سمير عادل

قانون (جرائم المعلوماتية) تعزيز نظام استبدادي، لتعميم الإفقار وإدامة السلب والنهب

 

لقد تم طرح العديد من التساؤلات وكتبت عشرات المقالات حول مغزى وتوقيت إقرار قانون (الجرائم المعلوماتية) من قبل البرلمان، في الوقت الذي يجتاح  المجتمع العراقي فيروس كورونا ويقتل منه يوميا العشرات، ورافق ذلك تعتيم مدروس ومخطط له من قبل حكومة الكاظمي وعدم اكتراث وعدم مبالاة أسوة ببقية الحكومات السابقة تجاه حياة ومعيشة الناس، في حين تعلن عشرات من الدول في العالم عن إجراءات وقائية لاحتواء الفيروس، هذا ناهيك عن توسع مساحة الفقر ليضرب بجذوره في عظم المواطنين سواء جراء عدم تعويض الحكومة العمال والموظفين الذين طردوا من العمل بسبب عمليات الإغلاق قبل اشهر أو بسبب البطالة المليونية التي سبقت انتشار فيروس كورونا.

ونرى من جانبنا ضرورة الرد على تلك التساؤلات والعوامل التي تقف وراء إصدار مشروع القانون المذكور، إذ تتمحور حول تنفيذ بنود الورقة المظلمة المقيتة التي سمتها الحكومة الورقة البيضاء والانتقام من انتفاضة أكتوبر، أما أثرها على إشعال انتفاضات أخرى (فسوف نفصل فيه أكثر بمقال آخر).

مشروعان للقوانين لم تتمكن حكومة المالكي من تمريرها في البرلمان، وهما الورقة البيضاء التي سمتها حينها الورقة الإصلاحية وهي ورقة الاحتلال او ورقة بول بريمر او ورقة الصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. والقانون الآخر هو (الجرائم المعلوماتية)، وما نريد أن نقوله قبل الدخول في تفاصيل مناقشة المشروع، أن تلك المشاريع مرتبطة ببناء مشروع دولة استبدادية وقمعية تدير أزمة الفقر والإفقار في المجتمع لتلجم أية حركة احتجاجية واعتراضية في المجتمع إن كان هدفها تحسين الأحوال المعيشية الاقتصادية للجماهير. فلا يمكن تمرير سياسة التقشف وشد الأحزمة على البطون مع الحفاظ على الامتيازات المادية للجيش الطفيلي الجرار الذي يتكون من أعضاء السلطات الثلاثة القضائية والتشريعية والتنفيذية والمناصب العامة وعناصر المليشيات دون عملية تكميم الأفواه وخنق حرية التعبير لاسيما تلك المعلومات التي تكشف عن الفساد. بمعنى آخر أن الكاظمي الذي توجته أمريكا والأوهام التي سادت في صفوف الانتفاضة وبإعلامه المأجور بطلا مزيفا لانتفاضة أكتوبر هو من ينفذ ما لم يتمكن من تنفيذه قادة حزب الدعوة والإسلام السياسي الفاسدين.

 

طبعا من اطلعَ على مشروع قانون (الجرائم المعلوماتية) يستشف بسهولة ودون اي عناء انه لا يختلف عن مشاريع القوانين للأنظمة الاستبدادية في العالم وتحت نفس العناوين المتهرئة التي تبرر قمع كل أشكال الحريات الإنسانية مثل؛ الحفاظ بعدم المس بسيادة الدولة واستقلالها ومصالحها الاقتصادية والسياسية انظر -المادة (3)- إثارة النعرات الطائفية او الفتن او الإساءة إلى سمعة البلاد -انظر المادة (7)- الاعتداء على المبادئ او القيم الدينية او الأخلاقية او الأسرية- (المادة 22)- التحريض على الفسق والفجور والتحريض على أنشطة مخالفة للآداب -المادة (22)- أما المادة 19 التي مفادها الحصول على بيانات معلومات بطرق غير مشروعة فهي هدية جاءت من السماء لطمس كل أشكال الفساد الإداري والسياسي والمالي في المؤسسات الحكومية.

مشروع القانون يتألف من أربعة فصول، والفصل الذي بعنوان (الأحكام العقابية) وتتكون من المادة 3 حتى المادة 23 والتي أجريت عليها القراءة الأولى تخفي في ثناياها المواد رقم 3 و7 و19و22 وهي روح القانون والذي بنيت على أساسها والأسباب التي وقفت وراء إقراراه في هذا الوقت. وكتبت بشكل ذكي للمحاولة في تفريق الدماء بين القبائل مثلما يقولون، حيث أدرجت معها سلسلة من المواد مثل جرائم الاتجار بالبشر وسرقة المستندات العقارية وغسيل الأموال. الخ. ويجدر بالذكر أن المواد المشارة إليها متناقضة كليا مع الدستور من موادها (38، 40، 42) والعهد الدوليين ومبادئ حقوق الإنسان العالمية. وبالمناسبة فقد تزامن مع كتابة مقالنا هذا صدور موقف منظمة هيومان وتش رايتس الحقوقية العالمية بتوجيه نقدها إلى مشروع القانون.

