سمير عادل

لمواجهة عصابات الاسلام السياسي. دروس يجب التعلم منها.

 

من الواضح ان حكومة الكاظمي لها تصورها الخاص عن السلاح المنفلت وجماعات خارج القانون التي تدور خارج فلكها.  ان الكاظمي نفسه يلعب بدراية واعية على تسمية الاشياء بشكل مظلل. الا انه فشل حتى في هذه اللعبة التي مارسها كما فشل في تقديم قتلة المتظاهرين للمحاكمة. وصرح بذلك رئيس مكتبه المستقيل احمد ملا طلال في لقاء مع (بي بي سي) بان الحكومة تعرف القتلة ولكن لا تريد شن الحرب عليهم بل تبغي محاكمتهم  قانونيا وقضائيا، وهو بهذه التصريحات نقول  انه حقا عاد بخفي حنين!

 الكاظمي يعرف ان سلاح الصدر ليس منفلتا لأنه يبغي أطفاء الجمرة تحت الانتفاضة التي صعد على اكتافها. ولذلك كما نوهنا سابقا من ينتظر الكاظمي ان يحل المليشيات ويجلب الامن والامان فقد قرر الانتحار غرقاً في مستنقع الاوهام التي ينثرها الكاظمي هنا وهناك. اي ان مشكلة الكاظمي اذن هي مع السلاح الذي يعكر صفو السفارة الامريكية والنفوذ الامريكي في العراق، ولذلك كان يرعد ويشجب كلما أُطلق صاروخ على المنطقة الخضراء، في حين ان دماء الشباب التي تستبيحها عصابات الصدر فهو بمنأى عنها، لان سلاح الصدر وميليشياته هو سلاح يحمي الكاظمي وحكومته التي تخطط لفرض نظام دكتاتوري وسافر يرسخ الفقر والفاقة لإدامة سلطة الفاسدين عبر تنفيذ مشاريعه السيئة الصيت كالورقة البيضاء وقانون الجرائم المعلوماتية واخيرا موازنة عام 2021 التي سربت مسودتها وهي معادية بشكل سافر لمصالح العمال والموظفين واغلبية الشرائح الاجتماعية الكادحة. وهذا ما يجب ان يدركه كل مواطن في العراق قبل فوات الاوان.

وقد يحاججنا البعض ان الكاظمي قام بعملية القاء القبض على علي الياسري وحامد الجزائري وهم قيادي مليشيا سرايا الخراساني المتورطة مع بقية المليشيات الايرانية في قتل المتظاهرين. ونحن نرد نعم هذا صحيح لأنه يريد اعادة الكرة من جديد عن طريق العزف على وتر النزعة المعادية لنفوذ الجمهورية الاسلامية التي اوصلته الى رئاسة الوزراء لذر الرماد في العيون، لكن هذا العزف لا يمَكّنَ حكومة الكاظمي من خداع الجماهير بينما سرايا السلام والقبعات الزرقاء المتورطة بالاعتداء وقتل المتظاهرين والاغتيالات تصول وتجول بعيدة عن اية رقابة ومحاسبة قانونية وقضائية وامنية.

ان قوة الاسلام السياسي ارتكزت عشية انتفاضة اكتوبر على عاملين اولهما الاعتبار الاجتماعي للإسلام الطائفي كعقيدة استمدتها من السلطة التي تسيطر عليها بفضل الماكنة العسكرية المهولة للاحتلال  وثانيهما ارهاب ميلشياته. وطوال اكثر من عقد ونصف استمد الاسلام السياسي جبروته وسطوته من هذين العاملين، حتى هبت رياح انتفاضة اكتوبر لتفرض التراجع على النفوذ الاجتماعي للإسلام السياسي الشيعي ومرغ انفه بالوحل عندما اطاحت بحكومة عبد المهدي، اضافة الى الجسارة غير العادية في مواجهة سلاح المليشيات وقناصتها بصدور عارية من قبل الشباب. لقد فقد الاسلام السياسي الكثير من قوته السياسية والاجتماعية ليحاول مرات ومرات من تغيير راياته التي ترنحت بين مقاومة امريكا كما يسميها بمحور المقاومة وبين الوطنية او القومية المحلية، والتي لم تسعفها ولم تحقق لها اية مكاسب او على الاقل الحفاظ على موقعه او وقف انحداره السياسي والاجتماعي. وقد كشف السر مقتدى الصدر الذي لم تنقذ مواقفه الانتهازية المعروفة ومشاركته بالانتفاضة سفينة الاسلام السياسي التي تتقاذفها الامواج العاتية من الانتفاضة. لذلك يحاول الصدر اليوم تكملة ما فشلت بها الجماعات والمليشيات الاسلامية الاخرى وهي ادامة عمليات الاغتيالات والاختطاف واطلاق التهديدات والوعيد لإعادة الاعتبار الاجتماعي والسياسي للإسلام السياسي مع تتويج تياره للزعامة دون منافس، ولكن مع فارق واحد هو ضمان صمت الكاظمي وحكومته على الجرائم التي يقترفها لأسباب كما ذكرناها تصب في استراتيجية انقاذ  السلطة البرجوازية عموما بقوميها واسلاميها من الجمرة التي لم تنطفِ تحت رماد الانتفاضة.

