سامان كريم

قضية داعش والأرهاب هي قضية المرحلة الحالية بكاملها

الى الأمام: تعددت مسميات عصابات القتل في العراق لكن المجازر واحدة.. مناطق في ديالى تم طرد داعش منها لكن ساكنيها تعرضوا الى مجازر من قبل الميليشيات وبتواطئ من قبل الجيش الحكومي العراقي.. وفي سنجار الأمر لم يكن بأحسن حال بعد طرد داعش منها فالميليشيات الأيزيدية هاجمت القرى العربية وأحرقت البيوت وقتلت من قتلت وبمساعدة قوات البيشمركة.. برايك هل الأمر اليوم هو التباري بين من هو الأكثر أرهاب وجريمة من الأخر.. هذا جانب ومن جانب أخر أخبار الأيام السابقة اشارت الى أن داعش بدأ يفقد قوته وأنه الأن في مرحلة بداية الأنهيار، لكن من الظاهر أن داعش لازال يملك زمام المبادرة في الهجوم. فقد هاجمت قواته كركوك يوم الجمعة الفائت ومن ثلاث محاور.. هل أن داعش اصبح اليوم أكثر قوة؟!

القضية هي اكبر واوسع من الاحداث الاخيرة. داعش في حقيقة الامر, نتيجة وليس سبب, نتيجة لتاريخ طويل نوعا ما, تاريخ بدأت به أمريكا منذ فترة طويلة, التاريخ التي فضلت فيه القوى البرجوازية الاسلامية على القوى القومية في المنطقة, وفق المعيار المعني ان القوى التي يفضلها الأقتصاد الحر بدون اي شروط وهي الافضل وفق السياسة الامريكية والغربية حتى, والفائز هنا مقارنة بالقوى العربية هي الاسلام السياسي, هذا جانب مهم من القضية. اما الجانب الاخر وربما للسبب نفسه ولكن على مستوى اخر من البحث, اي لمقارعة البلدان المنافسة لها في هذه المرحلة من جانب، و لمسح او ازالة التأريخ القديم المسجل باسم بريطانيا وفرنسا من المنطقة من جانب اخر... تهدف الى اعادة رسم خارطة المنطقة, وهذا يعني تفكيك الدول مبنى على الدين او الاديان في المنطقة, وبما إن الدين الاسلامي هو السائد من جانب والدين الاسلامي منشق تاريخيا من جانب اخر بين الطائفتين الشيعية والسنية، عليه وفي التحليل االأخير ان السياسية الامريكية ترسم على هذا الاساس. تفكيك الدول واعادة بنائها وفق الطوائف الدينية... هذه سياسة بدأت بصورة فعلية مع احتلال العراق قبل 12 سنة تقريبا, عبر تقوية الاسلام السياسي الشيعي واقصاء الحركة القومية العربية من الحكم والحياة السياسة, ودفع المراجع الشيعية الى الواجهة, وسن الدستور والمحاصصة القومية والطائفية كركيزة الحكم في العراق.

وفق هذه السياسة, وفي اطارها قزمت وحجمت القوى العلمانية واليسارية والقومية، ونهضت القوى الاسلامية والطائفية, وتبلورت قوى جديدة اكثر تطرفا سواء في داخل القوى الاسلامية السائدة الحاكمة.. امثال التيار الصدري ومنظمة البدر وبعد ذالك عصائب الحق... وميليشيات عديدة اخرى.... و في الطرف المقابل حيث شاهدنا التيار الزرقاوياي القاعدة في العراق... وبعد ذلك منظمات وجهات ارهابية اسلامية مختلفة في الطرفين واخيرأ وليس أخراً نحصل على داعش أرهابي العصر.... هذه هي الحالة. في أتون الحالة هذه تتم هذه المجازر سواء وفق برنامج مخطط ومدورس ضمن اطار سياسي معين لهذه القوة او تلك للتطهير والنقاوة الطائفية في هذه المنطقة او تلك, او كحالات تكتيكية او حالات عابرة أو ربما ثأرية من ناحية اخرى. من يريد او يهدف الى القضاء على الارهاب عليه ان يفكر وفق هذا المنطق العلمي وليس نتائج المرحلة الراهنة فقط. فعلا علينا ان نعالج هذا الامر.

الميليشيات او بالاخرى ما تسمى بقوات الحشد الشعبي... هي قوات ميليشاتية مختلفة جمعت ووحدت تخت غطاء "الحشد الشعبي" هذه القوى قوة لها عقيدة مشتركة واحدة وهي الطائفة السياسية, حيث انها شكلت على هذا الاساس وللاجابة على هذه المرحلة اي صد هجمات داعش و دحرها. هذه هي القضية الاساسية, وهذا هو عمق القضية السياسية في هذه المرحلة. حيث ان إيران التي ترى في داعش خطر على دولتها تحاول بكل قوة دفع وتقوية القوى الشيعية والكردية والمحاذية لحدودها لتقاتل داعش.... من هنا ترى القوى الشيعية وفق العقيدة والفكر من الطائفة السنية كلها دواعش فقط, في هذه الحالة ان قتلهم واجب.. هذا هو البعد الايدولوجي عن القضية. نرى ذلك في المقدادية وفي مسجد مصعب بن عمير وابوبكر الصديق في ديالي... وهناك شواهد واحداث كثيرة اخرى.... من القتل والذبح والخطف. الاحداث التي تذكرنا بايام القتل على الهوية قبل الست او السبع سنوات الماضية... فهذا العنوان اي القتل على الهوية لم يغب عن المشهد العراقي منذ مجئ الاحتلال.