تلك المواد كتبت بشكل فضفاض وهلامي، بحيث يطبق في اي زمان واي مكان وعلى اي شخص او طرف او جهة حسب مقتضيات الطبقة السياسية الفاسدة وتوازن القوى، مثلما كتب الدستور الذي نسي نفس البرلمان بنوده حول حقوق الإنسان والحريات المدنية والفردية والسياسية. وإذا ما عدنا قليلا إلى الوراء وتحديدا إلى شهر أكتوبر او تشرين الأول من العام الفائت، فأن أول اجراء حكومي من قبل المجرم عبد المهدي هو قطع الأنترنيت، كي تقمع قواته والمليشيات التي نصبته رئيسا للوزراء المتظاهرين، بدم بارد ودون وصول الصرخات والجرائم التي اقترفتها إلى العالم. والحق يقال لقد لعب الأنترنيت دورا مهما في فضح عصابات ومليشيات الإسلام السياسي الموالية لإيران، وكان عاملا في فرض التراجع عليها كي يستطيع الكاظمي بشكل مزور أن يعتلي رئاسة الوزراء. اي بعبارة أخرى فوفقاً للمواد (3) و(7) من مشروع قانون (الجرائم المعلوماتية) يمكن للحكومة أن تفتح زنازينها إلى المئات من الذين نشروا صور وفيديوهات لجرائم المليشيات التي ارتكبت بحق المتظاهرين من عمليات اختطاف وتعذيب واغتيال على صفحات التواصل الاجتماعي بذريعة الإساءة إلى سمعة البلاد وتهديد مصالحها وسيادتها. ووفق المادة (22) يمكن مقتدى الصدر باعتقال جميع النساء اللواتي شاركن بالتظاهرات لأنهن كسرن قيم الصدر الدينية والأخلاقية عندما دعي للفصل بين النساء والرجال في التظاهرات. أما المادة (19) فيعتقل ويعاقب كل صحفي يحصل على معلومات تفضح المتورطين بعمليات الفساد. فاذا كانت مافيا المخدرات تقتل الصحفيين في المكسيك عندما يحاولون الكشف عن جرائمها أمام الراي العام، ففي العراق تلجا المافيا الحكومية ومليشياتها بمعاقبة كل من يتجرأ بالكشف عن فساد الأحزاب الإسلامية وحلفائها من القوميين بتهمة نشر معلومات بطرق غير مشروعة. إن المضحك حقا، ما هي الطرق المشروعة برأي سادة البرلمان بالنسبة للصحفيين بفضح عمليات الفساد وجرائم القتل التي ارتكبت بحق المتظاهرين والتطهير الطائفي على سبيل المثال لا الحصر؟ هل ننتظر صحوة ضمير ويعترف المالكي او الشهرستاني او العبادي او العامري او الصدر او الخزعلي والفياض والقائمة تطول، بأنهم سرقوا وأسسوا شركات من الأموال التي نهبت، ودعموا عصابات ومليشيات الإجرام والتطهير الطائفي والتغيير الديموغرافي، وانهم مستعدون للقصاص العادل بعد أن يكون الله قد هداهم إلى الطريق المستقيم، ونعرف أن الله يهدي من يشاء، فقد يكون هؤلاء الفاسدين ليس من خانة الله كي يهديهم في هذه المرحلة، فعلينا الصبر على سلبهم ونهبهم لثروات المجتمع. فكما أشرنا أن فلسفة تشريع هذا القانون هي من اجل إدامة واستمرار هذه الطبقة السياسية الفاسدة في السلطة التي ابتلت الجماهير بها.

 

بيد أن المسالة التي نتناولها بشكلها المحدود والضيق بسبب ضيق المساحة التي أمامنا حول الخطوط العامة لمشروع القانون يتناقض كما أشرنا مع المواد في الدستور العراقي المادة 38 والمادة 40 والمادة 42، فقد فٌصَّلَ من اجل بناء نظام دكتاتوري واستبدادي لحفنة من اللصوص والفاسدين للسلطة المليشياتية التي تمسك بخناق المجتمع، وتتواءم مع سياسة المؤسسات المالية الأمريكية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي سبق وان طبقت في العديد من بلدان العالم مثل الأرجنتين وتشيلي والبرازيل وفلبين وإندونيسيا ومصر والأردن. وهلم جرا.

 

مرة أخرى يتضح أن هذه القوى بجميع تلافيفها معادية لحد النخاع مع كل معتقدات ومفاهيم الحريات والحقوق الإنسانية، وتحاول أن تسلب وتسرق أكثر ما يمكن من جيوب الجماهير وحقهم في الرفاه وحياة كريمة دون اي اعتراض. ولو كان بإمكانها لوضعت الضرائب على الهواء   الذي نتنفسه، ولا شك من لا يدفع فإنه سيعتقل بتهمة تلوث أجواء وسماء المعتقدات الدينية.

مقالات

سمير عادل

05/03/2018