فارس محمود

-ودع البزون شحمة!-*

العراق "الجديد" عراق الغرائب، عراق الاستهتار بابسط القيم، عراق الضحك باقبح الاشكال واسخفها على ذقون الناس، بلد تفوق أوضاعه الخيال في اغلب الأحيان. انه لامر ووضع مؤسف فعلا.
ترتكب مجزرة في بلدة بروانة، في ديالى، حيث يذهب ضحيتها 72 مواطن بريء اعزل من بينهم طفلان. تاتي هذه المجزرة اثر اندحار او انسحاب قوات تنظيم داعش المجرمة من هذه البلدة ودخول قوات الجيش ومليشيا "الحشد الشعبي" لتقوم بهذه المجزرة عبر اعدام هؤلاء الابرياء رميا بالرصاص. أناس نجوا من سكاكين داعش، لترديهم الرصاصات المليشياتية للسلطة ومليشياتها صرعى. السبب الأول لهذه الجريمة هو الطائفية وفقط الطائفية. المتهم الأول والاساسي في هذه الجريمة هي قوات الحشد الشعبي، قوات بدر، ومليشيا عصائب "اهل الحق". قتل هؤلاء الناس دون رحمة او إنسانية امام مراى عوائلهم، امهاتهم وزوجاتهم واطفالهم، علت هذه المجزرة الاهازيج والشعارات الطائفية البغيضة الصرف.
ولكن هذا الامر، والى هنا، لايتعدى سوى "نصف مصيبة" مقارنة بامر اخر، بمصيبة تامة اخرى! الا وهي تسمية قيادي في مليشيا جيش المهدي سيئة الصيت، زعيم لمليشيا طائفية معروف تاريخها في القتل والجريمة المنظمة، حاكم الزاملي، وان سيء الصيت هذا متهم في عام 2006 بارتكاب جرائم طائفية وقد صدرت بحقه عدة مذكرات القاء قبض، جرائم استناداً الى الهوية، تسميته بوصفه رئيس اللجنة التحقيقية في الحادث المذكور!! فكيف يمكن اخذ تعامل هذه السلطات على انه امر جدي اذن؟! انه نفسه اياديه ملطخة بدماء الأبرياء، انه نفسه من يجب ان يوضع في قفص الاتهام للرد على جرائمه التي ارتكبها بدم بارد في العراق ابان الحرب الاهلية الطائفية وعمليات الذبح اليومي التي اندلعت في 2006 - 2007 في العديد من مدن العراق على أساس الهوية والطائفة. اذ بوسع المرء ان يدرك مدى جدية السلطة القائمة في تحقيق الانصاف والعدالة وإعادة الحقوق الى اصحابها حين يكون الجلاد هو الحاكم! حين يخلع ردائه الملطخ بدماء اشرف الناس ليرتدي حلة القاضي؟! ان "استهتار" كلمة قليلة ولطيفة بحق هذه السلطة وممارساتها وقراراتها.
انه استهتار بكل القيم، بدماء الضحايا الأبرياء. ان مثل هذه الاعمال تغذي للعداء والصراع الطائفي، تعمق الهوية الطائفية للمجتمع، وبالأخص للضحية التي ترى ان مقابلها هو ذا هوية طائفية قبل كل شيء. واستنادا الى هذا الشد الطائفي وهذا الاستهتار الطائفي، يرفع الاخرون، بحجة ذلك الشد، راية الطائفية وتعميق الهويات الطائفية والاحتقان الطائفي، وبالتالي خلق الأرضية لامثال داعش والاجرام الداعشي وكل ما يسمى بالإرهاب "السني". فالارهابان يتغذيان وبقوة من بعض دون ادنى شك. كلاهما يوفران وقوداً وذخيرة للاخر. وكلاهما، كلا طرفاه، يستفيدان منه الى ابعد الحدود واقصاها، والضحية هم اؤلئك الأبرياء الذين لامصلحة لهم في كل هذا، ليس هذا وحسب، بل هم اول ضحايا هذه الأفكار والعقائد المعادية للإنسان قبل ان تكون لطائفة ما.
كيف يتطلع امر يعيش على هذه البقعة ان الحكومة "ممثله" له، ممثلة لـ"كل العراقيين". ان هذه كذبة مابعدها كذبة. هذه الحكومة التي تتحدث بصريح العبارة اليوم على ان هذه العمليات يقودها ويشرف عليها هو قاسم سليماني، رئيس قوات ومليشيا القدس الإيرانية الذي له ولايران مصلحة أساسية في تغذية الصراع الطائفي هذا وديمومة العنف والعنف المقابل. ان مجزرة بلدة بروانة هي خطوة أساسية في تعميق هذا الجرح. وان السلطة الحاكمة في العراق مسؤولة بشكل مباشر عن استمرار وديمومة هذا النزيف.
على كل انسان يتمتع بذرة من الاحترام لانسانيته ان يستنكر هذه الجريمة، وان يقف خلف الضحية ويطالب بالكشف عن هذه الجريمة، وعن من يقف ورائها، وكل الذين وقفوا وراء حدوثها وتقديم المجرمين لمحاكم دولية لارتكابهم جرائم ضد الإنسانية واعمال تطهير طائفي ونيل جزائهم. نعم، محاكم دولية. اذ ان محاكم عراق اليوم ليست محاكم، انها جزء من منظومة أوسع لذر الرماد في العيون وتزوير الحقائق وتخضع للاعتبارات السياسية وجزء من منظومة الاجرام السلطوي المنظم في العراق.
ان كان العبادي جديا في دعوته للتحقيق في هذه المجزرة، فان سبيل ذلك معلوم للجميع، ليس بامر معقد او عسير. بيد انه يفتقد الى إرادة هذا الامر. انه جزء من هذه العملية، اتى للسلطة بـ"خيراتها". ومثلما يقول المثل "فاقد الشيء لايعطيه"، وان العبادي نفسه يفتقد الى هذا الشيء. فاية لجنة تحقيقية يتحدثون عنها؟!
*
مثل عراقي معروف، "البزون" هو القط، ويقصد إيداع امانة ما لطرف غير مؤتمن به!

مقالات

فارس محمود

23/11/2015