شاكر الناصري

عسولة وعيد الحب في النجف!

"عسولة" محل لبيع الهدايا في مدينة النجف قام ببيع هدايا عيد الحب الملونة باللون الاحمر، قلوب ودببة صغيرة وورود اصطناعية وأشياء اخرى. المناسبة جميلة وتسحتق الاحتفال، ربما، كان هذا تفكير صاحب المحل المنكوب. لكن ثمة وقائع كان يتوجب عليه الانتباه لها قبل أن يتحول، شاء أم أبى، إلى رمز لعيد الحب المأساوي في النجف!

فمجلس المحافظة وعلى الأحوط وجوبا أطلق فتواه بمنع الاحتفال بمظاهر يوم الحب ومحاربة الممارسات التي تتعارض مع قدسية المدينة! وأن "مجلس المحافظة يؤيد حرية الرأي والتعبير وممارسة الحريات العامة بشرط ان لا تتنافى مع قدسية المحافظة"! كما قال عضو مجلس المحافظة هاشم الكرعاوي!!!

قرار كهذا، ينطلق من المقدس والمحرم وقداسة المدينة كان كافياً لان يشهد مركز محافظة النجف تظاهرات ساخطة وغاضبة هاجم افرادها محل "عسولة" تحت شعار "نعم نعم للحوزة"! وكان كافيا ايضا لان تمارس، الحوزة، قدرتها على التحشيد حينما يتعلق الامر بقمع الحرية والمدنية والحب!

ما الذي حدث ؟؟ ما الذي يجعل من الحب والاحتفال بيومه مثل بقية الخلق في هذا العالم عمل مستنكر يستحق الردع والعقوبة والاهانة؟ لن نذهب بعيداً في التأويل وفي تفسير السخط الذي تطفح علاماته من وجود وافواه من شاركوا في التظاهرات ضد "عسولة". انها وبكل بساطة الخشية من المدنية ومظاهرها في العراق، الخشية من تحول مظاهر تشعر الإنسان بآدميته ووجوده الحي ورغبته بممارسة حريته إلى ممارسات يومية تحول الإنسان الذي أستلبت ارادته بقوة الدين والمقدس وسطوة المؤسسة الدينية إلى كائن آخر تصعب السيطرة عليه وتوجيهه مثلما تريد تلك المؤسسة، كائن خانع وخاضع حتى لو وصل الأمر لاستراق حياته وتقديمها كقربان.

بعد 14 تموز 1958 شهد العراق موجة مد علماني ومدني، ادى إلى تحجيم مكانة المؤسسة الدينية "حوزة النجف" وافقدها القدرة على تحشيد الاتباع الذين باتت لطمياتهم تبدأ بشعارات ضد الاستبداد والاستعمار وضد الرجعية وتتغنى بالعمال وبكفاحهم ضد الاستعباد وتدعو للسلام والتآخي، مثلما افقدها الكثير من مصادر دخلها وتمويلها من خلال الخمس والنذور التي يدفعها الفقراء لرجال الدين الذين يقلدونهم أو اثناء زيارة الاضرحة في مدن النجف وكربلاء.

حينها استشعرت المرجعية خطورة الوضع، عملت على اطلاق فتواها الشهيرة " الشيوعية كفر والحاد" وقيام مجموعة من اتباعها بتأسيس حزب الدعوة الإسلامية في تموز 1959 ليكون قوة الإسلام السياسي الذي يواجه المد العلماني والمدني في العراق وقوته الرئيسية آنذاك، الحزب الشيوعي العراقي.

هل ما يحدث الان هو صراع بين قوى مدنية ودينية، قطعا لا، رغم ان هذا الصراع يدور بشكل متواصل لانه تجسيد لوقائع اجتماعية وثقافية وسياسية تدور في واقع المجتمع ، فالاحداث تختلف تماماً عما حدث في عام 1959. فالحوزة الان تمتلك قوة الحكم والسلطة وقدرة التحشيد والتجييش في العراق وإن اعلنت حيادها. لها قوى واحزاب ومليشيات وسلطة تنفذ وصاياها وفتاواها وتلتزم بها. انها جزء أساسي من مظاهر الصراع السياسي في العراق.
ربما تتمكن القوى المدنية من التعبير عن وجودها عبر مظاهر واحتفالات معينة ولكنها لن تتمكن من استعادة مكانتها وقدرتها على توجية الحشود. انها بحاجة لجهود كبيرة وللعمل الاجتماعي والسياسي،اليومي والعملي، الذي يحولها إلى قوة أساسية في الصراع الدائر في العراق.

مقالات