سمير عادل

تحالف اللصوص والمليشيات يسرق موازنته من جيوب العمال والموظفين والكادحين.

عبر النفاق السياسي والكذب والتضليل وإطلاق يد ميليشيات الصدر بالقمع والبلطجة، تحاول حكومة الكاظمي والبرلمان تمرير موازنة عام 2021، تحت الشعار الكاذب الذي لا ينطلي على أي شخص في العراق، إذ طالما تبجح به الكاظمي للدفاع عن سياسة (كسر ظهر الملايين من العمال والموظفين الكادحين في العراق)، ذلك الشعار الذي يحاول أن يرهب به المجتمع وهو (أما الفوضى والفساد أو الاستقرار الزائف).

وقبل الخوض في الموازنة نريد أن نسأل الكاظمي، هل هناك أكثر فوضى من أن مليشيات الصدر تقتل بدم بارد المتظاهرين دون أن يحرك جهاز أمنك الوطني الذي يترأسه عبد الغني الأسدي ساكنا؟ هل هناك أكثر من الفوضى التي يحدثها مقتدى الصدر عندما يهدد المجتمع العراقي وينشر الكراهية ضد من لا يعتقد بمبادئه المزيفة، والقبول بسطوته وجرائمه دون أن يبدر من الكاظمي اي تعليق؟ هل هناك أكثر من هذه الفوضى التي نرى فيها كل يوم قتل وخطف وهجمات على الناشطين وعلى محلات بيع الخمور دون أن يفك يحيى رسول لنا هذا اللغز الأمني لا هو ولا أي ناطق من حكومته؟ ويبدو أن الفوضى الوحيدة في عقيدة الكاظمي هي القصف الصاروخي على المنطقة الخضراء التي يتحصن بها.

أما الفساد الذي يدعي الكاظمي محاربته عن طريق أكثر الموازنات فسادا فهي لا تديم تمويل الفاسدين وإبقائهم في مناصبهم فحسب وإنما تجعلهم يحافظون على امتيازاتهم. لذا نرى أنَّ موازنة عام 2021، ماهي إلا موازنة ممولة بشكل مباشر من جيوب العمال والموظفين والكادحين بينما يستمر تدفق الأموال على الطفيليين في العملية السياسية، إنَّها موازنة لترسيخ الفقر والإفقار والعوز مع إبقاء جزء من فقراء العراق يعيشون في أصعب الظروف فلا يجدون ما يقتاتون عليه، وتحيط بهم أكوام من الزبالة التي تزين شوارع مدن العراق والأمراض والمجاري التي تطفح مع كل موسم أمطار وهي تغرق خرائب الفقراء التي يطلقون عليها بيوت.

إن مشروع قانون الموازنة يتألف من 487 صفحة، وليس هو إلا مهزلة حقيقية في عدد الصفحات المحشوة بالتبريرات والاستعراض الإنشائي من أجل تضليل المجتمع، فليس هناك مشروع لموازنة، في تاريخ دول العالم يتألف من مئات الصفحات محشوة أكثر من 90% منها بالجمل والعبارات و الاجتهادات ووجهات النظر حول الاقتصاد بدلاً من الاكتفاء بالأرقام، ولكن يدرك فقهاء وعَلّامي حكومة الكاظمي الاقتصاديين إن تقديم الموازنة بأشكال المتعارف عليها ستكون عارية ومفضوحة، ومن الأفضل إلباسها بثوب الإنشاء الذي اعتادت عليها الأنظمة الفاشية لملأ خوائها السياسي والاقتصادي في خطبهم وكلماتهم، ويتمحور ملخص الموازنة في ثلاثة نقاط رئيسية وهي فرض الضرائب على رواتب العمال والموظفين بنسبة تصل إلى 25% وكذلك ضرائب على جميع القطاعات الخدمية إضافة إلى الضرائب التي وضعتها حكومة العبادي عام 2014 بعيد الاحتفال باحتلال عصابات داعش لثلث مساحة العراق، والنقطة الثانية هي رفع أسعار الوقود بنسبة 20% والنقطة الثالثة تخفيض سعر العملة العراقية بنسبة 22%. لنناقش هذه المعادلة الرياضية التي وضعتها حكومة الكاظمي مع التبريرات التي تقدمها.

