فارس محمود

لنرفع القبعات ل-خديجة شريف-!

في تصريح فريد من نوعه، صرحت وزيرة المراة التونسية "خديجة شريف" ان "من حق التونسي ان يلحد"! انه موقف فريد من نوعه في المنطقة المبتلاة بمصادرة الحريات والحقوق والقمع والرجعية بشتى اشكالها. انه فريد لانه يأتي لأول مرة على ايدي أناس هم في السلطة. من جهة أخرى لايمكن اغفال جراءة الموقف وصاحبته الوزيرة المذكورة.
اذ سعت الطبقات الحاكمة دوماً الى تبليه الجماهير وتشتيت وعيها بمصالحها عبر الدين من جهة، واخراسها عبر سجون الدولة وقمعها من جهة اخرى. سعت دوما الى وضع اليد بيد الدين ورجالاته ومساومة الدين بهدف تامين مصالح بعضهما البعض، أي ان يسترزق رجل الدين من هذا الوضع وينال حضوة ومكانة اجتماعية وبالتالي ينال حصته من ثروة المجتمع والسلطة، ومقابل ذلك ان يقوم بدعم السلطة والتبرير لها وإشاعة الوعي السلبي والانكفائي، تلويث عقول الجماهير وابعادها عن مصالحها الواقعية، تبرير الواقع القائم وارسال انظارها الى عالم اخر، غير واقعي، غير حقيقي، عالم غير العالم القائم. وفي اشد الأحوال، ان دعى الى بديل، فانه يدعوا الى بديل اخر يؤمن مصالح الطبقة البرجوازية الحاكمة. كان هذا دور الدين على امتداد تاريخ المجتمع البشري. ولهذا ان يأتي هذا من وزيرة المراة، فهذا هو نقطة تاريخية تسجل للمراة، وللوزيرة "خديجة شريف" نفسها وللتاريخ السياسي والحركة الداعية للعلمانية والمدنية في تونس.
ولكن سؤال يطرح نفسه هنا وهو: لماذا اليوم؟! ما سر هذا التوقيت؟ وهل هو صدفة؟ ام فكرة عابرة وردت في ذهن صاحبتها؟! برايي، لم تاتي هذه الخطوة من فراغ. أي ان لها أساس مادي وواقعي كذلك. اذ تبين اليوم اكثر من أي وقت مضى ماهية الدين، شراسته، انعدام انسانيته، جرائمه، حمامات الدم التي يخلفها هنا وهناك، ماهية الدين في انه لا يتعارض مع السلب والنهب وجمع الثروات على حساب المائدة البائسة للاغلبية الساحقة من التي تغط بالعوز والفقر والجوع. العراق نموذجاً واضحاً على ذلك. كما تبين اليوم ان مقولة "الإسلام هو الحل" ماهي الا اكبر كذبه عرفها التاريخ المعاصر، كذبة سمجة. لايجمل أي حل. كل ما يحمله هو الفقر والجوع ذاته، الحرمان، اذلال الاخرين، تقسيم المجتمع الى مراتب ودرجات وليس بيديه أي حل اقتصادي، اجتماعي وسياسي.
من جهة أخرى، وعلى قول ماركس، ان تاريخ البشر، رغم النكوصات التي تعتريه هنا وهناك، الا انه في تقدم ومسار تصاعدي اجمالا. أي ان مسالة الحريات وحق الانسان في رايه وتعبيره، ان يكون له دين من عدمه، التحقيق المتعاظم لذاته هو امر في تصاعد من حيث المسار العام. ان ضغط موضوعة الحريات والحقوق في اتساع متعاظم، حركة عالمية، وليس بوسع المحل رغم مقاومته الشديدة الا ان يرضخ للامر الواقع، العالمي. ليس بوسع "المحل" في المطاف الأخير، ان يعزل نفسه عن العالم مهما حاول او قاوم. وان هذا كان واضحاً باجلى الاشكال في حالة صحيفة "شارل ايبيدو" الفرنسية الفكاهية التي نالت من التاييد والاحترام في العالم العربي على سبيل المثال اكثر من أي وقت مضى. حتى ان دفاع تيارات الإسلام السياسي هذه المرة هي اضعف بدرجات كبيرة عن المرات السابقة سواء في الدنمارك او هولندا. ليس لكلامها اليوم شارٍ.
يشهد عالمنا المعاصر "ردة" عن الدين، وان الدين الذي نراه في الواجهة يديمه اثنان: عنف الجماعات المليشياتية الاجرامية الساعية للسلطة والحكم من جهة، واموال طائلة من السعودية وقطر وايران بهدف اجندات سياسية محددة لا علاقة لها، وفي الحقيقة، لصياغة وضع بالضد من إرادة الأغلبية الساحقة من الجماهير. أي انه دين يستمد حركته من هذين العاملين وليس نتاج حركة "نهضة إسلامية"على صعيد المجتمعات مثلما سعوا عبثاً وزيفا لتصويره في العقدين الأخيرين.
لماذا "يرتد" الانسان عنه لانه ببساطة لايحتاج له. ليس له مكان في حياته اليومية والعملية. ان كل مفردات حياة الانسان تقررها الية اجتماعية واقعية لا صلة لها بالدين. ليس البشر بحاجة للدين لكي يعرف ماينبغي القيام به وما لاينبغي. ليس هذا وحسب، بل ان ماينبغي القيام به ومالاينبغي اتى بالضد من الدين وبنقد الدين. على العكس من هذا، ان تناقض الدين مع المصالح الواقعية للإنسان الديني نفسه، وجد "منفذ" للتلاعب والقفز عليه. الانسان كائن مادي بطبعه، كائن تعد مصلحته من اول أولوياته.
الالحاد لن يحل كل مشاكل الانسان في المجتمع المعاصر. فالاخير مجتمع طبقات، يرسف بالحرمان والجوع والفقر كذلك، يرسف بالاستغلال والتمايز الاجتماعي والطبقي، وان هناك طبقة موسرة واغلبية تعيش من كدح جبينها وعملها الماجور اليومي. أي مجتمع مقلوب يجب إيقافه على قدميه. وهذا لايحل بالالحاد والتخلي عن الدين وكل أفكار عصور غابرة. بيد انه يوفر له الحرية، التحرر من كل الأفكار والقيم البالية التي تنيخ بكلكلها على رؤوس البشرية. يوفر له الفرصة لرؤية قضايا حياته اليومية بصورة اكثر واقعية وحقيقية وبالتالي يخلق الأرضية للتدخل الفعال والمؤثر بتقرير مصيره ومستقبله، وهو الامر الذي يحرمه الدين منه.
ان خطوة "خديجة شريف" هي مبعث احترام وتقدير كل من يفكر ويسعى من اجل انسانية الانسان وحريته وانعتاقه من كل قيود آسرة ومكبلة. ان هذه الخطوة ستفتح الأبواب اكثر واكثر امام أصوات هادرة وجياشة قادمة، أصوات لزمت الصمت لاسباب كثيرة امام ان تصدح بمثل هذا الموقف بصراحة ودون مواربة. لنرفع القبعات لها!

مقالات

فارس محمود

23/11/2015