فارس محمود

حول المؤتمر الأول لحشد العتبات!

 

تحت شعار: "حشد العتبات: حاضنة الفتوى وبناة الدولة"، انعقد للفترة ما بين (1-3 كانون الاول) المؤتمر الأول لما يسمى بحشد العتبات الذي يضم (فرقة الامام علي القتالية، العتبة العلوية/ لواء علي الاكبر، العتبة الحسينية/ لواء العباس القتالية، العتبة العباسية/ لواء أنصار المرجعية) . وتمثل هذه الفرق والالوية ما يقارب 20 الف عنصر.  حضر المؤتمر طيف واسع من ممثلي المرجعية و"فضلاء الحوزة العلمية" وشخصيات حكومية وقيادات امنية. سادت أجواء من "الثقة والاعتداد بالنفس" و"الشعور بالحقانية" على قيادات وشخصيات هذا التيار والذي بينته تصريحاتهم وأحاديثهم.

"الحشد حشدنا"!

ان هذه الخطوة متوقعة وليست نابعة من فراغ. انها تأتي بكونها حلقة، وفي الحقيقة منعطف في مسار تباعدي داخل هيئة الحشد الشعبي بدء من اشهر طويلة. انه، وللدقة، مؤتمر القطيعة عن الجناح المهيمن في هيئة الحشد، التيار الولائي، الموالي لإيران. ان الشعار الذي انعقد في ظله المؤتمر هو "ان الحشد هو حشد المرجعية"،  بما معناه "ان الحشد هو حشدنا وليس حشدكم"، "نحن بناة الدولة ولستم انتم"!. انها رسالة قوية، شديدة اللهجة، وفي الحقيقة، رسالة الفرز النهائي للصفوف. قد تكون خطوة متأخرة بعض الشيء، الا انها خطوة دفعت اليها الاوضاع الجديدة، اوضاع تراجع  نفوذ ايران والحشد الشعبي على الصعيد الشعبي والاقليمي على السواء.

صراع مصالح وهيمنة!

وعلى النقيض مما يسعى التيار المهيمن في الحشد (الولائي) الى اشاعته، فان الاختلافات ليست "ادارية" او "فنية" او "يمكن معالجتها". ان الاختلافات هي اعمق تتعلق بالمكانة والحصة من الثروة بدرجة اساسية. اذ ان احد سمات التيار الولائي، وهو في الحقيقة تقليد نظام الجمهورية الاسلامية، هو السعي المحموم للسيطرة والهيمنة و"حذف" الاخرين بالعنف، الشراسة، "تصفية المنافسين"، "المؤامرات" و "الاستهتار" غير السياسي. ولهذا، يرى التيار المرجعي ان الحشد الولائي في مسعى حثيث لتهميشه من حيث القرار، المناصب العسكرية، الامكانات التسليحية للقطعات، المخصصات المالية والثروات والخ. ولهذا، ليس بغريب ان نرى كثرة اتهامات قادة ورجالات هذا التيار المنشق للطرف الاخر بـ"التورط في حطام الدنيا" والسعي الحثيث "وراء الاطماع" وغيرها!

 ونظراً لإدراكه لخطورة هذا المسار والوضعية الجديدة على وضعه ومكانته المقبلة، سعى التيار الولائي بأسنانه واظفاره الى وضع حد لهذا الشق، وتحدث عن امكانية اجراء تنازلات بهذا الصدد، والتنازلات تعني مناصب وثروات وامكانات للطرف الاخر، واجرى قادته من امثال العامري، من دون نتيجة، جولات مفاوضات مكوكية ودائبة للجم هذا المسار. لأنه يعلم جيدا ان اول نتيجة لهذا الشق هو سحب بساط المرجعية من تحت اقدامهم، سحب المرجعية لدعمها العقائدي والسياسي والشعبي لها، ويترتب على هذا اثار كبيرة فيما يخص صلة هذه التيارات بطيف واسع يرى السيستاني مرجعيته. وان لهذا الامر تبعات وعواقب وخيمة.  كما لا يقف عند انشقاق "حشد العتبات"، بل سيدفع بفصائل اخرى الى الانشقاق، واولهما هو الحشد العشائري (السني) الذي لا يتعدى حشد مشايخ من اجل السلطة والثروة والمال ايضا، وبالتالي، انفراط عقد هيئة الحشد تماماً. ولهذا ليس فراغ ان يتحدث الخزعلي عن "ان من يقف وراء هذا المخطط هو امريكا واسرائيل"!!

"حشد عراقي"!

