فارس محمود

أيةُ اهدافٍ يتوخاها استعراض "سرايا السلام" اليوم؟!

 

 

بثت مليشيات "سرايا السلام" التابعة للتيار الصدري الرعب في المجتمع، اذ قامت بالانتشار في مدن النجف، كربلاء، وبغداد. مليشيات مسلحة لم تكتف بأسلحة تقليدية، بل تعدتها الى اسلحة ثقيلة نوعاً ما تتعدى الاهداف التي تحدثوا عنها، كما لو انها تتمترس لحرب.

 

لقد قاموا بهذا الانتشار تحت حجة مفادها ان لديها معلومات حول هجمات "بعثية-داعشية" على "الاماكن المقدسة" في هذه المدن، دون ان يكشفوا عن طبيعة هذه الهجمات: "عملية انتحارية"، "اعمال تفجيرية"، "هجوم جماعة ما"، "استيلاء على مدينة" او غيرها. لم يكشفوا شيئا عن هذا قط.

 

اكذوبة هيبة الدولة!

 

تحدثوا كثيرا عن "تعزيز هيبة الدولة المفقودة"، "دعم الدولة والقانون"، "الحيلولة دون انفلات الامن" وغيرها من ترهات. اذ قاموا بكل هذه الحركة دون ان يكون لـ"الدولة" او حكومة الكاظمي رأي او علم او خبر، وحتى لو كان لهم ذلك، ليس لهم موقف، او في احسن الاحوال، اقتصر دورهم على الابلاغ، كما لو ان الدولة غير موجودة، وبالأحرى هي غير موجودة اساساً في اي زاوية من زوايا ادارة البلد. انهم يتحدثون عن هيبة دولة داسوا هم قبل غيرهم على وجودها.

 

كالعادة، ليست هذه الادعاءات سوى اكاذيب صرفة. فمن الذي خّول مقتدى وتياره الصدري ذلك؟! من اين اتى بـ"شرعية" هذه الخطوة؟! وفق اي مرجع قانوني ورسمي، قام بخطوته هذه؟! لا احد يعلم! انها، كالعادة، خطوة احادية الجانب، "خارجة عن القانون" وفرض الامر الواقع على المجتمع وعلى "الدولة".

 

ليس ثمة كذبة اكبر من "هيبة الدولة". ليست في العراق دولة بالمعنى العادي والمألوف للدولة. انها "دولة" مليشيات، تحكمها وتسيّر امرها مليشيات ارهابية عاثت فسادا بها، وهيمنت على ثروات البلد واشاعة القتل والمذابح من الايام الاولى لسقوط النظام البعثي الفاشي والى الان. ليس هذا وحسب، بل استشرت مع مرور الوقت، وبالأخص اثر هيمنتها على مقدرات البلد الهائلة والمجتمع لما يقارب 18 عام. وبالأخص، مع اضفاء الرسمية على المليشيات تحت يافطة "الحشد الشعبي المقدس"! فانتشرت مليشيا "سرايا السلام" مدججة بأسلحة ومعدات وسيارات الدولة. بأموال الدولة دمروا الدولة. بأموال الدولة، الغوا الدولة. رواتب ميليشياتها تدفعها الدولة نفسها. مليشيات هيمنت على المجتمع ومقدراته وفرضت هذا كأمر قانوني ورسمي و"شرعي"! وهي الخطوة التي اكدنا من اليوم الاول على مخاطرها. اذ ابتلعت المليشيات الدولة، سيطرت على المطارات، المنافذ الحدودية، النفط، "الكوميشنات" وتصب في جيوبها المليارات سنويا، ليس هذا وحسب، بل مضوا للتدخل حتى في تعيينات السفارات والقنصليات.

 

انهم لا يريدون ولا ينشدون بناء دولة.  ليس ذلك في برنامجهم . او في احسن الاحوال  يريدون دولة على مرامهم الخاص، في حل من اية مسؤولية وابسط التزامات الحكومات والدول امام مجتمعاتها.

 

اهداف واقعية

 

 لا تتعدى مجمل حركة الصدر غير افتعال استعراض عسكري صرف بوجه المجتمع، من اجل ارعاب ولجم وتركيع مجتمع  خرج تواً من انتفاضة مليونية دامت لأشهر مديدة تصدت بشراسة للسلطة القائمة وميليشياتها الاجرامية القائمة. اذ لا يمكن فصل هذه الخطوة عن مجمل العملية السياسية وصراعات اطرافها في العراق. انها خطوة لتقوية التيار الصدري لمواقعه السياسية والعسكرية في المجتمع، فرض التراجع على خصومه السياسيين في العملية السياسية ذاتها وبالأخص التيارات الولائية التي استشرت وتغطرست بالأخص بعد تشكيل الحشد الشعبي والحرب و"النصر" على داعش.

