احمد عبد الستار

هل انتهت حقا انتفاضة اكتوبر؟؟

 

زيارات قاسم الاعرجي، مستشار الامن الوطني في حكومة الكاظمي، المتكررة للناصرية في الفترة الاخيرة، تأتي في اطار المساعي التي تبذلها الحكومة، لإقناع المتظاهرين على فتح ساحة الحبوبي، وافراغها من مظاهر الاحتجاجات التي انتشرت وسطها، على مدى عام انتفاضة اكتوبر.

الاحتفال الاستعراضي الذي قام به المحافظ ناظم الوائلي، في افتتاح الساحة امام مرور العجلات بعد رفع الانقاض، على طريقة افتتاح المشاريع الضخمة مثل السدود والمطارات...، وبعد يوم وصل الاعرجي على رأس وفد حكومي، ليحتفل هو الآخر بهذا الانجاز، بطريقة شعبية، تناول خلال جولته وسط الساحة كاسة (لبلبي)، من عربة بائع مزة شهير مع وفده بمرح وسذاجة.

ساحة الحبوبي، ولقبلَ ايام من الاحتفالية هذه، تعد آخر معقل من معاقل انتفاضة اكتوبر، ورمز يعتبره كل المتظاهرين على مستوى العراق، لعنفوان الانتفاضة؛ وصمود شبابها بوجهة الفساد والقمع. برفع انقاض خيمها، وفتح ممراتها امام العجلات والمارة، هل ظن المحتفلون أو ساورتهم مشاعر الغبطة، بنهاية أو اسدال الستار على انتفاضة اكتوبر؟؟.

هل حققتْ اهدافها، ولُلبيتْ مطالبها؟ حتى يمكن القول إن الانتفاضة انتهت. أم إنها جولة أو استراحة على الأقل، بين جولات من نزال متواصل بين طرفين متنازعين، لابد من إن أحدهما أن يخلي المكان للآخر ويودع المضمار. الجواب ممكن أن يكون في غاية البساطة والبديهية؛ بما إن اسباب اندلاع الانتفاضة باقية، يبقى الأمر كما يقال في الفقه الذي تستند اليه الجماعات الاسلامية الحاكمة (وجود الأثر يدل على وجود المؤثر... البعرة تدل على البعير)، وواقع فهمه جيدا المتظاهرون منذ عقدين تقريبا، بوجود الفساد وانعدام الخدمات والبطالة والقمع...، يوجد ولابد من اعتراض على هذا الواقع المرفوض منهم والذي خرجوا، وضحوا بأرواحهم من اجل تغييره بما ينسجم مع تطلعاتهم ورسم مستقبلهم. وتصحيح مسار المجتمع برمته.

الغبطة والانشراح التي ارتسمت على مظاهر القادة هؤلاء، يمكن أن إرجاعها، الى التوسعة التي حصلت بعد فتح ساحة الحبوبي، لالتقاط الانفاس بعد الشراسة والعنف، الذي تميزت به هذه الجولة، عن سائر جولات الاحتجاجات السابقة ضد النظام وطريقة حكمه الجائرة.

والعنف والشراسة، يمكن أيضا عدّها درجة من درجات التصعيد والتصاعد، في طريقة الاحتجاجات الجماهيرية إزاء النظام غير الحافل بتحقيق أي مطلب، خرجت الجماهير منذ 17 عام من أجل تلبيته وتحقيقه. التظاهرات المطلبية التي خرجت بين اعوام 2004 و2005 و2006، غير التظاهرات التي في الاعوام التي تلتها.

فمنذ عام 1010 صعودا، هذه التظاهرات والاحتجاجات قد اكتسبت طابعا جماهيريا واسعا، مثل تظاهرات 2011 وبعد كل عام تقريبا نرى التظاهرات تتخذ مسارا تصاعديا، يجمع اطياف اجتماعية متنوعة تشترك بكونها طبقة اجتماعية مسحوقة. تخرج في كل مرة للمطالبة بالحقوق المشروعة مثلما خرجت تظاهرات عام 2015 وبعدها التظاهرات الكبيرة عام 1017، وتراجعت على اثر تسويف السلطات ووعودها الكاذبة لتلبية مطالبها. حتى تفجرت انتفاضة اكتوبر عام 2019، وما تميزت به من شدة في المواجهة.

انتفاضة اكتوبر، اختلف تكتيكها، واسلوب الحراك الثوري، اختلافا جذريا، تجاه النظام الحاكم، عما سبقها من حراك وتظاهرات جماهيرية هذه المرة. لجأ المتظاهرون الناقمون الى قطع الشوارع والجسور، بالإطارات المشتعلة، وبناء المخيمات في الساحات العامة، واغلاق دوائر ومؤسسات الدولة بما فيها مباني المحافظات ومجالسها، وحرق وتدمير مقرات الاحزاب والحشد الشعبي، والاعلان للتوجه الى المنطقة الخضراء؛ على اثر هذا العصف غابت السلطة في بعض المحافظات وبغداد. وقدمت تنازلات، ووعود بأخرى، ودعوات من المراجع للتهدئة، كل ذلك لم يتلفت لها المتظاهرون، بل زادتهم اصرارا وتحشيد. وأسقطت حكومة عبد المهدي.      

