فارس محمود

لا (يفيدكم)! ترحلون يعني ترحلون!

 

ازيحت صور الشباب ضحايا انتفاضة تشرين، لينصب محلها على ارتفاع "المطعم التركي" في وسط بغداد صورة لأبي مهدي المهندس، نائب رئيس مليشيا الحشد الشعبي، نائب رئيس المليشيات المخضبة اياديها بدماء اشرف الناس.

ليست الصورة احتفاءً بأحد، او تخليدا لذكرى شخص معين تراه جماعته انه "مهم" و"مضحي". كما إن اختيار المكان ليس امراً غير مقصود او غير هادف! فالجميع يعلم ما هي مكانة "المطعم التركي" في انتفاضة الجماهير في العراق. لقد كانت السيطرة عليه احدى ميادين الصراع بين المنتفضين والقوى المليشياتية الطائفية والحكومية.

 ان تعليق صورة المهندس بهذا الحجم رسالة للمنتفضين، لكل من هو محتج وساخط على سلطة المليشيات التي أرغم أنفها بالتراب، على ايدي الشباب المنتفض، على ايدي الجماهير التحررية الداعية للحرية والمساواة. انها رسالة إننا "باقون"، "منتصرون"، "ليس بوسع احد ازاحتنا"، انها رسالة غطرسة و"تشفي" و"تخليد اقتدار"! ولكنهم يعرفون ان الامور ليست بهذه السهولة.

انها رسالة تيئيس. رسالة كفوا عن، أن "تنطخوا معنا"!، "لايفيد!"، "كفوا عن مجابهتنا!"، رسالة "امكثوا في بيوتكم ولا تحاولوا"، إنها "شن حرب نفسية" على المجتمع وقواه الساعية للتحرر والخلاص من ربقة هذه المليشيات والبلطجيات عديمة الرحمة والانسانية. انه ليس مسعى لتبيان "حقيقة"، لعرض "انتصار" بقدر ما هو مسعى بوجه عمل قادم . انها خطوة تتعلق بالغد وليس بالأمس!

ولكنها لبديهية انه مهما كثرت صورهم، فإنها لن تزيد على صور النظام المقبور قبلهم. ومهما اطلقوا من اسماء قادتهم على الشوارع والجسور والمدارس، لن تكون بقدر  ما فعله النظام الفاشي البعثي. ان هذه حقيقة يعرفونها هم قبل غيرهم. انهم لا يستطيعوا ان يقنعوا احد بأمر ما. ولهذا، فقط السلاح، الاغتيالات، كواتم الصوت والسجون والمعتقلات السرية لغتهم. انها جماعات غير اجتماعية، خرقة  هجينة على جسد المجتمع، لا ربط لها بمجتمع عادي ومتعارف، مجتمع تسير فيه العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بشكل عادي وطبيعي كحال اغلب بلدان العالم. ولهذا ليس لأي شيء معنى عندها، لا للخدمات معنى، لا للتعليم مكان، ليس هذا وحسب، ان ادامة عمرها لا يمكن ان يتم دون عملية تجهيل طائفية واسعة. ليس للإدارية وادارة المجتمع مكان، ليس للدراسة والتخرج والشهادات مكان، ليس للتفاعلات العادية للمجتمعات مكان. ولا اي شيء!

انها على استعداد ان تعيش على هذا الوضع مئة سنة اخرى. لا يهم، تنفخ جيوبها من تهريب النفط، المعابر الحدودية والكمرك، من الصفقات الحكومية التي لا تتعدى سوى اطار للكوميسيونات والنهب. انها تيارات غير مسؤولة. لا يهمها حال العاطل، المتقاعد، مستقبل الاطفال، الخبز اليومي للناس، ولا اي شيء. ليس لها مشكلة في عقد من مثل جولات التراخيص وهدر ثروات هائلة هي من حق المجتمع ورهن مستقبل اطفاله، طالما ان كومسيون كبير يصب في الجيب الشخصي لأمثال الخراساني وجيب ولي نعمته (حزبه او ميلشياته). لا يهم تفكيك مصفى بيجي وبيعه بثمن بخس، طالما تعود بعشرات الملايين على الخزعلي. انهم قطاع طرق بكل معنى الكلمة.

انهم بعد اشهر من تراجع الانتفاضة وادراكهم مدى سخط الجماهير عليهم التي احرقت مقراتهم وقاتلتهم وانفضاح "قدسيتهم" و حشدهم "المقدس"، يسعون الى استرداد انفاسهم ويعودون تدريجيا للميدان. يجب ان لا نترك اي مجال لهم لاسترداد انفاسهم!

تتصوروا انفسكم، انكم قد انتصرتم. إنكم لواهمين. لم تنتهِ الحرب بعد. وتسعى الجماهير المليونية ان تكون هي من يضحك اخيرا. ان الحرب لازالت قائمة. لازالت كل مبررات الحرب الطبقية قائمة. لا زال الجوع والفقر يرسف فيما يقارب نصف المجتمع، لا زالت البطالة تنشب انيابها في المجتمع، ولازال الحرمان والعوز يلقي بعباءته على الاغلبية الساحقة للمجتمع، ولا زال الانسان الذي ليس لديه عمل ليس لديه اي مصدر للمعيشة والحياة والبقاء. والمجتمع مجتمع معاصر، يرى الانسان في العراق عبر التقنيات المعاصرة يوميا كل زاوية من زوايا العالم، ويريد ان ينعم بالفرح، السعادة، الامان والجمال والاستمتاع بالحياة. انه مجتمع عصري وليس قرية في عالم القرون الوسطى.

