سمير عادل

الطبقة العاملة واسعار النفط

مقترح اللجنة المالية البرلمانية في نقل عدد من عمال وزارة الصناعة والمعادن الى وزارات اخرى وتحويل الباقي الى التقاعد، هو خطوة جاءت في وقتها بالنسبة لصناع القرار السياسي في المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وصندوق التنمية الامريكي، اضافة الى تابعي تلك المؤسسات ممن هم موجودين في العملية السياسية من السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية. وسيبررون تمرير مقترحهم عبر البرلمان بـ"انخفاض اسعار النفط" الذي يعتمد الاقتصاد العراقي على انتاج النفط بنسبة تصل الى اكثر من 95% وبالمجهود الحربي لمحاربة البعبع داعش. ويعتبر هذا المقترح لو مرر في البرلمان وعلى الاغلب سيمرر لو لم تواجهه عاصفة من الاحتجاجات العمالية لاحباطه، هو خطوة كبيرة نحو الخصخصة، التي طالما لم تستطع لا حكومات الجعفري ولا علاوي ولا المالكي من تنفيذها بالرغم من الضغوطات التي مارستها تلك المؤسسات المالية عليهم. وفي كل الاحوال فأن انخفاض اسعار النفط في الاسواق العالمية سواء في تمويل الالة العسكرية الحربية للعراق او في الانفاق العام، سيكون المبرر لتشديد الهجمة على العمال وبقية الشرائح المحرومة في المجتمع.
الدراما في المشهد السياسي والاقتصاد العراقي تكمن عندما وصلت الميزانية الى 120 مليار دولار، فأن 40% من سكان العراق يعيشون في خط الفقر وما دون، والان خفضت الميزانية الى 100 مليار دولار بسبب تدني اسعار النفط والتي احتسب على اساسها بأن سعر بيع برميل النفط 70 دولار، وحاليا هوت الاسعار الى دون 50 دولار فكيف سيكون الوضع الاقتصادي للبقية الباقية من السكان؟ ان حكومة العبادي المدعومة من كل الكتل السياسية دون استثناء الى جانب المؤسسات المالية الدولية ليست لديها اي خلاف حول المنهج الاقتصادي الذي وضعتها الحكومة في خطة عملها. فالاداء الاقتصادي لحكومة العبادي جيد بنظر اولئك، ويبقى الاسراع في تنفيذ الخطوات المرسومة له مثل خفض مفردات البطاقة التموينية الى 50% بالرغم انها تعرضت الى سرقة ممنهجة ومنظمة من قبل حكومة المالكي طوال الولايتين العجاف، الى جانب تحويل العمال في وزارة الصناعة والمعادن الى التقاعد وبيع جميع المصانع والمعامل الحكومية، وتجميد الاجور والمعاشات، وتخفيض الانفاق العام هذا اذا كان موجودا اصلا في ظل حكومة المالكي. اي بعبارة اخرى ان حكومة العبادي تجهز نفسها كي تشن هجمة اقتصادية كبيرة على العمال والكادحين، تحت عناوين عجز الميزانية والحرب مع داعش الذي يتوج في مانشيت عريض هو ((تدني اسعار النفط في الاسواق العالمية)). وهكذا يكمل المشهد الدرامي عندما تواجه الاغلبية المطلقة من جماهير العراق وهم من العمال والعاطلين عن العمل والمحرومين اما مقبرة الموت بيد المليشيات التي اصبحت تأخذ صفة رسمية وحكومية وبيد عصابات دولة الخلافة الاسلامية او التضور جوعا وحرمانا حتى يعجل الموت من اجلها!
مسألتان يجب التنويه لهما في البرنامج الحكومي الجديد حول العمال في العراق، الاولى هو ان مقترح اللجنة المالية في تحويل العمال الى التقاعد ليس فيها شيء جديد، وان الحكومات التي جاءت بعد غزو العراق ووضع برنامجها الاقتصادي من قبل بول بريمر كلفت اي تلك الحكومات بتصفية المصانع والمعامل الحكومية وعدم اقراضها من قبل ميزانية الدولة، حتى ان حكومة المالكي في ولايته الثانية خصصت فقط 1% من الميزانية لها للحيلولة دون تأهيل تلك المصانع سواء عن طريق تزويدها بالكهرباء او صيانتها وترميمها، والابقاء على القرض الحكومي لدفع رواتب ومعاشات العمال في وزارة الصناعة الى جانب التمويل الذاتي، الا ان حكومة المالكي فشلت في تسوية المهام الاقتصادية التي كلفت بها بسبب احتجاجات عمالية كبيرة اندلعت منذ عام 2009 مما استأنفت ابقاء الحال على ما هو عليه، كما انها تراجعت عن الغاء البطاقة التموينية بعد قرار المجلس الوزاري الذي صوتت عليه جميع الكتل السياسية بما فيهم المزايدين والسماسرة السياسيين، بعد ان شعرت أن هناك عاصفة من السخط والغضب الجماهيري ستجتاح العراق واعادة سيناريو 25 شباط ولكن بشكل جديد. والمسألة الثانية هي التملص الحكومي من مسؤوليته تجاه العمال في القطاعات الصناعية الحساسة مثل قطاع الطاقة التي تشمل النفط والغاز والكهرباء، حيث تحاول تسليم ذلك القطاع بكامله للشركات الاجنبية وتقوم الحكومة بدور شرطي لتلك الشركات لحمايتها من الاحتجاجات العمالية، مثل الاعتصامات والاضرابات والتظاهرات وتشريع قوانيين تأمن استثمار تلك الشركات وارباحها، في مقابل منع اي شكل من الاحتجاجات تحت عنوان الحرب ضد داعش وعجز الميزانية بسبب تدهور اسعار النفط.
ان عمال وزارة الصناعة الذين اصبحوا خارج الانتاج وبقوة سياسية واقتصادية عالمية خارجية مع سبق الاصرار والترصد، لن يكونوا مؤثرين دون توحيد صفوفهم مع عمال قطاع الطاقة الذي يعتمد الاقتصاد العراقي عليها بالدرجة الاولى. وعمال قطاع الطاقة لن يستطيعوا كسب تعاطف الشارع وتقوية زخم نضالهم ضد جور الشركات الاجنبية وقوانين الحكومة العراقية دون دعم عمال قطاع الصناعة الى جانب الجيش الاحتياطي للعمال وهم الملايين من العاطلين عن العمل. وهنا يجب التنسيق والعمل معا لرص صفوف العمال على مستوى العراق لمواجهة معركة من اهم المعارك المصيرية مع الطبقة السياسية الحاكمة الممثلة لاصحاب الشركات والمؤسسات الاقتصادية المحلية والعالمية.
ان القاصي والداني يجب ان يفهم ان عجز الميزانية ليست مسؤولية الطبقة العاملة ولا مسؤولية المجتمع برمته، ولا تقبل مبررات تدني اسعار النفط والحرب ضد داعش كي يحول العمال الى التقاعد وكي يشدد من ظلم الشركات الاجنبية ضد عمال الطاقة ولا في تجميد الاجور والمعاشات. ان السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية والقوات الامنية بميلشياتها وجيوشها استطاعات نهب وسرقة المليارات من الدولارات بشكل رسمي وقانوني او تحت العباءة لتأمين رواتبها وشراء مركباتهم وقصورهم، هي المسؤولة اليوم في دفع فاتورتها للجماهير العمالية الغفيرة والمسحوقين في المجتمع.

مقالات