 

مّر التيار الولائي، المليشيات الذيلية الموالية للجمهورية الاسلامية، بتراجع جدي جراء عوامل دولية ومحلية. تتمثل الدولية منها بميل ميزان القوى في الصراع العالمي والاقليمي بصالح محور امريكا و ليس بصالح الجمهورية الاسلامية، اي تراجع عرابه وولي نعمته امام هجمات امريكا المتواصلة. فالحصار الاقتصادي على ايران، التراجع الرهيب في قيمة العملة الايرانية، اغتيال سليماني والمهندس، فضيحة الطائرة الاوكرانية، اغتيالات العلماء النوويين الايرانيين واخرهم محسن زادة، اغتيالات مسؤولي القاعدة في قلب ايران وغيرها تمثل ملامح لهذا التراجع، كما جرت تغيرات اقليمية بصالح الولايات المتحدة، اسرائيل وخليجية بالضد من ايران.  اما على الصعيد المحلي، وهو الاهم، انفضاح التيارات الولائية امام المجتمع، وفرض انتفاضة اكتوبر تراجع جدي وكبير عليها، حرقت مقراتها، طاردتها، والاهم من هذا فضحت ماهيتها وكشفت عن اياديها الدموية وقباحتها على صعيد اجتماعي واسع.

 

فيما تلى هذا انشقاق حاد في الحشد الشعبي. اذ انشق حشد العتبات، حشد الحوزة، عن الحشد الشعبي الذي يهيمن عليه الولائيون. مما سحب بساط المرجعية من تحت اقدام الولائيين. تأتي خطوة الصدر هذه ليستغل الوضع المتردي الذي يمر به خصومه الولائيين والمالكي ليفرض نفسه كيد طولى في العملية السياسية. ان خطوة التيار الصدري من اجل الدفع بعملية حسم مسالة السلطة لصالح تياره. وليس ثمة ظرف افضل من هذا الوضع  لتحقيق هدفه هذا.

 

من جهة اخرى، ثمة اصطفاف قوي يجري بوجه الولائيين الذين يخسرون مواقعهم هنا وهناك في الخارطة السياسية في العراق. اصطفاف يميل نوعا ما لصالح امريكا يتألف من الكاظمي عديم القدرة الذي تحول اليوم الى ملحق للصدريين، العبادي، الحكيم، وطيف واسع من "السنة" القوميين-الاسلاميين الساخطين على ممارسات التيارات الولائية واستهتارهم ونزعاتهم التهميشية للآخرين وجرائمهم في المناطق الغربية. يسعى مقتدى الصدر للظهور كزعيم اوحد لهذا الاصطفاف الذي ترى فيه امريكا كقوة جديدة في العراق للتهميش المتعاظم لإيران ودورها في العراق والمنطقة.   

 

ولهذا ليس غريبا، او انه ليس بأمر يفتقد لأساس، تصريحات مسؤولي التيار الصدري. اذ يتحدث من امثال الزاملي بصريح العبارة عن ما معناه (اذا لم يفز التيار الصدري، هذا يعني ان الانتخابات مزورة!!) او ان رئيس الوزراء المقبل ينبغي ان يكون من التيار الصدري، او ان الحكومة المقبلة "اصلاحية" او "ابوية" وغيرها من تصريحات "متغطرسة"! ناهيك عن عبارات واوصاف "السيد القائد"، "قائد العراقيين" و"خيمة العراقيين" بشكل مبالغ فيه.  واجمالا تتمحور مجمل احاديث، "اوامر"، مقتدى الصدر الاخيرة، والتي تزامنت مع هذه الوضعية، على "لا اسمح بتأجيل الانتخابات" و"لا اسمح بالتطبيع...." تبين بوضوح ما ينشده هذا التيار اليوم.

 

أليس لجماهير العراق قول اخر؟!

 

لا يمكن الحديث عن مستقبل افضل لجماهير العراق دون قول اخر. ان ماهية التيار الصدري معلومة للجميع. انه تيار معادي للحقوق والحريات السياسية والمدنية، مناهض للعامل وللمرأة، للشباب والتحرر، للمساواة والرفاه، تيار استهل وجوده بعد 2003 بحملة تصفيات جسدية بحق النساء والشباب المثليين. انه تيار "القبعات الزرقاء"، "جيش المهدي"، "المحاكم الشرعية". انه تيار مشارك منذ اليوم الاول في العملية السياسية بكل لصوصيتها، واجرامها، واحتلالها، ومصادرة حريات الجماهير. انه تيار استبدادي، تيار "الزعيم الاوحد"، "القائد المبجل"، "القائد الذي بيده مفاتيح فهم الكون والحقيقة" وغيرها!

 

على جماهير العراق ان تصعد من نضالها بوجه هذا التيار الدموي وان تتصدى له بكل الأساليب في كل زاوية من زوايا المجتمع. ان فرض التراجع على هذا التيار وانهاء سلطته وهيمنته على المجتمع وتحكمه به يتمتع بأهمية خاصة لكل أنسان يتطلع لحياة تليق ببشر يعيش في القرن الحادي والعشرين.  أن حاضرنا ومستقبل أطفالنا يناشدنا لأنهاء هذا الكابوس من حياة المجتمع، من حياة نسائه، شبابه وأطفاله ومجمل الآمال الإنسانية والمتمدنة.  

مقالات

فارس محمود

23/11/2015