احمد عبد الستار

الديمقراطية والقمع.

 

الملاحظ خلال الآونة الاخيرة، تصاعد حالات استهداف قادة التظاهرات ورموزها والاعلاميين في العراق، بالاغتيالات المباشرة او العبوات أمام منازلهم او بالرمانات، واختطافهم وتهديدهم، الى حد ينذر بخطر حقيقي، على حياة الكثيرين منهم وحياة كل معارض للنظام الحاكم.

اصابع الاتهام تتوجه تلقائيا، الى ما يُطلق عليه (الطرف الثالث) او ( السلاح المنفلت) او (مليشيات خارجة عن القانون)، وجميع هذه المسميات تشترك، لمسمى واحد، الى الاذرع العسكرية، لأحزاب سياسية، مشتركة في الحكم، تقوم بمهام سلطة غير مرئية، لتصفية المعارضين للنظام، بعد إن عجز النظام عن احتواء، وقمع الانتفاضة، وأناب اليهم المهمة.

هذا التصعيد، في عمليات القمع الدموي الممنهج، الذي تقوم به المليشيات، يتزامن مع الاستعدادات، لخوض الانتخابات، المزمع إجرائها في شهر حزيران في السنة القادمة؛ لكسرة شوكة المتظاهرين، وبث الرعب والخوف بين قادتهم، وفرض التراجع بالقوة عليهم، ولتمهيد الطريق أمام الحملات الانتخابية، ودعاياتها، والترويج لها... بعد إن خسرت جميع الاحزاب الحاكمة والمشتركة في الحكم، أي وجود يذكر لها في مدن العراق المنتفضة، وتم حرق مقارها وتدميرها كليا، مع إعلان المتظاهرين بعدم السماح لأي جهة سياسية كانت، القيام بمظاهر انتخابية وخصوصا في مدينة الناصرية، المكان الذي شكل مصدر قلق دائم للسلطة العلنية او ظلها.

السلطة الحاكمة، تغض الطرف عما تقوم به المليشيات، من عمليات تصفية جسدية، وغارات ترويع على ساحات وميادين الاعتصام والتظاهر، بهدف إنهاء الانتفاضة، وإعادة زمام السلطة والحفاظ على بقائها. وطريقة العمل هذه المنسقة بين السلطة الحكومية والمليشيات، هي جزء ضروري بل واجب الوجود، والاعتماد عليه، كجزء مكمل لاستقرار وبقاء النظام، وكلاً يعمل حسب طريقته.

بسبب ادعاء النظام بالديمقراطية، والعمل السياسي النيابي، لا يمكن القيام بأعمال تخالف المنهج الديمقراطي في التعامل مع المعارضة بأساليب قمعية، وقتل وترويع. بل ترك المهمة لسطلة أخرى، تعوض عنها الممنوع العمل به ظاهريا.

اسلوب العمل السياسي هذا، تكامل من جهة، ومن جهة أخرى كذب وتزييف.

هذا المثل العراقي في مواجهة المعارضة، يشبه الى حد بعيد، علاقة النظام السياسي في الولايات المتحدة الامريكية، بعصابات المافيا، عندما اتفق الطرفان على تصفية القادة النقابيين واليساريين، والاعلاميين والفنانين الشيوعيين.

ومن الحقائق التاريخية، التي باتت تشكل علامة فارقة في تاريخ امريكا المعاصر، وادعائها كونها كما يزعم اعلامها (زعيمة العالم الحر) و( قلعة الديمقراطية وحقوق الانسان)، تعاونها مع عصابات الجريمة المنظمة، واتفاقها السري مع المافيا، لقمع وتصفية قادة النقابات والسيطرة عليها. بإعقاب الحرب الثانية بعد بروز حركات التحرر الوطني، المناهضة  للاستعمار والهيمنة الامبريالية، وتصاعد المد اليساري والعمالي داخل المجتمعات الرأسمالية الكبرى وفي مقدمتها امريكا.

كان الاتفاق يقضي بين الحكومة الامريكية بقيادة ايزنهاور رئيس الجمهورية نفسه مع اشهر سفاح ايطالي مسجون في امريكا، بإطلاق سراحه ويد المافيا في الاعمال غير الشرعية مثل المخدرات وتجارة الجنس والقمار ...الخ، مقابل دخولهم الى النقابات العمالية والترشح في انتخاباتها. فهم رجال المافيا المغزى من هذا الطلب؛ وعلى اثر هذا الاتفاق، قامت اكبر عملية تزوير في التاريخ النقابي في العالم، حول نتائج الانتخابات وتولي زعماء المافيا قيادة النقابات العمالية، والشروع على الفور بأوسع عمليات تصفية للقادة والنشطاء العماليين؛ من اجل ضمان قيادة  النقابات وتوجيهها غير وجهتها وهدفها، وبث الفوضى والرعب بين اعضائها ومنتسبيها. لأن طريقة عمل المافيا قائم على التهام الخصم بالطرق الوحشية، غير الديمقراطية والانتخاب الحر. وهي الطريقة التي أرادتها الحكومة الامريكية للتخلص من التنظيم العمالي، وما يشكله من خطر حقيقي على النظام الرأسمالي الحاكم. بالوكالة، يقوم بهذه المهمة تنظيم في الظل، وتحت السيطرة والتوجيه. وبعد عقود من هذا القمع والتصفيات الوحشية، من المافيا ضد النقابات، بالتعاون مع النظام الامريكي بالصمت عن الجرائم المروعة والتحالف الضمني، اطلقت بعض الصحف الامريكية على هذه الاعمال اصطلاح  "نقابة الجريمة الوطنية"، على امريكا وما يحصل داخل نظامها السياسي.

