علي عبد الرحيم العبودي

تغيير سعر صرف الدولار مالهُ وما عليه

منذُ زمن ليس ببعيد دار حوار بيني وبين أحد الخبراء الاقتصاديين حول امكانية تغيير سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي، كنتً في حينها اعتقد ان الدينار العراقي (100$=120الف) مقيم بأعلى من قيمته الحقيقة، وان هذا السعر نتج عنه هروب العملة الصعبة إلى خارج البلاد وإخراج المنتجات المحلية من دائرة المنافسة العالمية، فضلا عن تدمير قطاع السياحة بسبب الفارق في قيمة العملة العراقية مقابل عملات الدول الاخرى وخاصة المجاورة .

لكن وأنا اُدافع عن طرحي توجه لي ثلاث اسئلة : أين المنتجات العراقية التي من الممكن ان تنافس المنتجات الاجنبية إذا ما خفضنا قيمة الدينار العراقي مقابل الدولار؟ وهل حقا ان سعر صرف الدولار كان السبب الرئيس في خروج العملة الصعبة من البلد؟ وهل باستطاعة القطاع السياحي العراقي من لعب دور كالدور الذي يؤديه في دول العالم الاقل تطور، من مثل، تركيا ومصر، ولإمارات؟ .

في الحقيقة عندما تفحصت هذه التساؤلات مترافقة مع ايماني بأن العراق يعاني من أزمة إدارة وليس أزمة موارد، أدركت ان تخفيض سعر صرف الدينار مقابل الدولار لكي يكون ذو جدوى نحتاج توفر ثلاث عناصر مسبقة، هي : الإدارة الكفء ، والأمان ، وقطاعات اقتصادية منتجة. فالإدارة الكفء ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب كان غائبا تماما في جميع مفاصل الدولة، هذا نتيجة قيادة السياسة للاقتصاد والمستحقات الحزبوية والحكومات المحاصصاتية ، مما ترتب عليه دولة مختلة بلا مؤسسات وبلا منهج اقتصادي، والفساد الإداري والمالي صفته الطاغية . لذا نحن بحاجة إلى دولة مؤسسات وليست دكاكين تابعة للأحزاب الحاكمة .

كذلك فالعراق بأمس الحاجة إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني، فعندما يكون الأمان متوفر يصبح الحديث واقعيا عن تطوير قطاع السياحة وجذب الاستثمار الاجنبي وما لهُ من دور كبير في تطوير البنى التحتية للبلد وتشغيل القطاعات الخلفية والأمامية المرتبطة بقطاع السياحة . هذه الإدارة الحكيمة والاستقرار الاقتصادي والأمني والبنى التحتية سينتج عنها قطاعات اقتصادية منتجة من صناعات محلية خفيفة وثقيلة، وزراعة تصل للاكتفاء المحلي، فضلا عن قطاع خدمات مالي حيوي .

ووفقا لتوفر هذه العناصر يصبح تخفيض قيمة العملة المحلية مقابل الدولار ذا جدوى اقتصادية ممتازة . بخلاف ذلك فإن قرار خفض قيمة العملة المحلية بنسبة (23% تقريبا) التي قامت بها الحكومة العراقية سيؤدي إلى أثار سلبية أكبر بأضعاف من إيجابياتها التي استند عليها صاحب القرار في تخفيض قيمة الدينار مقابل الدولار ليصبح (100$=145 الف دينار)، وتتلخص ايجابيات التخفيض في الآتي :

أولا: رفد الموازنة بإيرادات اضافية: وذلك عن طريق بيع الحكومة للدولار الذي تجنيه من تصدير النفط إلى البنك المركزي بسعر اعلى مما كان عليه سابقا بفارق (26) الف لكل (100$) هذا سوف يزيد من ايرادات الحكومة .

ثانيا: جذب الاستثمار: قد يكون تخفيض قيمة العملة المحلية محفز لجذب الشركات الاستثمارية؛ بسبب ان التكاليف سوف تكون اقل على الشركات (اجور الايدي العاملة، اسعار المواد الاولية)، لكن هذا يحتاج إلى توافر بيئة أمنة، وإلى وقت طويل لظهور نتائجه الايجابية .

