فارس محمود

ينبغي ان يرد التهديد إلى نحر اصحابه! (رد على تغريدة مقتدى الصدر بخصوص الحزب الشيوعي)

 

ثمة سؤال كان يراودني على طول الخط من الايام الاولى لتأسيس "تحالف سائرون ألا وهو": اذا قرر احد اطراف هذا التحالف، الحزب الشيوعي العراقي، ان ينسحب لأي سبب كان، عجبا ماذا سيكون عليه رد فعل الطرف المقابل، التيار الصدري؟! هل سيتعامل التيار الصدري بروح "رياضية" مع الموضوع، هل سينظر ويتعامل مع الامر ببساطة كالتالي: انها شراكة طوعية، قامت بها احزاب وتيارات سياسية بكامل ارادتها ووعيها تحكم علاقتها قيم المساواة، ولهذا من حقها ان تقرر غير ذلك، الانسحاب منها؟! ام يراه "خذلان"، "مساً بنرجسيته اللامحدودة"، "نكران جميل"، "تعامل عاق" وغيرها من قيم استعلائية وفوقية ليس لها صلة بمجتمع مدني وعصري؟!! 

 وكان القلق الذي يساورني دوماً ان احد "مشكلات" هذا التحالف، وربما العويصة، هي كيف تستطيع ان تفض يديك منه دون "تبعات" غير عادية! اذ ليس الطرف المقابل بطرف يتمتع بأدنى درجات البصيرة السياسية، المدنية، ولا لحقوق الانسان والحريات السياسية ادنى مكانة في منظومته الفكرية او السياسية والعملية.

 انه تيار استهل مابعد سقوط البعث بعملية اجرامية بشعة للسيطرة على الحوزة، تيار "جيش المهدي" الذي من رحمه انجب معظم القوى المليشياتية الولائية وغير الولائية، المنفلتة و"غير المنفلتة"، ومنها قوات الخراساني وعصائب اهل الحق وغيرها سيئة الصيت، ورجالات من امثال الخزعلي والجزائري وغيرهم من مجرمين وتجار حروب، عرفوا اللعبة جيدا من البدء، او في الحقيقة كانت غرائزهم  الطامحة للثروة والسلطة توعز لهم انهم طالما في ظل عباية "السيد"، لن يحققوا مطامحهم الشخصية الضيقة والجشعة والانانية. انه تيار قوات السلام المخضبة بدماء الابرياء، تيار فرض المحكمة الشرعية التي راح ضحيتها المئات من الابرياء، تيار "القبعات الزرق" والهراوات والسكاكين و"جر الاذن"،  تيار النهب والسلب والديماغوجية الشعبوية، تيار و"سيد" ذا ثقافة "شعبوثية" لاينظران للبشر سوى كونهم عبيد، "جهلة"، اغبياء يجب ان يقادوا بالعصا.

وما ان تناهى لسمع "السيد" هذه الايام احاديث مسؤولي حشع حول تحالف سائرون بانه قد "اصبح من الماضي" و"انتهى من اشهر" و"ليس بباق"، حتى كشر "السيد" عن انيابه الدموية، بات يتحدث بلغته الاصلية، اللغة التي لم يعرف غيرها قط، حتى غرد "نحن اول من اسس للتعاون المدني الاسلامي من خلال التعاون السياسي والانتخابي مع المدنيين والشيوعيين، وما اسرع خيانتهم لنا واعلان العداء لنا والى يومنا هذا"!!

عشرات التحالفات تعقد وتنحل يوميا في عالم السياسة في العراق والعالم، فلماذا يتحول انسحاب طرف ما "خيانة" و"اعلان العداء"؟!! في الوقت الذي لم يبدِ الطرف المقابل ما يمكن الاستنتاج منه هذه "الخيانة" و"العدائية"، على العكس انسحب وهو يشيد بمناقب التيار الصدري الوطنية!!. انهما، "الخيانة" و"العداء" موجودان فقط في منطق وعقل "السيد" وتياره المعادي للحقوق والحريات. ان رد "الخيانة" و"اعلان العداء" لا يعني، بداهة وفق هذه العقلية غير السياسية والاستبدادية، سوى حملة وهجمة سياسية مسلحة، تضييقات، اعمال خطف، اعتقالات في سجون سرية،  اغتيالات و... غيرها في اغلب الاحيان.

