توما حميد

ماذا حل بإسلامية المجتمع السعودي؟

 

قامت السعودية مؤخرا بإلغاء النصوص، التي تحث على  التعصب والعنف وعلى الكراهية  تجاه المسيحية واليهودية وضد مثليي الجنس، من الطبعات الجديدة للكتب المدرسية. وحذفت النصوص التي تدعو الى الدفاع عن الإسلام باستخدام العنف و النصوص التي تبرر عقوبة الإعدام بكافة اشكاله على "الزنا وافعال الشذوذ الجنسي واعمال السحر".  وان هذه التغيرات على المواد التعليمية هي جزء من تغييرات او إصلاحات أخرى بدأت منذ 2016 شملت تقليص صلاحيات  "هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر"، والسماح للمرأة بقيادة السيارة والحصول على جواز السفر والسفر الى الخارج دون اذن من ولي الامر وحقوق اجتماعية أخرى.

لقد بررت الطبقة الحاكمة ومناصريها، ولعقود، كل القوانين والقيود الاجتماعية الإسلامية المفروضة على المجتمع السعودي بحجة انها "نابعة من طبيعة المجتمع السعودي" وبحجة كونه "مجتمع إسلامي" و"محافظ". ادّعوا بأن اضطهاد المرأة السعودية، عقوبة الإعدام على الالحاد والميول الجنسية، قطع يد السارق، الجلد، دعم الحركات الاسلامية الوحشية مثل القاعدة وداعش الخ نابعة من إسلامية المجتمع السعودي، و "لا نستطيع ان نعمل تجاهه شيء".

ولكن في الحقيقة قام محمد بن سلمان نفسه، وبجرة قلم، بنسف هذه  الاكذوبة التي اوجدتها الطبقة الحاكمة وادامتها لمصالحها الخاصة والضيقة. اذ قال في مؤتمر استثماري في أكتوبر 2017، بصدد التغيرات في السعودية " إننا ببساطة نعود إلى ما اتبعناه - إسلام معتدل منفتح على العالم وجميع الأديان".  وقال في مقابلة مع صحيفة الغارديان ، "ما حدث في الثلاثين عاما الماضية ليس السعودية .. حان الوقت الآن للتخلص منه". حيث لام ايران، في تبني السعودية لـ"نسخة متشددة" من الإسلام. أي ان ايران وشروط الصراع مع ايران كانت السبب، وليس طبيعة المجتمع السعودي.

 لتفادي التناقض الذي يجد النظام السعودي  نفسه فيه، يدّعي بان هذه الإصلاحات هي تعبير عن نبذ "النسخة المتشددة "من الإسلام وتبني اسلاما "معتدلا". ولكن هذا الادعاء هو دعاية سياسية. بعكس ادعاءات النظام السعودي، فعندما قام بحذف نصوص معينة من المنهاج المدرسي لم يتم استبدالها بنصوص إسلامية أخرى.  فالإصلاحات في السعودية تستند على تقييد دور الدين و"الإسلام" في حياة المجتمع وفي السياسة بالدرجة التي تخدم البرجوازية السعودية. اذ انهم يعرفون جيدا ان الإصلاح لا يأتي من تطبيق اسلام "معتدل"، بل تحديد دور الدين في حياة المجتمع . ان الادعاءات حول تقديم فهم جديد وليبرالي للإسلام او تفسير معتدل له هو هراء. اما ان تطبق التعاليم الإسلامية وتمنع المرأة من الحقوق الفردية والمدنية مثلا او يقيد الإسلام ويسمح للمرأة بالتمتع بتلك الحقوق.

فماذا حدث لإسلامية المجتمع السعودي؟ ما الذي تغير لكي يتطلب هذه الإصلاحات؟

تبين هذه الاصلاحات ان الادعاءات حول "إسلامية المجتمع السعودي" لا تتعدى دعاية سياسية لتيار سياسي في فترة معينة من اجل اهداف سياسية واضحة. الادعاءات حول إسلامية المجتمع السعودي هي كذبة.  لم يبدِ المجتمع السعودي أي اعتراض على هذه الإصلاحات، بل لقد تلقفها بفرح. فالمواطنون السعوديون لا يريدون هذا الانفصام المفروض عليهم، أي ان يكون لهم نمطين مختلفين للحياة، نمط داخل البيت او في خارج البلاد حيث يتصرفون بشكل طبيعي، واخر في المناطق العامة الذي يتماشى مع القوانين والقيود الاسلامية المفروضة على المجتمع.  المجتمع السعودي مثله مثل أي مجتمع معاصر، وبغض النظر عن تاريخه، يريد ومجبر ان  يرتبط  بالتمدن وبالغرب وبنمط الحياة وبالأدب والسينما والموسيقى الغربية  السائدة على العالم وبالعلم وبالتكنولوجيا. لا يمكن للمجتمع السعودي ان يعيش داخل سور معزول عن العالم.  يرنو الانسان السعودي مثل غيره الى حق النقد والتفكير الحر.  كما ترنو المرأة السعودية للتمتع بالحرية والاستقلالية. 