ثالثا: تقليل استيراد السلع الكمالية: نتيجة لتخفيض قيمة الدينار مقابل الدولار سوف تكون السلع المستوردة اعلى قيمة باعتبارها مدفوعة بالدولار، لذا سيؤدي إلى ترشيق الاستيرادات الغير ضرورية .

على الرغم من هذه الايجابيات إلا انها تُعد ضعيفة جدا قياسا بالآثار السلبية التي سوف ينتجه قرار خفض قيمة الدينار مقابل الدولار ، إذ تتلخص الآثار السلبية بالآتي :

أولا: الركود الاقتصادي : مثل هكذا قرار يحتاج ان يُتخذ ويطبق في وقت مناسب، ففي الوقت الذي تعاني فيه السوق المحلية من ركود يتخلله الترقب والقلق، بسبب عدة عوامل ابرزها جائحة كورونا، وهي بحاجة إلى سياسة توسعية لتحريك عجلة السوق، تأتي الحكومة بهذا القرار لتزيد من ركود الاقتصاد المحلي .

ثانيا: زيادة اسعار السلع المستوردة : بما ان القطاعات الانتاجية في العراق تعاني من عوق مزمن، ولا تستطيع توفير الاكتفاء الذاتي ، ونظرا لارتباط الاستيراد بالدولار سوف ترتفع اسعار السلع المستوردة بنحو (23%) .

ثالثا: قتل الصناعات : كان ينبغي من تخفيض قيمة العملة ان تكون لصالح النهوض بالقطاع الصناعي، هذا لو كان العراق يمتلك مواد أولية وتكنولوجيا كافية لتطوير القطاع الصناعي، لكن نظرا إلى اعتماد الصناعات على مواد اولية مستوردة سوف ينعكس الأثر من ايجابي إلى سلبي.

رابعا: زيادة الفقراء فقرا والأغنياء غنى : ففي الوقت الذي كنا نأمل في إعادة توزيع الثروة بشكل عادل بين طبقات المجتمع عن طريق سحب جزء من الكتلة النقدية لدى الاثرياء وإعادة توزيعها على الفقراء، عبر قانون الضرائب التصاعدي وقانون من اين لك هذا، تأتي الحكومة لتقلب الطاولة وتتخذ قرار يزيد من ثراء الاغنياء ويزيد الفقراء فقرا، وذلك بسبب ان لأغنياء يحتفظون بممتلكاتهم على هيئة دولار وأصول رأسمالية، حيث ان تخفيض قيمة الدينار مقابل الدولار نتج عنه زيادة في قيمة الدولار والأصول الرأسمالية التي تمتلكها هذه الطبقة، عكس الفقراء الذين يتعاملون بالدينار العراقي .

خامسا: وضع العمال والموظفين بين المطرقة والسندان: ذلك عبر تخفيض قيمة اجورهم بطريقة مباشرة عن طريق فرض الضريبة الجديدة التي تضمنتها موازنة 2021، وغير مباشرة عبر تقليل قيمة الدينار، وذلك من خلال عملية محاسبية بسيطة، حيث ان الموظف الذي كان يحصل على راتب مقداره (750.000 الف) والذي يعادل ( 600 دولار) عند سعر صرف 125 الف دينار مقابل كل 100 دولار، بعد تغير سعر الصرف إلى 145 دينار لكل 100 دولار سوف يعادل (510 دولار)، حيث فقد الموظف أو العامل (90 دولار) من القيمة الشرائية. فضلا عن الاستقطاع الضريبي الذي سيصل نسبة الاستقطاع فيه إلى (10%) على الرواتب الدنيا .

سادسا: البطالة: البطالة نتيجة طبيعية للركود الاقتصادي، حيث ان الركود الذي ستعاني منه الاسواق سينعكس بطريقة مباشرة على تسريح بعض العمال بسبب عدم الحاجة لهم .

ختاما ، يمكن القول ان هذا القرار أتى في غير أوانه، حيث كان صدمة كبيرة للاقتصاد الوطني الذي يعاني اصلا من اختلالات هيكلية وركود اقتصادي، لذا على صانع القرار ان يعيد النظر في الجدوى الاقتصادي على المدى القريب والبعيد في قرار تخفيض قيمة العملة المحلية .

مقالات