ان هذا التهديد للحزب الشيوعي ونشاطه وكوادره مدان جملة وتفصيلاً. ينبغي اخذ هذا التهديد على محمل الجد. ويجب دحر هذا التيار المعادي لأبسط الحقوق والحريات وفرض التراجع عليه. ان هذه الهجمة السياسية اليوم، والقمعية غدا، هي ليست هجمة على الحزب الشيوعي ومقراته وناشطيه، بل هجمة على حرية النشاط السياسي دون قيد او شرط اساساً.

ان التلويح بالقمع اليوم هو رسالة للحشع رغم كونها غير مرتبطة  بخطوة الحزب الاخيرة. انه، وقبل اي شيء اخر، مرتبط بأمر اشمل واوسع: الاوضاع السياسية الراهنة وموضوعة احتداد الصراع على السلطة وحسمها، والبرنامج السياسي والعملي للتيار الصدري لدفع الامور صوب تحقيق اكبر مكانة سياسية فيما يخص السلطة، وبالأخص انه يرى ان الظرف مؤاتي لهذه التطلع اليوم اكثر من اي وقت مضى. اذ انه يرى بأم عينه ان غريمه في الحشد الشعبي  والجناح الولائي، ومن خلفهما ولي نعمتهما، نظام الجمهورية الاسلامية، في ازمة وانزواء قل نظيره. انه يرى ان الساحة مهيأة له اكثر من اي وقت اخر: لا المالكي، لا الولائيين ولا الكاظمي والعبادي او الحكيم (الثلاثة الاخيرون لا يحسب حسابهما من الاساس)  وغيرهم.... في وضع يحسدوا عليه او لهم حظوظ عجيبة او غريبة.

من جهة اخرى، ان سبب تهديد الصدر الصريح للحزب الشيوعي تحت عنوان "الخيانة" تتخطى كثيرا المنظومة المعادية للإسلام السياسي الذي يمثل الصدر احد أركانه، ان المسالة تعني رفع الغطاء و"الشرعية" عن الصدر وجرائمه ونهاية إلتحافه بثوب المدنية والديمقراطية والليبرالية. وبدعواته الطائفية الاخيرة بـ"توحيد الشيعة" لصيانة "المقدسات" و"الثوابت" من تطاول المنتفضين ذوي السمة المدنية والعلمانية والمناهضة لتيارات الاسلام السياسي، وبالأخص الشيعية منها، حرق حتى ورقته الوطنية القومية التي تلفح بها باسم "العراق" و"العراقية" و"العلم العراقي" وغيرها من ترهات،  وعرى نفسه اكثر من اي وقت مضى بوصفه جزء مفضوح من الاسلام السياسي الطائفي، والشيعي تحديداً. اذ سعى، وجزء منه عبر تأسيس تحالف سائرون، الى طمس ماضي هذا التيار الإجرامي وتسويق صورة كاذبة وخادعة بانه وتياره تغيّر، والتنصل عن جرائمه في مرحلة مابعد تفجير "مرقدي سامراء" وماتبعها من جرائم "القتل على الهوية" التي لعب دوراً اساسياً فيها.

ومن الجدير بالذكر، لفت انتباهي مقالات وتعليقات كثيرة على وسائل التواصل الاجتماعي والسايتات تتحدث عن "هذه ما جنته ايادي قيادة الحزب!!"، و" الم نقل ذلك؟!" وغيرها من حملات تشهير بحق قيادة الحزب الشيوعي. ليس هذا وقته برايي. كان هناك وقت طويل لقول هذا. ولكن، تجاه هذه الوضعية المحددة، ليس اليوم وقت توجيه النقد لاحد جراء ممارسة سياسية خاطئة. يجب توجيه رماح اي حملة سياسية بوجه مغتصبي الحريات السياسية، بوجه من يلوحوا بالشر، بوجه من ليس على استعداد بقبول حق الاخرين غير المشروط بالاتفاق والتحالف أو بإلغائهما.

ان هذا التهديد، والهجمة على محتجي ساحة الحبوبي وبلطجية "القبعات الزرق" في التحرير واعمال الخطف والاغتيالات و"الاستهتار الدموي المنفلت" بحق كل "من يقول لهم على عينكم حاجب" كلها تأتي ضمن رزمة واحدة، السعي المتغطرس لفرض النفس بوصفه الشرطي الذي على الاخرين ان يكونوا صاغرين امامه. يجب دحر هذه القوة الفاشية بكل ما للكلمة من معنى. لا يمكن الاتيان بمجتمع افضل، مجتمع يرفل بالحرية والمساواة وهذه القوى تنشب اظفارها ومخالبها في جسد المجتمع.     

مقالات

فارس محمود

23/11/2015