الدين، كطريقة ونمط حياة وكمجموعة ممارسات، وليس كمسالة روحية وكإيمان بالغيبيات لايتماشى مع الحياة العصرية في المجتمعات الحديثة ومع طبيعتها ومشاغلها. والدين ليس هوية طبيعية للإنسان لكي يتبناه بالفطرة. الحكمة التي في الكتب الدينية هي ليست حكمة هذا العصر. ليس الانسان بحاجة الى الفرضيات الدينية لفهم العالم. الرجال الذين يصرفون وقتهم في تفسير كتب مليئة بأقاويل جاهلة ليسوا بالشخصيات الأساسية في المجتمع. ان القوانين والقيود والظواهر الاسلامية هي ليست نتيجة حاجة الانسان لتبني مجموعة اخلاق وقيم، او لخلق هدف في الحياة، او إعطائها معنى والشعور بالراحة والطمأنينة او من اجل الانتماء الى المجتمع كما يقول " خبراء" البرجوازية، بل هي نتيجة عمل سياسي لتيار برجوازي مغرق في الرجعية.

تجد الدين في معظم المجتمعات في سباق للالتحاق بالمجتمع في كل النواحي؛ دور المرأة، العلاقات الاجتماعية، الجنس، الحقوق المدنية و... الخ. ان مشكلة رجال الدين دائما هي ان الناس غير ملتزمة بالدين، وان المؤسسة الدينية لا تتماشى مع  تطور المجتمع.

 ان القوانين ونمط الحياة الذي يفرضه الإسلام بالذات لاتتناغم مع طبيعة الانسان و مطاليب وامال الجماهير في مجتمع معاصر ومع القيم الإنسانية الحديثة، لذا تجد بان فرض هذه القوانين ونمط الحياة يتطلب استخدام عنف سافر وهائل.

ان الدافع وراء هذه الاصلاحات هو واضح. الدافع الأساسي هو العامل الاقتصادي. لقد اعتمد الاقتصاد السعودي لحد الان على النفط. ولكن الان، مع التزايد السريع في نسبة السكان وميل النفط كبضاعة عالمية الى فقدان الأهمية التي كانت تتمتع بها لحد الان نتيجة التوجه نحو المصادر البديلة بسبب التغير المناخي من جهة وضعف النمو الاقتصادي العالمي من جهة أخرى، اجبر النظام السعودي الى تبني سياسات اقتصادية تؤدي الى تنويع الاقتصاد السعودي. ان القوانين والقيود الإسلامية المفروضة على المجتمع السعودي لاتتماشى مع هذا المسعى الذي يشمل تشجيع مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية وتشجيع السياحة والاستثمار الأجنبي وانتقال التكنولوجيا وإقامة صناعات وقطاعات اقتصادية جديدة. كما يتطلب هذا الامر تحسين صورة هذا النظام في الخارج والحد من الانتقاد للنظام السعودي من قبل المنظمات الدولية والحكومات الغربية.

حتى اعلان المملكة السعودية انهاء نظام الكفالة السعودي للعمال الأجانب، والذي يرتقي الى العبودية والتجارة بالبشر، هي من متطلبات تطوير الاقتصاد السعودي. فحوالي ثلث سكان المملكة البالغ عددهم 34 مليون نسمة هم من العمال الأجانب والذين يسمح القانون لحد الان لأصحاب العمل بالتحكم بوضعهم القانوني في البلد مما يجعلهم عرضة للاستغلال وسوء معاملة بأشكال بشعة. ان استبدال نظام الكفالة بنظام جديد سيسمح لمعظم العمال الأجانب، أي حوالي 7 ملايين عامل، بالدخول والخروج بحرية ؛ وأن يغيروا أصحاب العمل بحرية بعد عام واحد من عقدهم دون طلب اذن من صاحب العمل او الكفيل الأول، ليس من اجل حقوق العمال المهاجرين، بل من اجل تحرير سوق العمل وتشجيع السعوديين لأخذ فرص العمل  التي يملئها الأجانب وتشجيع التخصص وجذب الكفاءات.

من جهة أخرى، ان المجتمع السعودي، كمجتمع معاصر، يواجه نفس الازمة التي تواجه المجتمع الرأسمالي في ظل الرأسمالية. يحس النظام السعودي كغيرة من الانظمة بخطر على مصيره وخاصة منذ ازمة 2008. تمكن النظام السعودي اثناء احداث ما سمي بالربيع العربي من تفادي انتفاضة جماهيرية عن طريق صرف اكثر من 200 مليار دولار بشكل فوري على المجتمع.  مع تراجع الاقتصاد السعودي، لن يكون هذا السلاح في متناول اليد.

