توما حميد

دروس من قضية جوليان اسانج.

لقد كشفت قضية مؤسس موقع ويكيليكس، جوليان اسانج بشكل ناصع رياء الطبقة الحاكمة بخصوص الحريات السياسية، حيث بينت بان حتى الحريات والحقوق المحدودة التي يتمتع بها الانسان في الغرب يمكن ان تصادر ما ان تحس الطبقة الحاكمة بانها تضر بمصالحها وتهدد نظامها.

لقد رفضت القاضية البريطانية، فانيسا باريتسر يوم الاثنين، الرابع من هذا الشهر طلب تسليم مؤسس موقع ويكيليكس، جوليان اسانج الى الولايات المتحدة في محاكمة شبه سرية منع الصحفيين من الاطلاع على سير المحاكمة ولكنها رفضت طلب الافراج عنه بكفالة بعد يومين وقالت القاضية إن ثمة أسبابا قوية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيهرب، ويمكنه الهروب. لهذا سيبقى اسانج في سجن بلمارش شديد الحراسة في لندن. سوف تنقل قضيته الان الى المحكمة العليا، حيث أعلنت الحكومة الامريكية بانها ستستأنف الحكم.، كما سيقوم فريق الدفاع باستئناف الحكم على الافراج عنه بكفالة. 

 لقد قررت القاضية عدم تسليم اسانج لأمريكا بسبب صحته النفسية وبسبب الظروف المروعة التي سيواجهها في السجون الامريكية.  فقالت هناك خطر حقيقي على اسانج في حال ادانته في الولايات المتحدة حيث سيوضع في ظروف من العزلة شبه الكاملة في نظام السجون الأمريكي وهذا سيزيد خطر قيامه بالانتحار.

 لقد اتفقت القاضية مع لائحة الاتهام التي وجهتها له الحكومة الامريكية قائلة ان افعاله تجاوزت مهام الصحافة الاستقصائية. لقد حكمت لصالح الحكومة الامريكية في جميع النقاط القانونية اذ رفضت بان اسانج سوف لن يحصل على محاكمة عادلة، او ان الحكومة الأمريكية تلاحقه لدوافع سياسية وان محاكمته هي ضد حرية التعبير، كما جادل فريق الدفاع. هكذا جاء الحكم لأسباب إنسانية، أسباب تتعلق بصحته النفسية والخطر الذي يشكله على نفسه وليس لأسباب مبدئية منها حماية حرية الصحافة وحماية كاشفي الفساد وجرائم الحرب والجرائم الأخرى التي ترتكبها الحكومات. وقد كشفت هذه القضية من جهة أخرى بان القضاء لا يمكن ان يكون محايدا، عندما تكون طرف من اطراف القضية هي حكومة لدولة قوية. لولا الضغط العالمي الهائل للمطالبين بالأفراج عن اسانج لكان القرار أسوأ.


تطالب الحكومة الامريكية بمحاكمة اسانج على 18 تهمة جنائية تتعلق بنشره في 2010 أكثر من 700 الف من الوثائق السرية الخاصة بحرب أفغانستان والعراق عبر التعاون مع محللة الاستخبارات العسكرية الامريكية السابقة تشيلسي مانينغ. ومن بين الوثائق التي سربها شريط فيدو يظهر قيام قوات أمريكية على متن طائرة هليكوبتر في تموز 2007 بقتل 12 مدنيا عراقيا بينهم اثنان من العاملين في وكالة رويترز. وفي حال ادانته وهو امر مرجح سوف يواجه عقوبة تصل الى 175 عاما. والمحاكمة ليست حول التسريبات الأخرى الذي قام بها اسانج وموقع وكيليكس فيما بعد كالوثائق المتعلقة بحملة هيلاري كلنتون الانتخابية.


 وتنوي أمريكا محاكمته حسب قانون التجسس الذي صدر عام 1917 الذي جعلها جريمة فيدرالية ان يتدخل أي شخص او يحاول تقويض القوات المسلحة الامريكية اثناء الحرب، او ان يساعد باي شكل من الاشكال الجهود الحربية "لأعداء الامة" وهو قانون لم يفعل الا في حفنة من الحالات. وتقول الولايات المتحدة إن أكثر من 100 شخص من مصادر الاستخبارات الامريكية تعرضوا للخطر بسبب نشر السجلات وإن 50 شخصا تلقوا المساعدة حيث هرب بعضهم من بلدانهم مع عوائلهم الى دول امنة. ولكن عجزت حتى الان من تقديم أي دليل يؤكد بانا أحدا أصيب بالأذى فعلا.


