سمير عادل

البيت القومي الكردي بعد البيت الشيعي تحت ضربات الجماهير.

كلما طالبت الجماهير بحقوقها الطبيعية المسلوبة وهي حياة حرة وكريمة، كلما حاولت التيارات البرجوازية إعادة الوهج إلى الترهات القومية والدينية والطائفية. بالأمس غرد مقتدى الصدر بأن إعادة الحياة إلى البيت الشيعي ــ (وهو تجمع طائفي بات يشكل مصطلح سياسي أسهم في تأسيسه احمد الجلبي عراب غزو واحتلال العراق) ــ لا يعني التحالف مع الفاسدين، ونحن نرى ونرد بأنَّ مجرد الاصطفاف الطائفي يعني الفساد بعينه، ويعني الحفاظ على المحاصصة في السلطة، وفضلا عن ذلك فلا وجود لأحد في هذا البيت الشيعي ممن انخرط في العملية السياسية لم تمتد يديه للفساد واللصوصية وعمليات الاختطاف والقتل وكل أشكال الجرائم بحق جماهير العراق.

لنعد إلى البيت القومي الكردي الذي يحاول هو الآخر إعادة ترتيب صفوفه بعد الاحتجاجات التي اجتاحت كردستان. فها هم الأخوة الأعداء من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير يعقدون اجتماعات تلو الأخرى لرص الصفوف من اجل قمع الاحتجاجات بما يملكون من قوة.

ومن المعروف أنه ومنذ عام 2014 والأحزاب القومية الكردية الحاكمة والمتمثلة بحكومة إقليم كردستان، تتنصل عن دفع الرواتب والمعاشات إلى العمال والموظفين في الإقليم. وقد راهنت هذه الأحزاب على مسألتين للحيلولة دون انفلات عيار الجماهير ضدها؛ الأولى الترياق القومي والثانية القمع البوليسي. صحيح أن حكومة بغداد قطعت الرواتب على عمال وموظفي كردستان لانتزاع تنازلات من الأحزاب القومية الحاكمة، إلا أن الصحيح أيضا هو أن نفس هذه الأحزاب القومية الكردية لعبت أيضاً على عامل الوقت وعلى عامل الصراعات السياسية في المنطقة والصراعات في بغداد، إذ كانت استراتيجية كل الأحزاب القومية تكمن في كيفية الاستفادة من تلك العوامل من أجل سرقة ونهب أكثر ما يمكن من أموال النفط التي تبيعها عن طريق التهريب او بشكل رسمي، إضافة إلى الأموال التي تدرها المنافذ الحدودية والضرائب التي تستحصلها من الوزارات والهيئات الخدمية، كل ذلك خدمة لترسيخ سلطتها وميلشياتها. والحق يقال لو كانت هذه الأحزاب الحاكمة تهتم بمعاناة الجماهير في كردستان لأمكنها دفع المعاشات والرواتب بل وحتى بدلات البطالة دون انتظار إرسال حكومة بغداد استحقاقات حكومة إقليم كردستان. إلا أن الإيمان العميق قبل كل شيء بمفعول الترياق القومي وذر الرماد في عيون جماهير كردستان بأن المشكلة لا تكمن في تنصل هذه الأحزاب من مسؤوليتها في توفير كل مستلزمات الحياة بل في الجانب الشوفيني القومي لحكومة بغداد، وطبعا هنا لا نعفي السلطة المليشياتية في بغداد من مسؤوليتها المباشرة أيضا بما وصلت إليها تردي الأوضاع المعاشية في كردستان بحيث يستلم العامل او الموظف الحكومي 4 رواتب في السنة مع الادخار الإجباري والاستقطاع بنسبة 18-21%. إن هذا الظلم الواقع بشكل سافر على جماهير كردستان يستمد جذوره من فساد السلطة في كردستان وفي بغداد أيضا، على أنَّ الفارق بين سلطة الأحزاب المليشياتية في بغداد وبين اربيل هو في الدرجة. اي بعبارة أخرى إن درجة التنصل تجاه العمال والموظفين والمتقاعدين تشتد وتيرتها لدى الأحزاب الحاكمة في كردستان بشكل واضح.

إن ميزة كردستان الوحيدة عن بقية جغرافية العراق هي وضعها الأمني المستقر، وهذه، وراء وجود الاستثمارات وعمليات الإعمار والبناء على الأقل في عشرة السنوات الأولى بعد الغزو الأمريكي للعراق، وفيما عدا ذلك فأن لا وجود للحكومة بالمعنى المتعارف عليه والمعنى الطبيعي. فالسلطة الموجودة هي سلطة أحزاب كل على حده، فعلى سبيل المثال لا الحصر فإن قاعدة البيانات في مطاري السليمانية واربيل لا يتشارك فيها الحزبين الحاكمين في المحافظتين، وقس على ذلك بقية الأمور، بالإضافة إلى ذلك فقد تصاعدت دعوات فك ارتباط محافظتي السليمانية وحلبجة قبل أشهر عن اربيل والارتباط مع بغداد مباشرة من اجل تأمين المعاشات والرواتب، ليكون دليل آخر للكشف عن مهزلة الهالة الإعلامية التي أنفقت عليها من الأموال المنهوبة على وسائل الإعلام العربية والعالمية لتسويق صورة مزيفة عن الاستقرار السياسي والوضع الاجتماعي المميز في كردستان. هذا ناهيك عما حدث بعد الاستفتاء في عام 2017 حيث سلم الاتحاد الوطني الكردستاني في جنح الليل مدينة كركوك إلى مليشيات الحشد الشعبي لفرض التراجع على النفوذ السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني الذي قاد الاستفتاء على استقلال كردستان وقضم امتيازاته لصالحه، وليضع حدا لكل الأكاذيب القومية التي اعموا بها عيون الجماهير وفرضوا عليها كل أشكال القهر الاقتصادي والسياسي طوال سنوات تسلطها على رقاب الجماهير.