ان سياسات النظام هي استجابة لمطاليب المجتمع.  يحاول النظام  مواكبة المواطنين في مطالبيهم. اذ اكثر من ثلثي سكان المجتمع السعودي تقل أعمارهم عن 30 سنة، وهم بحاجة الى فرص عمل والى حرية اجتماعية وسياسية وفردية.  الإصلاحات التي يقوم بها النظام السعودي هي استجابة الى مطاليب هذه الفئة العمرية. ولكن يحرص النظام ان يبين بان هذه الإصلاحات هي إصلاحات يريدها هو، هي إصلاحات من فوق وليس لها أي ربط بالضغط من الأسفل.

من جهة أخرى ان العالم كله يمر بمرحلة تشهد إعادة صياغة المعادلات السياسية والعلاقات بين الدول نتيجة لتراجع دور امريكا كقطب  اوحد. لايمكن لدول الشرق الأوسط مثل دول الخليج العربي الاعتماد بشكل كامل  على أمريكا من اجل حماية امنها كما حدث لحد الان. تحتاج هذه الدول الى ترتيبات جديدة.  السعودية بحاجة للتقارب مع إسرائيل وبناء قطب موالي للغرب تشارك فيه إسرائيل والسعودية في مواجهة ايران وتركيا.  ان الإصلاحات السعودية وحذف النصوص المعادية لليهودية من المناهج الدراسية هي ضرورية للتقارب مع إسرائيل وجذب التكنولوجيا الإسرائيلية.

لقد دعم الغرب النظام السعودي والقوى الإسلامية الإرهابية الذي وقف خلفها واسلمة مجتمعات الشرق الأوسط من اجل اهداف معينة. لقد كان لهذا الطيف من القوى الإسلامية وظيفة في مرحلة معينة. لقد انتهت اليوم هذه المهمة. لقد صوروا المجاهدين الأفغان والطالبان وقوى إرهابية أخرى كونها قوى "تحررية". لم يعد هذه الهراء ينطلي على احد. لم يعد الغرب مجبر على التعايش مع هذا النمط من الإسلام الذي انتهت المهمة الموكلة اليه على الأقل في هذه المرحلة. من هنا يجد النظام السعودي حاجة للتخلي عن هذه الماركة من الاسلام ولملائمة نفسه مع الغرب. لقد وجدنا ان المنظمات الإرهابية الإسلامية في الشرق الأوسط  تفقد قوتها ونفوذها بالتوازي مع الإصلاحات السعودية وتخلي النظام السعودي عن دعمها بالشكل الذي قام به لحد الان.

المجتمع السعودي ليس مجتمعا إسلاميا. بل حتى النظام السعودي لم يكن يوما من الأيام نظاما إسلاميا. النظام السعودي هو نظام عائلي وقبلي يوظف المؤسسة الدينية من اجل نيل الشرعية مقابل مساومات حيث يستخدم القمع المدعوم بالإسلام ومؤسسته لمصالحه.  لقد قامت المؤسسة الدينية الإسلامية بدعم النظام مقابل خدمات هائلة للمراتب الدينية والسماح لها بالتدخل في مجمل جوانب حياة المجتمع. نجد اليوم رجال الدين الذين كانوا لحد الان  يجاهدون من اجل تفسير القوانين والقيود الإسلامية الرجعية و حرمان المرأة من حقوقها ومن اجل تفسير المناهج المدرسية المتخلفة  يتسابقون في اصدار الفتاوى والتفسيرات التي تبرر الإجراءات الجديدة التي تقوم بها السلطات السعودية وحتى التقارب مع اسرائيل!!

 لقد تمت اسلمة المجتمع السعودي عبر القتل والسجن والجلد والدعاية اليومية الهائلة. ولكن اذا اخذنا واقع المجتمع السعودي وخاصة الأجيال الجديدة، نجد ان كل هذه الجهود  قد فشلت الى حد كبير في تحقيق هذا الهدف.

ان اسلمة المجتمع السعودي هي قضية سياسية.  القوانين الإسلامية والظواهر الإسلامية  في المجتمع هي ليست نتيجة قوة الإسلام كمؤسسة ايمانية بل نتيجة قوة الإسلام السياسي نتيجة معادلات سياسية معينة ونتيجة عنف وإرهاب منفلت. الإسلام له تأثير على  الجماهير في السعودية لأنه فرض بالقوة. ان الإسلام كبناء فوقي لمجتمعات الشرق الأوسط هو هش. في الحقيقية ان بقاء الإسلام كبناء فوقي قوي يعرض النظام للخطر. ان حدا من التحديث والغربنة والحد من نفوذ الإسلام في حياة المجتمع هو من اجل تقليل الخطر على النظام. 

مقالات