اعتُقلت الشرطة البريطانية أسانج في نيسان 2019 من داخل السفارة الاكوادورية في لندن  بعد سبع سنوات أمضاها فيها، حيث لجأ اليها منتهكا شروط كفالته، عندما كان يواجه قضية بتهمة اعتداء جنسي في السويد تم اسقاطها فيما بعد وتبين بانه لم يكن لها أساس. انتهك جوليان اسانج شروط كفالته  2012خوفًا من تسليمه إلى الولايات المتحدة بعد ترحيله الى السويد، اذا كانت عملية تسلميه الى امريكا من السويد اسهل بكثير من بريطانيا. وقد عبر اسانج عن استعداده لمواجهة القضاء السويدي في حال ضمن بانه لن يسلم للحكومة الامريكية. وقد حبس أسانج منذ عام 2019 في سجن ملبارش في لندن المخصص للإرهابيين والمجرمين الخطرين وكبار المافيا في زنزانة انفرادية لمدة 23 ساعة في اليوم الواحد.


لقد بينت هذه القضية كيف ان الطبقة الحاكمة مستعدة للتخلي عن كل " القيم والمبادي" التي تطبل لها ليلا ونهارا بما فيها حرية الصحافة وحرية التعبير وكشف الحقيقة والنشاط السياسي وحق المتهمين والمدانين والمحاكمات العادلة ما ان تتعرض مصالحها لخطر. لقد حاولت الحكومة الامريكية وبالتعاون مع البرجوازية في الدول الاخرى جعل اسانج عبرة لكل من يسمح لنفسه بتعريض مصالح الطبقة الحاكمة للخطر من اجل ثني الاخرين من كشف الجرائم التي تقوم بها الحكومات البرجوازية. ان مصالح الطبقة الحاكمة في الغرب وخاصة في أمريكا تستند على شن حروب خارجية واخفاء الفظائع الناتجة عن تلك الحروب عن شعوبها.  


من الواضح ان الحكومة الامريكية تنوي اسكات اسانج باي شكل من الاشكال وحتى قتله بشكل ما بما فيه من خلال زجه في محاكمات تمتد لعقود فهو الان يعاني من مشاكل نفسية وجسدية خطيرة. وهناك ادعاءات بان الحكومة الأمريكية قامت بوضع خطط لتسميم اسانج او اختطافه من السفارة الاكوادورية. 


لقد دأبت الحكومة الامريكية والكثير من الحكومات الغربية بتشويه وتحطيم سمعة اسانج واغتيال شخصيته عن طريق اتهامه بالاغتصاب وتصويره كشخص سايكوباثي. لقد وقفت معظم وسائل الاعلام الغربية الرسمية ضد اسانج، فأيدت ادعاءات الحكومة الامريكية في تصويره كمجرم او انه ليس صحفيا لذا لا تشمله القوانين التي تحمي الصحفيين وتصوير ويكيلكس كمؤسسة إجرامية مختصة بالقرصنة. لقد بينت قضية اسانج رياء الليبراليين الغربيين حيث تخلوا بسهولة عن كل مبادئهم واصطفوا الى جانب الحكومة الامريكية. ان السبب الوحيد الذي يقف حائلا امام نزول الملايين الى الشوارع للدفاع عن اسانج هي قوة الماكنة الدعائية.


لقد قضى أسانج تقريبا عقد من عمره إما في السجن أو رهن الحجز الذاتي رغم انه غير مدان باي جريمة. ولايزال يقبع في السجن ويتعرض لظروف بشعة مصممة لقتله، اذ ندد مقرر الأمم المتحدة بشان التعذيب، نيلز ميلتسر بظروف اسانج في سفارة اكوادور واعتبرها اعتقال تعسفي، كما ندد بظروف احتجازه في مبلمارش، حيت منع من الاتصال مع العالم الخارجي بما فيه سماع الراديو او استخدام الحاسوب والحديث الى الناس منذ نهاية 2018 ولم يلتق بمحاميه منذ اذار2020. كل هذا يتم لكشفه جرائم حرب، في حين ان مجرمي الحرب يعتبرون ابطالا ورموز يفتخر بها. لا يواجه المجرمون المدانون بجريمة قتل مثلا ما واجه اسانج  لحد الان مقابل تقديمه خدمة مهمة للبشرية.  


