قاسم هادي

الانتفاضة... اتجاهات واهداف!

 

قبل البدء بالحديث عن التيه الذي يغلف الجماهير المنتفضة، دعونا نتذكر أن انتفاضة اكتوبر بدأت بهتاف "الشعب يريد إسقاط النظام"، ثم خلصت الى استنتاج مفاده "من طب بيها أبو عمامة صار البوگ للهامة". لكن بسبب غياب التنظيم داخل الانتفاضة واحتكار الاعلام من قبل احزاب ومطبّلي السلطة، نجحت الاخيرة في التغلغل داخل الصفوف، ليس فقط بوجود خيم داخل الساحات اعداء للانتفاضة، بل من خلال تنفيذ وهم اتسع يوما بعد آخر بتحويل هدف الانتفاضة وتحويل مزاج المتظاهرين الى جانب آخر لا يليق بعدد الارواح الغالية التي أزهقت "فداءً" لشعارات فضفاضة تستطيع تشكيلها كما تشاء. فشعار "نازل آخذ حقي" و "أريد وطن" انتهى بهما المطاف الى "أريد جزءاً من النهب".

وبالتأكيد، لايمكن الحكم على الشعارات كلها. لكن تم تشتتيت جماهير الانتفاضة انفسهم الى ثلاث اتجاهات. الاول يصارع الى اللحظة لإسقاط النظام كل النظام. والثاني دخل في صفوف السلطة، والثالث الذي اختار استغلال "تأثير اكتوبر" و"شهداء أكتوبر" ليصنع مكانا لنفسه داخل منظومة الفساد.

ان معارضة النظام والسعي لإسقاطه واتخاذ المقاطعة خيارًا لايعني الجلوس والاستكانة، بل يتطلب هذا الخيار تحديات اكبر وعمل وجهد يومي حثيث غير قابل للتوقف، ولو للحظة، لأنه يعني تنظيم الجماهير، لأنه يعني توعية يومية بالخيارات المتاحة، لأنه يحتاج جهد جبّار لقيادة الخيارات المتاحة، تظاهرات بشعارات موحّده، إضرابات عمالية، عصيان مدني، تنظيم وادارة لجان محلات السكن والعمل وغيرها من الأساليب النضالية التي تتطور فيما لازال القمع يتطور.

 ان هذا الاتجاه يؤمن على الاقل ان هذه هي المرحلة التي يجب ان تفضح اساليب السلطة ومن يدور في فلكها، وكذلك يعمل على بناء بديل عملي منظم واعي للمرحلة، ويعلم جيدا ان الوقوف بوجه السلطة التي تسيطر على المواقع السياسية والعسكرية وكذلك تحكم سيطرتها على الثروات الوطنية، يحتاج الى جهد اكبر من الذي تبذله السلطة نفسها في خداع الجماهير او في سحب الشباب المحتج الى الساحة التي يتفوقون بها، سلطة كهذه  لن تسقطها تظاهرة وان كانت مليونية. ان هذا الاتجاه يمتلك الوعي ويمتلك الإرادة الجماهيرية في التغيير، وهذان ضلعان مهمان لكن ينقصهما التنظيم ليتشكل مثلث الثورة. بالرغم من اتهام هذا الاتجاه بالمثالية، الا انه في الحقيقة اقرب اتجاه الى الواقع واقرب الخيارات من التحقق لأنه يمثل رد على تطلع الناس بحياة افضل وعلاج الازمة وتقديم البديل لصالح الملايين المحرومة والكادحة.