وطالما كل هذه الامور باقية، فالحرب لازالت قائمة. والا بماذا تفسرون لحد الان، تتعقبكم للناشطين بشكل مسعور بالاغتيال والاختطاف والقتل وتفجير البيوت و....الخ. انه ليس بهدف "الانتقام" ممن أقضّ مضجعكم بالأمس، وانما انه قلقٌ على الغد. اذ تعرفون جيداً انه لم "يرمِ احد المنشفة"، ولم يرفع احد الراية البيضاء. ان الحرب المقبلة هي قائمة. كل مبرراتها قائمة. فالجماهير عرفت من اي طينة انتم. اناس الصدفة، حثالات بكل ما للكلمة من معنى رمتهم الصدفة، فقط الصدفة، ليتحكموا بمصير مجتمع عصري بما يقارب 40 مليون نسمة، مجتمع له ثقله السياسي، الاجتماعي، العلمي، الفكري، الادبي والفني، الثقافي، الحضاري والعماري في المنطقة. ان هذه الكعكة اكبر كثيرا وكثيرا من افواهكم. لا تتصوروا بان بإمكانكم هكذا وبسهولة من ابتلاعها، ستختنقون!

ان الانتفاضة تراجعت، عجزت ولم تحقق اهدافها. ليس في هذا ادنى شك. ورغم التضحيات العظيمة ورغم التفاني منقطع النظير من شابات وشباب المجتمع، بيد ان هذه النتيجة هي اكثر من واقعية. كان على  الجماهير، بكل الاحوال، ان تدخل هذا الصراع، رغم كل محدودياتها ورغم كل "اثمانه"، ولكن الجماهير لا تتعلم، وللأسف، الا بالتجارب والخبرات العملية والواقعية والحية، وفي اغلب الاحيان بتضحيات كبيرة. وقد رأينا كيف تغير وعي الجماهير، وكيف سقطت العديد من اوهامها مع مرور وقت الانتفاضة فيما يتعلق بـ"السلمية"، "عدم تسييس الانتفاضة" و...غيرها. اوهام روجت لها السلطة المليشياتية الحاكمة وممثليها وابواقها، وصبت الماء في طاحونة دحر الانتفاضة وادامة عمر هذه السلطة المليشياتية الطائفية.

لقد تبين ان ما ينقصها فعلاً هو الوحدة والتنظيم، وان هذه الوحدة هي ليست فقط وحدة قوى وصف وانما وحدة وسيادة افق تحرري وراديكالي واضح، التحلي بتكتيكات وتعامل صحيح مع مسارات الانتفاضة، الرد على اسئلتها: ما هو ردنا العملي على تسلل الصدريين وغيرهم من قوى معسكر السلطة وكيفية اخراجها من بين صفوفنا،  كيف نصون صفوفنا، ناشطينا، وقوانا من تطاول تلك الاجهزة القمعية والميليشياتية التي تتربص بناشطي الانتفاضة وفعّاليها، هل التحرير والحبوبي والساحة كافية، ام يجب السعي لأكثر ما يمكن من تجذر اجتماعي للانتفاضة في الاحياء والمحلات؟ ما هو تعاملنا وموقفنا من طعم "لا سياسية التظاهرات"، و"ينبغي عدم السماح للنشاط السياسي" لكل الاحزاب، وحتى الاحزاب والمنظمات المدافعة عن الانتفاضة والتي تقف بخندق الجماهير من حيث مناهضة العملية السياسية وقواها الميليشاتية الطائفية والقومية....وغيرها؟ ينبغي ان نعي الدروس جيدا، درس لماذا تراجعنا ونظهر بحلة جديدة، وتظهر هيئات اركان انتفاضتنا وبصماتها في كل محلة وشارع ومدينة بحيث يعجز الف خزعلي، والف مالكي وعامري وخراساني من ان يمد يده على احد. اذ على مَن يمد يده؟! فالأغلبية الساحقة للمجتمع في الميدان.

وفوق هذا وذاك، كيف نتحلى بتكتيكات المجابهة لحظة بلحظة، ما هو ردنا على "حرف" اهدافنا وتهزيلها الى "انتخابات مبكرة" او غيرها؟ ما هو ردنا على مساعي حرف الانتفاضة من مثل الصراع الامريكي-الايراني والمقاومة و"طرد المحتل"، وكيف نتعامل اجمالاً مع الخنادق، واجندة اطراف خندق الجمهورية الاسلامية في ايران ام امريكا؟ ما هو موقفنا من التيارات الوطنية القومية التي تتخندق في هذه المرحلة في خندق امريكا مستغلة السخط العارم تجاه ايران واجنداتها في المنطقة؟! ما هو موقفنا وتعاملنا مع قوى الحشد وقواته اغلبها من قوى مفترض ان تكون قوانا وكيف نجرها، وما هو ندائنا لها؟! متى نهجم ومتى لا نهجم، متى ندافع ومتى لا ندافع؟ هل اليوم هو ليس يوم المطاليب العمالية او النسوية او غيرها لأنه يضعف "الانتفاضة" ام على العكس يقويها؟! و....الخ. والعديد من الاسئلة السياسية والعملية المطروحة والتي يطرحها الصراع والمجابهة كل لحظة. إننا نعلم بأن أجوبة الكثير من هذه المسائل موجودة، بيد انه لم يتحول الى افق ناشطي الانتفاضة وقادتها، ولهذا، كيف نحوّله الى افق سائد لهم بوصفهم راس حربة الصراع الواقعي والعملي؟! بدون هذا يصعب الاطاحة بعدو مدجج بالسلاح وعديم الرحمة.... وانها لمهمة الشيوعيين والطبقة العاملة ودعاة الحرية والمساواة.

مقالات

فارس محمود

23/11/2015