إن فلسفة فرض الضرائب على رواتب العمال والموظفين وجميع القطاعات الخدمية وأسعار السلع يفترض أن يقابلها تقديم خدمات من قبل الدولة إلى المواطن في مجال الصحة والبنية التحتية والتعليم والبيئة، بينما في العراق تفرض الضرائب لتمويل المليشيات ودفع رواتب ومعاشات للجيش البيروقراطي المؤلف من الموظفين والمستشارين الخاصين في الرئاسات الثلاثة وأصحاب المناصب الخاصة التي يتقاضون رواتب الوزراء ويصل عددهم إلى 3000 منصب. وديواني الوقف السني والشيعي، هذا ناهيك عن الأموال التي يتقاضوها أعضاء تلك الرئاسات الفاسدة. اي أن حكومة الكاظمي بدلاً من إعلان إخراج الالاف من الجيش البيروقراطي المشار إليه للتقليل من عجز الموازنة، تمتد يدها على الجيوب التي من المفترض أن تملئها بخيرات العراق لا أن يستقطع منها ما يبقي أصحابها على قيد الحياة، وليس هذا فحسب بل أن الكاظمي يتبجح ويقول أنَّ دول العالم المتقدمة تلجأ إلى هذه العلاجات الصعبة، ولكن هل دول العالم حتى الفاشية منها تمتلك هذا الجيش الطفيلي؟ سنفصل أكثر لاحقا.

 

لننظر إلى التبريرات والحجج التي يسوقها وزير مالية الكاظمي علي علاوي، وفي مؤتمر صحفي يقول نحن رفعنا أسعار الوقود لأنها تباع في العراق أرخص من بلدان المنطقة، ولذلك يتم تهريبها، فعليه نحن زودنا أسعار الوقود كي نمنع التهريب، أليست هذه صفاقة ما بعدها صفاقة! من هم الذين يهربون الوقود إلى خارج العراق، أليست المليشيات والأحزاب الإسلامية والقومية هي من تهرب الوقود؟ ألم يقول الكاظمي بأن المليشيات كانت تسيطر على المنافذ الحدودية وهو طهرها، أم أن من يكذب ينسى أكاذيبه كما يقول المثل، إن رفع أسعار الوقود يعني رفع أسعار النقل، ويعني إضافة أسعار جديدة إلى جميع السلع، ويعني تخفيض القدرة الشرائية للمواطن، ويبغي من وراء هذه القضية سد عجز الموازنة على حساب حياة ومعيشة المواطن.

أما السر الآخر الذي كشفته حكومة الكاظمي وتريد ضرب معاقل الفساد عن طريقه، هو تخفيض قيمة العملة العراقية بنسبة 22% على الأقل خلال هذه الفترة، ولكن من كان يشارك في مزاد العملة، أليس هم أنفسهم الأحزاب الموجودة في العملية السياسية، إذ كانت تشتري الدولار الواحد  بالمزاد العلني بمبلغ 1600-1700 لسنوات عديدة ثم بعد ذلك 1900 دينار ثم تبيعها 1200-1220  بعلم كل الحكومات كي تمول العصابات والمافيات والمليشيات التي تدعم الفساد وتساعد على تمديد نفوذ الجمهورية الإسلامية في العراق وفي المنطقة، إلا أن هذه الكذبة لا تنطلي على احد، فتخفيض العملة وانعكاسه على المواطن يزيد من بؤسه وشقائه، فلا إنتاج محلي في العراق إلا بشكله المحدود في القطاع الزراعي، وان العراق يستورد أكثر من 95% من احتياجاته الغذائية والاستهلاكية والمعيشية، بمعنى أخرى سترتفع أسعار كل تلك السلع أولاً، لان استيراد جميع تلك السلع يكون بالدولار، وثانيا إن الموظف او العامل سواء في القطاع العام او الخاص الذي كان يستلم على سبيل المثال 300 ألف دينار وأعدادهم بالآلاف المؤلفة من عمال العقود والأجور على سبيل المثال لا الحصر أي ما كان يعادل 250 دولار سيتحول أوتوماتيكيا إلى 206 دولار مع الأخذ بنظر الاعتبار أن قيمة الدينار ستكون 1450 وليس أكثر. أي بشكل آخر أن العامل والموظف والكادح ستوجه له ثلاثة ضربات متتالية  وستخفض قدرته الشرائية بنسبة أكثر من 50%  كحد ادنى دون الأخذ بنظر الاعتبار نسبة التضخم، هذا ناهيك عن أن عدد العاطلين عن العمل الذين تعيلهم أسرهم سيزدادون فقر وعوز وحاجة، إلا أن الكاظمي يضيف لنا بعبقريته المعهودة بأنه يحتذي بدول العالم التي لجأت إلى هذه الإجراءات القيصرية التي لا تعني غير شق جيوب العمال والموظفين والمحرومين وتفريغها مما فيها، فدول العالم اذا كنّا نعرف عن أية دولة يتحدث، أو لديه علم بسيط عنها مثل كوريا الجنوبية او إندونيسيا او البرازيل. الخ فعلى الأقل، بالرغم من سياستها المعادية للعمال والكادحين وقصمت ظهورهم أيضا مثل الكاظمي، إلا انه كان هناك استقرار أمني وسياسي، مهّد للنهوض بالاقتصاد على الأقل من وجهة النظر البرجوازية او الرأسمالية العالمية واستطاعت أن تعوض ما فاتها. هذا ناهيك عن تخفيض مخصصات الخطورة والشهادة بنسبة 50٪. وكلنا نعرف ان الراتب الاسمي لا يساوي شيئا بدون تلك المخصصات!