مع كل جولة من جولات التظاهرات خلال السنوات الماضية، تتفاعل الخبرة وتطرح بدائل جديدة، لإيقاظ النظام من سباته العميق، وطرده من عرشه. لكن العامل الأهم في حسم الصراع الاجتماعي، وقلب موازينه كان غائبا حتى في هذه المرة. لا يمكن الحديث عن انتصار وتحقيق اهداف دون تنظيم ورص الصفوف، في مواجهة العدو. فضلا عن غياب القيادة والتوجيه، وتحديد ورسم اهداف واضحة الملامح، لهذا الحراك العظيم ومجمل الاسباب السالفة عجلت، بخفوت ألق الانتفاضة وتراجعها الى نهاية مطافها الاخير.

إن انتفاضة اكتوبر، وما حققته من انجازات وما تلاها من تداعيات، تُعتبر حلقة من سلسلة، من العِبر تستلهم منها الجماهير الدروس، وتحطم الاكاذيب بمختلف انواعها. وتزيح عن كاهلها، ما تراكم من خداع وأضاليل نسجتها الاحزاب والمؤسسات الروحية التي تقف ورائها.

يقول لينين" ... عرف ماركس أن يرى أنه لا بد من نضال ضارٍ تخوضه الجماهير في بعض فترات التاريخ، حتى في سبيل قضية يائسة. و ذلك لأجل تثقيف هذه الجماهير نفسها فيما بعد، لأجل تحضيرها للنضال التالي."

الجماهير المنتفضة، كانت عفوية وتميل بطبيعتها الى حسم الامور دون وعي سياسي، وتعيش نرفزة من كل ما يمت له صلة بالتنظيم، ابتعادا عما يذكرها بالتنظيمات والاحزاب الحاكمة. ارتفعت اصوات ومطالبات لضرورة التنظيم لكنها لم تجد صدًا مؤيد لذلك، بسبب غلبة الانفعال وبساطة الوعي.

الشرائح المتعلمة، من طلبة وخريجين، وقادة ميدانيين شعروا بالضرورة اللازمة للتنظيم وتنسيق الجهود، لكي تثمر التضحيات الكبيرة الى نتائجها المطلوبة، بدأوا بالمشاورات والاتصالات ووضع خطط لمناقشة الاوضاع وكيفية تجاوز الاخفاقات التي أدت الى تراجع الانتفاضة.

إن سيل الانتفاضة العارم، لو كان قد توجه من الأول الوجه الصحيحة، لكان قد اسقط النظام الذي اهتز من الجذور. وحلت قيادة جماهيرية بدلا منه منذ شهر اكتوبر العام الماضي، يدل بلا لبس فيه بضرورة اقتناع القادة والجماهير المنتفضة، ببديل العمل المجالسي، المنظم في محلات السكن والمصانع والدوائر وكل المؤسسات الاجتماعية، وضرورة التنظيم الجماهيري الواسع بوجه السلطة.

الآن، معظم المؤشرات تشير الى هذا الاتجاه، وهذا وحده فقط، هو الكفيل بإنهاء أزمة السلطة في العراق وانتقالها الى أيدي مستحقيها الفعليين. التجارب السابقة، التي خاضتها الجماهير، عجزت حتى الان من تحقيق هدف جدير بالذكر من اهداف التظاهرات على مدى 17 عام الماضية، سوى القمع والتسويف والكذب.

 الرد الحاسم، والكفيل بوضع حد للفساد والوحشية، هو تنظيم الجماهير، لمجالسها في كل مكان، من اماكن تواجها وعيشها، ليكون الحلقة الاخيرة من سلسلة الصراع الذي بات مكشوفا وسافرا، مع عدو شاكي السلاح وجماهير لا تملك سوى أحقيتها، وقوتها الجبارة، فيما انتظمت وجمعت طاقتها التي لا تقهر.

الحكمة الثورية التي تقول "الانطلاق من الجماهير من اجل العودة إليها"، يمثل جوهر الصراع الاجتماعي والطبقي، أي عرض وتحليل نضالات الجماهير، من فشل ونجاح وفشل آخر محتمل، لتحديد اسباب الاخفاق، من أجل اقناع الجماهير، على اتخاذ الخطوة السديدة، التي تختم نضالها وتضحياتها، بالنصر الحاسم. هذا ما يدلنا عليه تاريخ الثورات والانتفاضات الجماهيرية في المجتمع المعاصر، وسجلت كدلالات بارزة اثبتت صحتها، على مستوى النظرية والممارسة.

مع بقاء الاسباب التي دعت الى الانتفاضة، واستمرار وجود السلطة، وطريقة حكمها الفاسد، سيكون " لنا الحق أن نثور" ونتعلم الدروس ونحقق النصر.  

مقالات