من جهة اخرى، انه صراع مرجعيات، ولهذا ليس بغريب ان يصف الكثيرون التجمع على انه "مؤتمر النجف مقابل قم"،  ان الصراع هو صراع سعي كل من هذه المرجعيات لان تكون هي السائدة و"الممثلة للشيعة" سواء من الناحية السياسية، مع ما يرافق هذا الامر ثروات ومكاسب اقتصادية طائلة. ان مرجعية قم معروفة الاهداف، مرجعية سعي البرجوازية الايرانية (الفارسية الشوفينية)، اي انها مرجعية هدفها جر الاخرين (وفي اغلب الاحيان خلق الاخرين، التنظيمات، المليشيات و..) تحت عباءة "الشيعة" و"الطائفة" و"زينب" و... غيرها من دعايات من اجل اهدافها الاقليمية الخاصة والضيقة.

ولهذا، يعد امراً مفهوماً ان يبرز هذا الجناح، حشد المرجعية، ذا نزعة وطنية (قومية محلية) عراقية، واحد مرتكزاته هي عراقية الحشد. ان ابراز هذه النقطة في هذه المرحلة تتمتع بأهمية دعائية وسياسية جدية. اذ ان نزعة معاداة الجمهورية الاسلامية في ايران وميلشياتها الذيلية (الذيول) المنبوذة التي عاثت فساداً وقتل ونهب واعتداءات سافر بحق الناس وجرائمهم التي تزكم الانوف، واخرها ما قامت به العصائب وحزب الله و... بقتل ما يقارب 700 محتج وجرح عشرات الالاف من المتظاهرين هي نزعة قوية داخل المجتمع. ان هذه النزعة المعادية عن حق لإيران ولهذه القوى المنفلتة وعديمة الرحمة والانسانية عجينة في احيان ليست قليلة بنزعة قومية عروبية رجعية بالقدر ذاته.

توقيت المؤتمر!

اما فيما يخص توقيت هذه الخطوة، فالظرف مثالي الى ابعد الحدود. فجناح الحشد الولائي، وبالإضافة الى الاعمال الاجرامية التي قام بها ضد متظاهري تشرين، متهم بحملات ابادة وجرائم وحمامات دم طائفية وعرقية بحق ابرياء في المناطق الغربية في مرحلة وتحت اسم الحرب على داعش من جهة، بالإضافة الى الضربة السياسية والاجتماعية المعنوية التي تلقاها في انتفاضة تشرين على ايدي الجماهير التحررية في العراق والرافضة للوجود الايراني وميلشياتها التابعة، والتراجع المفروض عليه جراء اغتيال المهندس وسليماني، تخبطات ولي نعمة المليشيات، الجمهورية الاسلامية، جراء الحصار الاقتصادي واعمال الاغتيال لعلمائها النوويين، واجمالاً  تغير موازين القوى في الصراع الامريكي الايراني لصالح الاول، وبالتالي، تراجع نفوذ ايران في العراق كما اشرنا  والذي يمثل اقرار المليشيات الولائية الشيعية المتغطرسة بمجيء الكاظمي رئيساً للوزراء. ان خطوة حشد العتبات هو وضع لبنة اخرى في مسار فرض التراجع على تلك المليشيات المنفلتة.

مصالح مشتركة.

يفتقد حشد العتبات الي اطار قانوني، لان هيئة الحشد الشعبي من لها صلة قانونية بوصفها تحت امرة القائد العام للقوات المسلحة، ولا تتمتع حشد العتبات باطار قانوني، ولهذا تمارس الضغط من اجل حسم هذا الامر بسرعة، اي تريد ان تكون تحت امرة القائد العام الذي هو اليوم في اتفاق وذا مصلحة سياسية (واقتصادية) مشتركة مع المرجعية، وبالتالي شيئاً فشيئاً ازاحة الهيئة الولائية "غير المنضبطة" والتي لا تشتري اوامر القائد العام بنواة تمر مثلما يقولون، وانهاء هذه الصلة. اي في المطاف الاخير، حذف او تهميش هيئة الحشد الشعبي التي هي دولة داخل دولة او دولة عميقة. وهذا سر حديثهم اليوم عن "حشد العتبات هو الحشد"!

ومن المؤكد ان هذه العملية غير مفصولة عن مجمل صراعات العملية السياسية في العراق وارتباطها بالمحاور العالمية والاقليمية، اي مسار تهميش ايران في المنطقة، وتهميش اطرافها التابعة في العراق التي ذات يد طولى على امتداد العملية السياسية طيلة 17 عام.

 

يجب حل المليشيات:  ما حاجة المرجعية لمليشيات؟! لماذا يكون لها مليشيات خاصة  من الاساس؟! ينبغي حل مجمل انواع المليشيات وفي مقدمتها الحشد، سواء الولائي او العتباتي او غيرهما. لا يمكن الحديث عن مجتمع آمن ، اكثر رفاه وسعادة بوجودها في حياة المجتمع.

مقالات

فارس محمود

23/11/2015