*****

ان معظم الثورات والانتفاضات هزمت بالقمع الدموي، الا عدد قليل منها مثل انتفاضة اكتوبر هزمت نتيجة اوهامها انظر مقال (هزيمة الانتفاضة ام هزيمة اوهامها)، اضافة الى اللهاث خلف اساليب نضالية لم تؤمن لها الانتصار الظافر، حددتها سلفا التيارات البرجوازية الساخطة على اخوتها الاعداء في السلطة السياسية وغير راضية على قسمتها. ان تلك الاساليب النضالية هي التجمع في الساحات وعدم مغادرة اطاراتها والاعتماد على البطولة الفردية، مما مكنت السلطة المليشياتية البرجوازية  المتمثلة بقوى الاسلام السياسي ان تلعب على اوتارها من جهة ومن جهة اخرى تكبدها خسائر بشرية كبيرة كان لها ان تتجاوزها او تتجنبها. وكما قلنا ايضا اكثر من مرة ان العمود الفقري لانتفاضة اكتوبر هم الملايين من العاطلين عن العمل، اناث وذكور، وانخرط في صفوفهم الاف من النساء وثم الطلبة وعمال العقود والاجور. وان افتقار هذا المد العظيم الى التجربة النضالية اوقعت  هذه الجموع الغفيرة اسيرة لأساليب نضالية لتلك التيارات بما فيها البرجوازية الصغيرة (كتبنا عن هذه المسألة بشكل مفصل في مجلة -المد العدد 6- ونظمنا ندوات وطاولات مستديرة مع العشرات من فعالي ونشطاء الاحتجاجات عشية انتفاضة اكتوبر وتناولنا تجربة انتفاضة شباط 2011، واحتجاجات تموز 2015 وتموز 2018). لقد كان وما زال الشكل النضالي المناسب لهذه الجموع الغفيرة ليس بالتجمهر في الساحات التي اثبتت عدم نجاعتها، انما عبر تنظيم هذه الملايين في شبكات اجتماعية عبر المحلات والمناطق، وتتخذ اشكال نضالية مختلفة مثل الاعتصامات والتظاهرات والعصيان المدني، وتبادر في ادارتها بدلا من مجالس البلديات التي لم تحرك ساكنا في تلك المناطق من تحمل مسؤوليتها بتقديم الخدمات، وتشكيل مراكز متعددة من المتطوعين لحماية الاهالي وتجريد المليشيات من اسلحتها. ان مكان نضال العمال والموظفين والمعلمين، والنساء التي كان لها ان تضاعف بعشرات المرات من مشاركتها في الانتفاضة مقارنة بساحات التظاهر هو في اماكن العمل والسكن والمعيشة .

ستواصل المليشيات الاسلامية وخاصة بعد انتهاء انتفاضة اكتوبر من هجماتها المجرمة على الفعالين والنشطاء، ولا يجب انتظار الكاظمي وحكومته المتواطئة مع مليشيات الصدر ان تجلب الامن والامان، ولا الاعتماد على البطولات الفردية والتجمع في الساحات.

ان تحركات الكاظمي يمينا ويسار شرقا وغربا في العالم يحاول من خلالها كسب الشرعية الدولية لحكومته وتعويمه سياسيا خلال الفترة القادمة، وعليه  ان المسالة الاولى التي يجب علينا الشروع بها لمواجهة هذه الجماعات المجرمة هي شن حملة سياسية دعائية ضد حكومة الكاظمي لتواطؤها مع المليشيات على الصعيد العالمي وفضحها وفضح سياساتها المعادية للحفاظ على الحد الادنى من حياة البشر. اما المسألة الثانية فهي ان يقوم الناشطون بمفاتحة اهاليهم وذويهم واصدقائهم في محلات معيشتهم بتحذير مقرات الاحزاب الاسلامية المليشياتية مثل التيار الصدري والعصائب وبدر  بأن الحاق اي اذى او ضرر بأبنائهم فعليهم تحمل المسؤولية. والمسألة الثالثة والمهمة هي تشكيل اللجان او اي شكل تنظيمي مناسب يختاره الاهالي في تلك المناطق لحماية الناشطين والفعالين من الاستهداف. فالمواجهة الاجتماعية مع هذه الجماعات وجر المجتمع برمته هو الطريق لوضع حد لاستهتار وتطاول هذه الجماعات على حياة البشر. ان البطولة الفردية التي هي نزعة سائدة وخاصة في صفوف الشباب لم تكن في اي يوم من الايام طريق نحو احلال الامن والسلام في المجتمع ولم يكن طريق نحو تحقيق الحرية. فتغير المجتمع نحو الحرية والمساواة عبر التاريخ الانساني ابدا ما كان إلا مسعاً جماعيا.

وكي يكون النظر الى اللوحة بصورة متكاملة، فعلينا الإدراك الى جانب جرائم المليشيات وتهديداتها لإرعاب المجتمع ومساعيها لبسط سيطرتها من جديد، علينا النظر ايضا للمكانة الاجتماعية لهذه الجماعات التي انحدرت على يد ضربات اكتوبر، والذي يعني المواصلة بدحرجتها كي تصل الى الدرك السفلي. لقد بينت هذه الجماعات كم هي جبانة ومرعوبة من الجماهير عندما هربت من البصرة في ايلول 2018 ومن الناصرية مرتين خلال انتفاضة اكتوبر 2019. اي بعبارة اخرى انها لا تتمكن من مواجهة الجماهير اذا وقفت منتصبة القامة كما حدث في اكتوبر. واخيرا نقول ان الحزب الشيوعي العمالي العراقي كما كان وسيكون في خندق الجماهير وسيذخر كل طاقاته السياسية والتنظيمية والاعلامية والدعائية بالدفاع عن حياة البشر والحد من تطاول هذه العصابات المأجورة، عصابات الاسلام السياسي.

 

مقالات

سمير عادل

05/03/2018