توما حميد

دروس من اضراب الهند.

 

على الرغم من قمع السطات ووباء كورونا، نظم في 26 نوفمبر 2020 اكبر اضراب في تاريخ البشرية، شمل جميع انهاء الهند، حيث شارك حوالي 250 مليون من العمال والمزارعين والشرائح الأخرى ضد" الإصلاحات" النيوليبرالية الأخيرة التي أقدمت عليها  حكومة (ناريندرا مودي) اليمينية. هذا يعني ان ما يقرب من ربع الأشخاص في سن العمل في الهند شارك في الإضراب العام هذا. واعقب الاضراب مسيرة للمزارعين والنقابات والحركات الاخرى من جميع انحاء البلاد  الى العاصمة نيودلهي. نظم الاضراب من قبل تحالف  حركات العمال والمزارعين. شارك في الاضراب 10 اتحادات عمالية من جميع انحاء البلاد إضافة الى اكثر من 200 من المنظمات الفلاحية والكثير من الأحزاب السياسية وخاصة اليسارية ومنظمات حقوق المرأة والاتحادات الطلابية . ان الاتحاد العمالي الوحيد الذي لم يشارك في الاضراب هو الاتحاد المتحالف من نظام (مودي). تسبب الاضراب الذي استمر 24 ساعة في اغلاق خمس ولايات بشكل كامل واغلاق جزئي لجميع الولايات الأخرى.  وتوقف العمل في البنوك ، والخدمات المالية ، والخدمات الحكومية، والنقل، ووحدات الصلب والموانئ والارصفة، وخدمات الاتصالات، والمزارع، ووحدات توليد الطاقة، والفحم والمناجم الأخرى، ووحدات انتاج النفط والغاز الطبيعي والكثير من القطاعات الأخرى.

  لقد جاء هذا الاضراب على خلفية ازمة اقتصادية تضرب الهند والتي اشتدت وتيرتها نتيجة التداعيات الاقتصادية لوباء كوفيد-19 حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي للهند بنسبة قياسية بلغت 23.9%، بينما ارتفعت البطالة الى نسبة غير مسبوقة بلغت 27% وقد تفاقم عدم المساواة والحرمان الى مديات مخيفة. لقد فشلت الحكومة الهندية مثل الكثير من الحكومات اليمينية في التحضير لوباء كوفيد-19 ومن ثم التصدي لهذا الوباء وللازمة الاقتصادية التي اشتدت بسبب الوباء.  في وسط هذه الازمة الشاملة ومتعددة الأوجه، نفذت الحكومة اليمينية بقيادة حزب بهارتيا جاناتا " تعديلات" جديدة على قوانين العمل معادية للعمال وادخلت قوانين زراعية جديدة مناهضة للمزارعين التي قضت على التقدم الذي احرز في حقوق العمال والمزارعين عبر عقود من نضال مرير. أي استخدمت حكومة مودي ازمة كورونا كحجة للهجمة على مكتسبات وحقوق الطبقة العاملة والقوانين التي تحمي حقوقها.

 

اتى الاضراب؛ للاحتجاج  ضد هذه الهجمة الشرسة التي شنتها حكومة مودي على حقوق العمال والكادحين بحجة التصدي لوباء كوفيد_19 وهي جزء من حملة تقوم بها البرجوازية  في الكثير من انحاء العالم وخاصة في الدول التي تحكمها حكومات يمينية مثل الهند وامريكا والبرازيل لتحميل العمال والكادحين تبعات الازمة الرأسمالية. 

وتضمنت مطاليب الاضراب:

دفع مبلغ 7500 روبية ( 101 دولار امريكي) شهريا لجميع العوائل التي يبلغ دخلها اقل من حد ضريبة الدخل، أي التي تعيش تحت خط الفقر.

10 كلغم من الحبوب المجانية للشخص الواحد شهريا لجميع المحتاجين.

توسيع القانون الوطني لضمان العمالة الريفية لتوفير فرص عمل، من 100 يوم حالي الى 200 يوم عمل في المناطق الريفية بأجور محسنة، وتوسيع هذا البرنامج ليشمل المدن.

سحب جميع التغيرات على قانون العمل المعادية للعمال و" الإصلاحات" الزراعية التي يعتبرها المحتجون قوانين معادية للمزارعين.

وقف خصخصة شركات القطاع العام بما في ذلك القطاع المالي، وقف بيع المشاريع التصنيعية والخدمية التي تديرها الحكومة مثل السكك الحديدية وتصنيع الذخائر والموانئ الى الشركات الاحتكارية.

سحب تعميم التقاعد المبكر القسري لموظفي الحكومة والقطاع العام.

توفير معاش تقاعدي للجميع، وإلغاء الاستقطاعات الأخيرة على الرواتب التقاعدية .

لقد كان هذا الاضراب تاريخيا، لعدة اسباب، وهي ضخامته والدرجة العالية من التنسيق بين عدد هائل من المنظمات. وقد قدم الاضراب لائحة من المطاليب والتي هي ليست مطاليب العمال والفلاحين في عموم الهند فحسب، بل يمكن ان تكون مع بعض التعديلات مطاليب الجماهير العمالية والكادحة في كل البلدان التي ترزح تحت ظروف مأساوية نتيجة للازمة الاقتصادية والصحية العالمية التي تعصف بالشرية في ظل النظام الرأسمالي. وقد بين الاضراب مرة أخرى وبشكل واضح كيف ان الحياة لا يمكن ان تستمر بدون الطبقة العاملة. لقد بين أين تكمن قوة الطبقة العاملة.  كما لم تنطلي على قادة الاضراب كل سياسات حكومة (مودي) اليمينية لغض الأنظار عن الازمة الرسمالية واخفاق الطبقة الحاكمة في مواجهة هذه الازمة من خلال التصعيد على الحدود مع الصين، او اتخاذ شريحة في المجتمع ككبش فداء ( الجماهير من الأصول المسلمة) وهي نفس السياسات التي تتبناها الكثير من الحكومات اليمينة. رغم محاولات (مودي) وحزبه من توظيف النزعة القومية لإيهام الطبقة العاملة، الا ان قادة هذا الاضراب تمكنوا من التصدي لهذا المسعى بشكل فعال. ولم تنطلي عليهم محاولات الحكومة تحميل العمال والكادحين عواقب هذه الازمة بحجة الإصلاحات وجعل الاقتصاد اكثر حيوية وديناميكية. لقد صرح قادة ومنظمو هذه الحدث التاريخي بان الاضراب ليس سوى البداية وهو بمثابة حشد لمزيد من النضالات الحادة في البلاد. لقد وعدوا بمواصلة النضال حتى يتم عكس كل السياسات الرجعية للحكومة الهندية الحالية وتحسين وضع الطبقة العاملة والكادحين. 

مقالات