ورغم ان القاضية تتحدث في حكمها الذي أصدرته بالتفصيل وبالدلائل عن وضع اسانج النفسي المزرى بما فيها أفكار انتحارية ومعناته الفظيعة الا انها قررت عدم الافراج عنه بكفالة وابقائه في سجن بلمارش في ظروف اقل ما يقال عنها هي تعذيب سافر، مع انه غير مدان ورغم انه خدم خمسين أسبوع على تجاوز شروط الكفالة بخصوص قضية مفبركة وهي اقصى مدة حكم لمثل هكذا مخالفة؟ لماذا لا يوضع تحت الإقامة الجبرية تحت مراقبة تمنعه من الهروب؟ اكثر من ذلك لقد قامت القاضية بتبرير الادعاء حول الخطط التي ناقشتها الولايات المتحدة لتسميمه او اختطافه من السفارة الاكوادورية على أساس انها “تظهر حد عال من القلق من جانب السلطات الامريكية بشان أنشطة السيد اسانج المستمرة".  كل هذا يحدث رغم ان الاتفاقية بين أمريكا وبريطانيا بخصوص تسليم المطلوبين للعدالة تحظر تسليم المطلوبين بسبب تجاوزات ذات طابع سياسي. حتى إذا كانت الحجج السخيفة التي يسوقونها بخصوص؛ ان اسانج ليس صحفيا صحيحة، فهو فعال سياسي ونشاطه له طابع سياسي.


لقد قام دونالد ترامب مؤخرا بالعفو عن عدد من المجرمين بما فيهم حراس الامن من شركة بلاك ووتر الذين قاموا بمجزة ساحة النسور ضد العراقيين المدنيين بما فيهم الأطفال، او الضابط الأمريكي الذي امر جنوده بقتل ثلاثة افغانيين بينما يقبع اسانج في السجن ويواجه مستقبل مجهول.


من السخافة ان تدعي الحكومة الامريكية بان اسانج عرض حياة 100 شخص للخطر ممن كانوا يخدمون في حروبها الاجرامية دون ان تقدم أي دليل، في حين ان الحروب التي شنتها قد عرضت حياة عشرات الملايين الى الخطر وأدت الى مقتل الملايين من البشر. ثم لماذا يكون للحكومات اسرار تخفيها عن سكان بلدانها؟ ليس من حق الناس الاطلاع على جرائم الحرب فحسب، بل من حقها ان تتطلع على كل الاتفاقات والصفقات السياسية وتفاصيل العلاقات الدبلوماسية بين الدول. يجب ان لا يكون أي شيء متعلق بأعمال الحكومة والعلاقة بين الدول سري.


  ان الملاحقة السياسية لاسانج لا تقوم به إدارة ترامب بل ان كل الطبقة الحاكمة مشتركة فيها. فالصفقة مع حكومة الاكوادور اليمينية التي انتهت بطرد اسانج من سفارتها بعد ان حصل على حق اللجوء والجنسية الاكوادورية كانت مقابل قروض من بنك كولدمن ساكس والبنك النقد الدولي. ان ملاحقة جليان اسانج هي سياسة البرجوازية في أمريكا  ومعظم العالم وهناك ادلة واضحة على ذلك.


يجدر الإشارة بان القاضية البريطانية اعترفت بان نظام السجون الامريكي وحشي للغاية علما بان السجون الامريكية تأوي 2.3 مليون انسان اغلبهم يعيشون كعبيد.


لقد بينت قضية اسانج مدى سطحية الادعاءات حول الحرية في الدول الغربية والتي تبقى ضمن حدود عدم المساس بالنظام. وقد بينت حجم الجرائم والفظائع التي تخفيها الحكومة الامريكية عن مواطنيها. تعتبر هذه القضية قضية تاريخية وسيكون لها تبعات كثيرة في المستقبل. ان مجرد محاكمة اسانج بغض النظر عن الحكم هي فضيحة. يجب إطلاق سراحه فورا بدون أي شرط او قيد.

 


مقالات