دعا إلى الفصل بين النساء والرجال في التظاهرات وهنَّ يرددّنَ شعار (شلع قلع والكاله وياهم)، وهو تخطط بشكل استراتيجي لترميم مكانتها الاجتماعية وسلطتها التنفيذية التي قوضتها الانتفاضة.

لنذهب إلى خطبة الصدر ونبين محتواها القومي والمعبأ بالايدلوجية الإسلامية التي بدأها (اليوم نحن ملزمون بالدفاع عن ديننا وعقيدتنا ووطننا أمام هذا الانحلال والانحراف والإلحاد العلني وازدياد الفسق والفجور وكثرة الفاحشة والانحلال الخلقي والتبعية والتشبه بالغرب الكافر..). إن خطبة الصدر هي موجه لتياره وليس لاحد وأيضا ملغم بالتهديد والوعيد، وهو مسعى للحفاظ على مستوى الخطاب السياسي الشعبوي الذي هو مزيج من القومية والدين ليضيف لها ايضا الطائفية. وليس مهما من يصدقه او لا يصدقه، فهو على قناعة أن مريديه ومؤيده سيصدقونه مهما قال وكذب وارتكب من جرائم، لان مقتدى الصدر يدرك إن قوته تعتمد على ميلشياته التي تمول من الأموال التي نهبها خلال تولي الوزارات الخدمية ونواب رئيس مجلس الوزراء والمناصب الخاصة وأرباح مطار النجف والشركات التي أسسها من تلك الأموال.

إن انسداد آفاق التيار الصدري ونزيف رصيده الاجتماعي المتواصل هو وراء استعراض الصدر لتظاهرات الجمعة الفائت ومحتوى خطبته والهجوم التي قامت بها ميلشياته على المتظاهرين في ساحة الحبوبي. فالعنوان (ورقة الإصلاح الأخيرة) هو محاولة لانتشال التيار من المستنقع الذي يغرق فيه، وهو أقرب إلى شعار ترامب (لنجعل أمريكا عظيمة). ويقصد الصدر من خلال عنوانه (ورقة الإصلاح الأخيرة) تعويض عمليات السرقة والنهب والاستحواذ على ما يمكن استحواذه من الأموال. فالجميع يعرف إن التيار الصدري كان شريكا مخلصا مع قوى الإسلام السياسي الأخرى بعمليات الفساد بكل أشكاله.  أما وطن مقتدى الصدر الذي يتحدث عنه والذي يذود عنه ويوظف الغالي والنفيس من أجل الحفاظ عليه هو نفس وطن الكاظمي الذي اعمى عيوننا واصم آذاننا به وهو حصر السلاح المنفلت، إنه وطن ميلشياته ومريديه الذين يستلمون المعاشات والرواتب جراء الطاعة والتصفيات الجسدية التي يقومون بها تجاه أي صوت معارض. أن السلاح الذي يقتل به مقتدى الصدر وميليشياته المتظاهرين ليس منفلتا في نظر الكاظمي، لأنه لم يقصف القواعد الأمريكية والمنطقة الخضراء، او بالأحرى يعكر مزاج داعميه من الامريكيين، إنما يقتل المتظاهرين العزل.