الاتجاه الثاني كان اقرب لمن يعرف "من أين يؤكل الكتف" لأنهم وجدوا لأنفسهم مكانا داخل التيار الصدري أو مع الحكيم أو العامري والعدد الأكبر الذي اختار أن يكون مع "الرابح"، اي التيار الذي سيتشكل بعدة احزاب وحركات تنتهي بالتحالف مع "أمل الأمّة" تيار الكاظمي لأنه التيّار الذي اختار الوقوف مع وعود أمريكا التي تتفوق على إيران في الصراع الإقليمي، والذي سيحد من نفوذ إيران داخل العراق بوقف الدعم المالي والعلاقات التجارية التي قدمتها أمريكا لقادة تلك التيارات منذ الاحتلال ولحد قرار وقوفها بوجه إيران وأذرعها في المنطقة. وما نراه اليوم من قرارات ضد الفياض وقادة ميليشيا الحشد الذين استغلوا إمكانيات الدفاع والداخلية وصاروا اكبر من كليهما بعلم وموافقة ودعم أمريكا، لكنه صار اليوم عقبة في طريق تحقيق طموحات ومشاريع أمريكا في المنطقة.

 ان مجموعة الانتهازيين او ربما السذّج الى درجة بعيدة، انّما يراهنون على فوز أمريكا الاقليمي الذي سيتبعه فوز التيارات التابعة لها في الساحة العراقية، وسد الفراغ الذي سينجم عن تقلّص النفوذ الايراني، وبالتالي انحسار تأثير التيارات الذيلية لإيران. إن هذا الاتجاه سحب الكثير من نشطاء أكتوبر، وللأسف بعض المتابعين لأولئك النشطاء والمؤمنين بوعيهم الذي وضع "جماهير"هم في حضن سلطة الفساد نفسها، وهم يمنّون النفس بتغيير قد يحدثه اربع او خمس مستشارين لرئيس وزراء لم يستطع بكل قواته "غير الموالية" من تحرير (سجّاد) من منزل شيخ عشيرة يعرفونه ويعرفون منزله وعادوا بخزي سيلاحق (قوات مكافحة الارهاب) الى الابد.

الاتجاه الثالث، وهو الاتجاه الذي استغل أكبر عدد ممكن من وجوه شباب أكتوبر وصار يبيع مطالب أكتوبر وضحاياها بثمن الاصوات الموهومة التي تتبع بثقة الوجوه التي تعلن حركة (25 أكتوبر) او (امتداد) او (وعي) وغيرها من الحركات التي تريد مساحة داخل الفساد بدل من انهاء الفساد، تريد مقعدا داخل منظومة النهب بدلًا من توزيع الثروات على مستحقيها، اختارت ان تكون صوتاً يتم اسكاته بالرواتب والامتيازات بدلًا من ان تكون صوت أكتوبر القادم الذي يخلع كل منظومة الفساد والقتل، اختارت ان تكون شريكا يجلس جنبا الى جنب مع الخزعلي، ويكون لها صوت ليس أعلى من صوت العامري داخل النظام نفسه ببساطة لان ميليشيا العامري أكثر ارهابا من وجوه "شباب أكتوبر" الذين سيجلسون الى جنبه داخل البرلمان دون ان يستطيعوا ان يعارضونه، ناهيك عن فشلهم المحقق في ايصال صوت الانتفاضة.

 ان هذا الاتجاه، وللأسف، اتجاه اكبر قليلًا من ان يكون مجموعة انتهازيين يحلمون بالسلطة، بل يمثل اتجاه جمع كل الموهومين وكل السذّج والانتهازيين معًا دون إمكانية التفريق بينهم في قالب واحد قالب الشركاء لنظام قتل اكثر من 800 شاب وشابة كانوا يحلمون بإسقاطه واستبداله بنظام عادل يمنح الحرية ويوفر الرفاه الاجتماعي، ويؤمن لأطفالهم، رغم ان معظمهم كانوا أطفالًا، حياة كريمة.

يغيب عن بال هذين الاتجاهين ان السلطة بيد الميليشيات، وان أجهزة الدولة الامنية عبارة عن مجموعة ميليشيات تلبس الزي الحكومي، وإن اللواء الفلاني هو لواء صدري، واللواء الآخر هو لواء بدري، وان استخبارات الداخلية بيد الحشد مثلا، فيما تسيطر على طوارئ المحافظات ميليشيا تختلف من محافظة الى اخرى، وان قوات مكافحة الشغب كانت تحمي قنّاصة الميليشيات، وان رئاسة الوزراء باعتراف الناطق الرسمي تعرف من قتل الهاشمي ومن هرّب القتلة.