ولكن هل هناك اي امل في العراق بعد تأزم اقتصاده بشكل أعمق بسبب عاملين بعيدين عن وباء كورونا أو الاقتصاد الريعي مثلما تبجحت بهما الورقة البيضاء التي هي أساس الموازنة، فالعامل الأول هو بسبب الصراعات السياسية والأمنية والعامل الثاني بسبب الفساد المستشري. وليس هناك اي بصيص امل في حل المشاكل الاقتصادية إلا بإنهاء عمر العملية السياسية وإقصاء كل هذه الجماعات من حياة الجماهير. فالعراق في ظل سلطة هذه العصابات لن يكون مثل إندونيسيا او الأرجنتين او بولندا او أوكرانيا.. وهي الدول التي يتحدث عنها الكاظمي وطبقت عليها نفس سياسة حكومته او الورقة البيضاء وهي سياسة المؤسسات المالية الأمريكية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي المعروفة الليبرالية الجديدة.

لا نريد أن نخوض في تفاصيل الموازنة اكثر مما فصلنا بها، ولكن هناك نقطة لابد من الإشارة إليها جاءت في الموازنة لكشف كذبة أخرى من أكاذيب حكومة الكاظمي، ففي جدول الديون او القروض يشير إلى إقراض وزارة الصناعة والمعادن 2 مليون دولار والموازنة التشغيلية تساوي واحدة من هيئتي الاوقاف الدينية سواء كانت شيعية او سنية، بينما نجد على سبيل المثال إقراض هيئة الحشد الشعبي 50 مليون دولار وكل المؤسسة الأمنية بما فيها وزارة الدفاع 300 مليون دولار، في حين أن الأولى المفروض أن تكون إنتاجية وتشغل العاطلين عن العمل كما دقت لها طبول الورقة البيضاء وقبلها إعلام الكاظمي بأنه سيأهل المصانع و المعامل المتوقفة وأن تحصل على قروض اكثر لتأهيل مصانعها ومعاملها، بينما هيئة الحشد وبقية الاجهزة الامنية والأوقاف التي خصصت لها موازنات غير انتاجية بل هي طفيلية بامتياز.  إلا أن الإناء يفضح بما فيه، فالكاظمي كما نرى كيف يقمع المتظاهرين في العراق بأدوات ميليشيا الصدر الممولة بميزانية الحشد الشعبي وجهاز الأمن الوطني الممولة بموازنة الحكومة المستقطعة من جيوب العمال والموظفين بينما الاوقاف تضفي الشرعية على حكومته وتحاول ان تبقي الجماهير على جهلها.

 

 

 

ونقول أيضا أن البرلمان سيمرر الموازنة طالما لا تمس امتيازات الأحزاب والقوى التي تسيطر عليه مع تغييرات خجولة للاستهلاك الإعلامي والحيلولة دون اضطراره خلع لقناعه المنافق كي لا تكشف عن وجهها القبيح المناوئ لمصالح الجموع الغفيرة من كادحي العراق كي تتمكن من المشاركة في الانتخابات.

وأخيرا يجب التصدي لهذه الموازنة وفضح كل الادعاءات الكاذبة لحكومة الكاظمي وإسقاط سياساته الاقتصادية عبر تحالف العمال والكادحين والمنظمات العمالية والمهنية والموظفين وجميع أحرار المجتمع، إن الطريق إلى إقرار الموازنة دون عجز بالإمكان أن يكون، ولكن ليس عبر جيوب العمال والموظفين وكل محرومي العراق، بل يكون عبر حل الجيش البيروقراطي والمؤسسات الامنية الزائدة والميليشيات المتمثلة بالحشد الشعبي والأوقاف الشيعية والسنية والتحكم ببيع العملة عن طريق البنك المركزي بشكل مباشر وليس عبر الشركات التابعة للمليشيات وتسوية رواتب أعضاء كل المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية مع معدل رواتب عامل ماهر وغيرها من الإجراءات ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة للفاسدين وقادة الأحزاب التي شاركت بالعملية السياسية.

مقالات

سمير عادل

05/03/2018