 أما الفسق والفجور الذي يعلن مقتدى الحرب عليهما، فهو لا يقصد أبدا استئصاله من المجتمع، فبدون الفسق والفجور لا يقوم اي قائم للإسلام السياسي في المجتمع، بل انه يحاول إن يضفي الشرعية القانونية عليه مثل زواج المتعة او تعدد الزوجات او تزويج الأطفال البنات بعمر ٩ سنوات، اي إحلال القانون الجعفري الذي أسقط على يد القوى التحررية والعلمانية في المجتمع.  فالفسق والفجور الذي يدعو الصدر إلى محاربته، هو وجماعته من أسس لهما اقتصاديا عندما قام وبشكل منظم مع أخوته الذي يزايد عليهم اليوم بورقته الإصلاحية الأخيرة بسرقة ونهب موازنة الوزارات والحصول على العمولات لإقامة المشاريع الوهمية. إن الصدر وحزب الدعوة والفضيلة وتيار الحكمة والمجلس الإسلامي الأعلى وفتح وحزب الدعوة أوصلوا نسبة الفقر في العراق إلى أكثر من ٤٠٪. إن النساء اللواتي هاجمهم عصابات ربع الله، لا يضطرون إلى العمل في محلات المساج وغيرها لو كان هناك ضمان بطالة لهنَّ. إن الشباب لا يبيعون كلياتهم لو كان هناك ضمان بطالة لهم ولأسرهم، إن عمليات الانتحار لن ترتفع في صفوف الشباب لو كان هناك مستقبل مشرق في وطن مقتدى الصدر الذي يريد إن يحميه. بيد إن الصدر لا يريد إن يرى هذه الظواهر، فهو يريد تحويل العراق إلى إقطاعية مثل الإمارات او السعودية التي يربطه بهما اليوم علاقات وثيقة ويحصل على دعم وأموال منها.

إن الصدر وتياره يترنح تحت ضربات انتفاضة أكتوبر مرة يميل نحو رفع شعار المقاومة، والحق هنا يقال إن سمنة السلطة تَحّولْ من رفع الشعار المذكور وهذا هو سر البقاء باللعب على الحبلين، وأخرى يميل نحو رفع شعار الإصلاح الذي يقصد به دائما تحسين حظوظه في السلطة واللعب دور سيارة اسعاف لإنقاذ العملية السياسية، وهذه المرة رفع شعار الحفاظ على الدين والعقيدة وإعلان الحرب على الغرب، أي الحفاظ على الايدلوجية التي توجته زعيما دون منازع.

إن الصدر وخلال الدعوة إلى تظاهرات صلاة الجماعة في ساحة التحرير وخطبته المليئة بالحقد والكراهية، فهي أقرب إلى خطب القرضاوي عراب الإخوان المسلمين في العالم، أٌفّشَلَ سياسيا بامتياز وخسر أكثر من رصيده الاجتماعي بعد أن نال ما نال في ساحة الحبوبي في مدينة الناصرية. وبالمناسبة بينت دعوات مقتدى الصدر إلى تدخل حكومة الكاظمي بالتصدي للمتظاهرين بعد أن فشلت ميلشياته السيطرة على ساحة الحبوبي إلى التحالف الوثيق بين الصدر والكاظمي الذي لم يحرك ساكن تجاه جرائم مليشيات الصدر مثلما لم يفعل شيئا تجاه بهلوانيات ربع الله.

ولكن يجب أن نبين هنا والحق يقال دائما، إن هجوم مليشيات الصدر بأسلحتهم على ساحة الحبوبي، هجوم على شباب عزل وقتل عدد منهم وحرق الخيام قد بيض وجه ربع الله، وكان الصدر واتباعه يبغون عن طريق التمادي بالجريمة سحب البساط من تحت أقدام ربع الله إلا أن النيران ارتدت عليهم، وحرقت أوراق جديدة للإسلام السياسي في المجتمع.

إن ما نريد إن نقوله هنا، صحيح أن الانتفاضة لم تصل إلى أهدافها النهائية، ولكن الصحيح أيضا إن قوى سلطة الإسلام السياسي مرعوبة من الجمرة التي تحت رماد الانتفاضة. وكل ما فعلتها مليشيات الحشد الشعبي المتمثلة بربع الله وميليشيات الصدر هي مساعي من أجل إطفاء تلك الجمرة. وهنا يجب على الشباب العاطلين عن العمل والنساء وكل التحرريين إن يعوا المأزق الذي وصل إليه الإسلام السياسي. لذا علينا مواصلة كل أشكال هجومنا السياسي والدعائي والاجتماعي عليهم والبدء بالعمل المنظم والدؤوب لإلحاق الهزيمة الكاملة بهم وطردهم إلى خارج المجتمع الإنساني.

مقالات

سمير عادل

05/03/2018