وفي هذه اللوحة المشكّلة، فان ادارة الانتخابات تبدأ بحماية تلك الميليشيات للمراكز الانتخابية، وهي نفسها التي ستقوم بنقل الصناديق بشكل "آمن ونزيه" كما تم في انتخابات 2018، وان المفوضية العليا للانتخابات تم اختيارها بالطريقة ذاتها لتحدد قبول او رفض الاحزاب والكتل كما هو الحال في "مصلحة النظام". وان تم الطعن في الانتخابات، فان المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الاعلى تم تشكيلهما " باتفاق الكتل". ولايعني ذلك الّا اتفاق الاحزاب صاحبة الميليشيا. لان اي حزب بدون ميليشيا لن يكون كتلة مهمة، ولن يشكل فرقا في القرار السياسي. وينسون ايضا ان دوائر الدولة بدأت بطرد او معاقبة الموظف الذي لم يجدد بطاقته الانتخابية، وان كل مدير دائرة سيطالب الموظفين بصورة في موبايله تثبت اختياره لقائمة معيّنة في الانتخابات الـ"نزيهة" القادمة. وما ينسوه اكثر من ذلك كله هو مصدرهم المالي الضخم الذي يحتاجونه لمنافسة فضائيات عريقة موالية وإعلام حكومي "محايد" حد النخاع لقائمة رئيس الوزراء حصرًا. وكل الكتل الأخرى هي كتل تمتلك أكثر من فضائية واذاعة وعشرين جريدة اخرى مرائية، ولجنة فرز "محايدة" جدا، ولديها داتا الأجهزة البايومترية مسبقا حيث تستطيع استبدال اسم "غاندي" بالفياض وهي في مقرها دون ادنى جهد. وان افلت الناخب من كل التهديدات والفتاوى بحرمة زوجته، فانه لن يفلت من التهديد بالحصة التموينية وبالوظيفة وبالإغراءات المالية لأناس يسحقهم الجوع والفقر.

إن افلت احد الأحزاب "النزيهة" وحصل على مقاعد كافية للتأثير في القرار السياسي، فكيف تستطيع تغيير معادلة وضعها الاحتلال، ولن تتخلى عنها الكتل. فان كان ذلك الحزب كما يدعي عراقيًا فلا مكان لعراقي في قائمة الرئاسات. عليك ان تكون ضمن كتلة شيعية لتطالب برئاسة الوزراء، وكتلة سنّية لتطالب برئاسة البرلمان، وكرديا طالبانيا لتكون رئيسا للجمهورية. ان النظام الذي رسخه الاحتلال و18 عاما من القمع والفساد ليس نظاما يرقّ قلبه لعدد الاصوات الكثيرة التي يحصل عليها احدكم فيحمل كل الحقائب الوزارية ومفاتيح المنافذ الحدودية وحصص النفط يجمعها ويسلّمها لصاحب الاصوات التي افلتت بمعجزة من منظومته الميليشياتية. ان هذا النظام هو من صمّم الانتخابات، هو من وضع القانون الانتخابي، وسانت ليغو وهو من يسمح لك ان تضع صور قادتك على اعمدة الكهرباء او ان يسمح ان تحمل سيارات الشرطة والجيش صورك او لا، ان يكون لك لقاء تلفزيوني او تغتال مباشرة بعده، وانت تريد ان تجلس الى جانب قادة هذا النظام تنافسهم في نهب الثروات.

وعليه، ليست الجماهير المنتفضة كتلة واحدة، تيارات وجماعات يتعقب كل منها اهدافه ومصالحه التي قد تقترب او تبتعد من مصالح الاغلبية الساحقة للمجتمع. ولهذا فان الذي يريد ان يسلمها "سلطة الثورة" و"تمثيل الثورة" هو تائه فعلاً لأنه لا يرى الاهداف المتناقضة في داخل صفوف الانتفاضة!

 

مقالات