التعاون هذا وطريقة التخلص من الخصوم السياسيين والنقابيين، عبر القتل المنظم، السري والمكتنف بالبشاعة و الغموض. يكشف وجه امريكا الحقيقي رغم الادعاء والافتخار بنموذجها الديمقراطي امام العالم؛ سعيا منها للحد من التوسع وازدهار العمل النقابي واليساري داخل امريكا، والتنظيم الطبقي مقابل الطبقة الرأسمالية الحاكمة، والتخلص نهائيا من منافس ومزاحم على السلطة، وخلو الساحة لطبقة واحدة متسيدة ومتحكمة بمصير المجتمع الامريكي، والعالم.

الديمقراطية وفق هذا المنهج، وهذا التصور السياسي، تعتبر بحكم وقائعها سلطة طبقة واحدة تتداول بين اطراف نفس الطبقة، لمصلحتها ولخدمة بقائها. ضاربين عرض الحائط وبأي وسيلة وأشدها نذالة؛ حقوق الطبقات الاخرى، بالتنظيم والتمثيل سواء أكان السياسي أم النقابي. وبهذا لم تعد الديمقراطية ممارسة حقيقية، بل زيف ومخالفة للادعاء والتفاخر.

وتصوير الارهاب بأنه الخطر الداهم الذي يهدد، الحضارة الغربية، هناك خطر لا يقل عنه عنفا ووحشية، ولكنه خلف الديكور الرسمي، ملازم للنظام الرأسمالي الغربي، ومسكوت عنه يعاني منه العمال ونقاباتهم وقادتهم، كما عانت المجتمعات الغربية من هجمات الارهاب الدموية، إنها المافيا وعصابات الجريمة المنظمة. كما تعاونت الحكومات الغربية وامريكا خصوصا مع المافيا بقمع النقابيين، يسهل القول ايضا بوجود طريقة ما أو علاقة ما، ولابد. بينها وبين الارهاب؛ لإرهاب مجتمعاتها وجعله فزاعة، لكي يحتل مكانة العدو الاول، ويتراجع دور العدو الطبقي الحقيقي للمجتمعات الغربية العاملة، التي تنوء تحت ثقل الاوضاع الاقتصادية المزرية، والازمات الدورية التي تعصف بحياتها، وتتجرع التقشف وتقليص الاجور والرواتب والتسريح من العمل وفرض الضرائب، دون اعتراض، لأن من الواجب على الجميع، توحيد الكلمة مع السلطة الحاكمة لمحاربة الارهاب. وهذه ايضا طريقة للقمع، موجهة ليس لطبقة محددة بذاتها بل لسائر المجتمع وطبقاته المحرومة.

في العراق، شهدت الساحة العراقية، عنفاً قل نظيره على مدى عقود من تأسيس دولته الحديثة قبل قرن. الانتفاضة التي اشعلها العاطلون عن العمل، والخريجون المعطلين، وانظم اليهم ملايين الفقراء والمهمشين، مطالبين بالعمل والخبز، والخدمات، ووضع حد للفساد المستشري...، قابلتهم القوات الامنية، بقوة فتاكة من الرصاص الحي والقناصة والدخانيات، وقطع شبكة الانترنت... ، سقط على أثرها مئات الضحايا وعشرات الالاف من جرحى، منهم آلاف اخرى بإعاقة دائمية؛ كل الوان القمع هذه، لم تفت من عضد المتظاهرين او تجبرهم على التراجع، بل زادهم تصميم وبأس على المواجهة وتحدي الصعاب، بجولات بطولية وبصدور عارية امام الرصاص، قدمت امثلة من البسالة والجرأة صدمت الحكومة، وقلبت موازين الصراع، واجبرتها هي على التراجع، وإعادة حساباتها، من جديد، امام الزخم الثوري لشباب الانتفاضة.

تدخلت المليشيات الاجرامية التابعة للأحزاب والتيارات السياسية، لإنقاذ النظام من ضربات الانتفاضة، بالتنسيق مع الحكومات المتزامن وجودها مع فترة الانتفاضة، كما نسقت الحكومة الامريكية عملها مع المافيا لسحق النقابيين واليساريين، بطريقة اجرامية منظمة استهدفت قادة التظاهرات وثوارها، بالاغتيالات والطعن بالسكاكين والخطف والتهديد والابتزاز، وهجمات منسقة ايضا مع القوات الامنية على الساحات وميادين الاعتصام، بإطلاق الرصاص على المتواجدين فيها وحرق الخيم. قرارهم كان إنهاء الانتفاضة عبر القتل والإرهاب، الذي انكشف وصار العمل بمقتضاه علنياً، وآخر شاهد، ما حصل في ساحة الحبوبي في الناصرية من هجوم مسلحي التيار الصدر، على المتظاهرين وقتل سبعة منهم وجرح ثمانين آخرين وحرق خيمهم.

تطور الاحداث، وتصاعد نغمة القمع بأشكاله الدموية، الذي قامت به السلطة وتقوم به ( منذ ايام تداهم القوات الامنية التابعة للحكومة منازل المتظاهرين واعتقالهم)، أو من الجماعات المسلحة الذي برز في الآونة الاخيرة، تعاونها العلني مع السلطة ليؤلف الوجه الاخر للسلطة، ككتلة متجانسة واحدة. تدافع بكل ما تملك ومن وسائل للتمسك بالسلطة، وتدخل في صراع مكشوف ضد المجتمع العراقي، بأسره وضد سائر طبقات وشرائح المجتمع المسحوقة والتي لا تعرف الرفاه. لقمعها وتهيأت الفرصة أمامها للانتخابات القادمة، التي لا تعني، وبعبارة بسيطة، إلا لإعادة تدوير نفس أوجه النظام السياسي القائم نفسه، بقوالب جديدة وربما لا.   

مقالات