لا شك حدثت احتجاجات جماهيرية متعددة في كردستان العراق ضد تدهور الوضع المعيشي خلال السنوات المنصرمة، إلا أن احتجاجات اليوم بالرغم من أنها لم تتجاوز لحد الآن حدود مناطق سلطة الاتحاد الوطني الكردستاني ولكن الرعب يجتاح أفئدة سلطة اربيل، وتتعالى صيحات رئيس الحكومة مسرور البرزاني بأن القضية أكبر من الرواتب، وسربت أخبار عن دائرته الضيقة بأن الأوضاع لو انفجرت في اربيل، فأن الأمور ستفلت منهم. و نقول ما تمتاز بها هذه الاحتجاجات بأنها داست على المقدسات القومية التي حاولت هذه الأحزاب أن تبقيها خالدة مثل سلطة الأحزاب المليشياتية الطائفي بغداد عندما أرادت تخليد الدين والطائفية في المجتمع من اجل إدامة حكمها الفاسد، إن الاحتجاجات في كردستان يمكن لها أن تقمع، وهذا ما اقسم عليه بأغلظ الإيمان عدد من المسؤولين في الاتحاد الوطني الكردستاني، وتعاود الأحزاب القومية السيطرة على زمام الأمور، إلا أن الشيء المؤكد هو أنَّ تلك الأحزاب لن تستطع إدامة سلطتها بالطريقة القديمة والى ابد الآبدين، ومن جهة أخرى بات الترياق القومي عديم الفائدة فهو لم يجيد نفعا لتخدير الجماهير، وليس أمام تلك الأحزاب إلا القمع البوليسي، ولكن ستبقى حدود ذلك القمع محدودا. ويعني بشكل آخر ان هذه الاحتجاجات تكشف عن ازمة سياسية عميقة، كانت موجودة ولكنها تعمقت بشكل اكبر بفعل هذه الاحتجاجات، انها ازمة سلطة الأحزاب القومية الحاكمة وفشلها في ادارة كردستان. لقد كانت بحق مثل سلطة بغداد هي ادارة للازمة السياسية منذ ان سنحت الفرصة لها عام ١٩٩١ ان تتسلط على رقاب جماهير كردستان. لقد بينت تجربة كردستان التي يتبجح بها سادة من مسؤولي الاحزاب عبر وسائل الإعلام بأنها واحة للديمقراطية والاستقرار السياسي وهناك أعداء يقفون وراء تلك الاحتجاجات، انها اي تجربة كردستان بينت انها فقاعة مثل الفقاعات العقارية في أمريكا عندما انفجرت عام ٢٠٠٨ وزلزلت الاقتصاد العالمي. ان الحقيقة المرة والواقعة بالنسبة للاحزاب القومية الحاكمة، بأن الجماهير باتت لا تتحملها ولن تقبل بأكاذيبهم واغلقت اسواقها امام ترياقها القومي، وانها حكمت عليها بالرحيل سواء قمعت حركتها ام لا، مثلما فتحت انتفاضة اكتوبر في العراق افاق رحبة نحو افول سلطة الإسلام السياسي المليشياتية.

إن الملايين من الشباب والنساء، من العاطلين عن العمل، من العمال والموظفين، قلوبهم مع جماهير كردستان وقد عبروا بأشكال مختلفة عن تضامنهم معها عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وقد تعلمت هي الأخرى في جغرافية العراق أن الترياق القومي هو الذي دق إسفين بين نضال جماهير العراق ونضال جماهير كردستان. فماهية الأحزاب الحاكة في بغداد هي نفس ماهية الأحزاب الحاكمة في كردستان، وهي الماهية اللصوصية التي تتبنى القمع السافر. وبقدر ما تتقدم نضالات جماهير كردستان، فبنفس القدر تتقدم نضالات جماهير العراق. وان إضعاف قبضة سلطة اي طرف من الأحزاب المليشياتية الحاكمة ستضعف من قبضة الطرف الآخر في بغداد او في كردستان، إن تقديم كل أشكال الدعم السياسي والمعنوي في جغرافية العراق يعني بأن جماهير كردستان ليست وحدها في النضال ضد سلطة القمع والإفقار، وانه من مسؤوليتنا للضغط على سلطات بغداد بأن تكف عن المراوغة واصطناع الصراعات مع اربيل من اجل نهب الثروات لتصب في جيوبها وجيوب الأحزاب الحاكمة في كردستان.

مقالات

سمير عادل

05/03/2018