في المحصلة النهائية ان هذه الاعمال الارهاربية من الجانبين الاسلاميين يخدم السياسة الامريكية وهي سياسة طائفية بإمتياز. يخدمها يعني, تقسيم المجتمع والانسان على اساس الهوية الدينية وبعدها الطائفية, وهذا يعني تفكيك العراق الذي نشأ واسس قبل مائة سنة تقريبا.... وامريكا تهدف اعادة بنائه وفق الطوائف والقومية...ولا اقصد بالتفكيك الى ثلاثة دويلات بل اقصد اكثر من ذلك بكثير.... وهي تقسيم المجتمع على هذه الهويات الكاذبة والمخادعة وهي خطرة.على الانسان وتوقعاته وتطلعاته وخصوصا على الطبقة العاملة. عليه ان القضية ربما فيها التباري والمنافسة الشرسة وهي كذلك من بعض جوانبا، ولكن في نهاية الامر هو صراع في اشد واعمق حالاتها بين القوى السياسية الارهابية التي بسطت سيطرتها على المنطقة بكاملها، سواء كانت بأسم داعش او الميليشيات الشيعية او القوى العشائرية او جبهة النصرة او بيت المقدس او حكومة قطر او ال سعود او أردوغان .... القضية ليست اسماء بل المحتوى السياسي لاعمال تلك القوى.... يتصارعون فيما بينهم لحسم الدولة في العراق وفي سورية وفي مصر مثلا... ولك جانب هناك القوى الاقليمية والعالمية الداعمه لها.

اما بخصوص داعش. وهل يفقد توازنه او قواه وخصوصا بعض الوسائل الاعلامية تهدف الى تحجيمه اعلاميا...؟ برايي ان داعش لحد الان تتقدم وتتطور فعاليته, ولحد الان توازن القوى لصالحه. فهي لحد الأن بامكانها المناورة والهجوم المباغت كما حصل في كركوك. القوى التي تحاول ان تصور داعش كانه في حالة الانهيار هي بمجموعها اعتبرها حرب نفسية ولكسر معنويات داعش او قواتها من جانب، ومن جانب اخر ان هذه التصريحات تطلق من القوى المضادة لها. إن داعش فعلا تطورت وتوسع نفوذها حيث شاهدنا استعراضها العسكري في مصر وفي سيناء بالتحديد وسمعنا بالعملية التي قتل فيها اكثر من ثلاثون عسكريا مصريا, العملية التي على اثرها قطع الرئيس المصري في اثيوبيا وعاد الى مصر.... هذه هي الحالة.

إن قضية داعش هي قضية المرحلة الحالية بكاملها. حين اقول المرحلة الحالية اعني بها المرحلة الانتقالية التي يمر بها الراسمال العالمي لرسم والوصول نحو النظام العالمي الجديد... هذه المرحلة هي مرحلة داعش اي مرحلة الارهاب بغض النظر عن التسميات, مرحلة الارهاب وفق منظور الراسمال العالمي والقوى العالمية السائدة اي امريكا والغرب... الراسمال الامريكي بالتحديد يتطلب الارهاب في هذه المرحلة. هذه هي القضية, مثلا في مصر, امريكا تحتاج لهذا الارهاب, لتحجيم الحركة القومية العربية الصاعدة بعد اسقاط الاخوان المسلمين, ولسحب التنازلات من الرئيس المصري والقوى الحاكمة في مصر لصالح الاخوان المسلمين. أمريكا لا تريد ان ترى مصر قوية مصرا قوميا قوية.... فهذا يعني نهاية مشروعها السياسي. وايضا داعش لحد الان ترعاها امريكا وطبعا تركيا وقطر في المنطقة.. لضرب النفوذ الايراني في لبنان والعراق وطبعا في سورية ايضا... على اية حال حين تضرب الطائرات الامريكية قوافل داعش ربما, تصدر قطر دولاراتها لهم, وتركيا مخابراتها ومساعداتها اللوجستية, وفي طرف اخر تنزل الاسلحة والاموال والعتاد من السماء كــ"رميهم بحجارة من سجيل"... هذه هي الوقائع التي يسجلها التاريخ في الشهور الماضية ولحد الان.

براي ان قضية تحجيم وتقزيم داعش او حتى دحرها بالكامل.. هي ليست قضية عسكرية بحتة بل انها قضية اجتماعية كبيرة تتطلب جملة من الاصلاحات الجذرية سياسية واقتصادية واجتماعية, من اولها معالجة الفقر وتخفيفه, وتوفير ضمان البطالة, وزيادة الاجور... واعادة الدعم الحكومي للمواد الغذائية الرئيسة والكهرباء والطاقة والصحة والتعليم على الاقل.. ومعالجة الفساد والاصلاح السياسي بمعنى فصل الدين عن الدولة بالكامل وعن التربية والتعليم ايضا... وتوفير الحريات الاجتماعية والفردية والمدنية على نطاق اجتماعي... هذه هو الرد القوى والمناسب للارهاب... ولكن هذا يتطلب وجود القوى البرجوازية العلمانية على الاقل الغائبة على الساحة العراقية مثلا.. مثل القوى البرجوازية مثل الاتحاد الديمقراطي الكردي في سورية الذي دافع عن كوباني بشراسة.... ويتطلب صراعا فكريا ايضا.. حيث ان العقيدة التي يفجر الانسان نفسه بها هي عقيدة لا تأريخية بمعنى الكلمة, ولكن القضية كيف بامكان هذه العقيدة ان تعمل عملها وتحشد الملايين حولها. يجب التصدي لهذا الفكر ودك اساسه الفكري.... في التحليل الاخير براي ان الطبقة العاملة هي الطبقة الوحيدة في العراق التي بامكانها ان تفشل سياسات داعش والارهاب بكامله ودحره بالكامل, هذه الطبقة يجب ان تنظم حول الشيوعية وحزبها واهدافها, وخصوصا الجزء الطليعي منها....

مقالات