سمير عادل

التفنن في تسويق الداعشية في العقلية الثقافية العراقية

لقد قلنا سابقا بأن دولة الخلافة الاسلامية لم يكن ان تقوم لها قائم لو لا وجود ارضية خصبة ومهيئة لارسائها في العراق انظر "دولة الخلافة الاسلامية والجيفة والغرب" لنفس الكاتب المنشور في موقع "الحوار المتمدن". ودولة الخلافة الاسلامية تعني اقصاء اي فكر وعقيدة معارضة ومخالف للفكر الاسلامي بحد السيف. والداعشية كما عبر عنها العديد من الكتاب والمثقفين وهم على صواب، هي موجودة في الثفافة العربية والممارسات الاجتماعية اليومية والتقاليد السياسية في المجتمع الذي نعيشه. 
***
حدثان مهمان يجب التوقف عندهما حصلا في الساحة الثقافية العراقية خلال اقل من شهر، الحدث الاول هو قرار الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق ألغاء عضوية الشاعر هادي ياسين لانه حسب بيان الاتحاد "مس بكرامة الرموز الدينية"، والثاني السعي لاحراق دواوين وكتب الشاعر سعدي يوسف بسبب قصيدته الاخيرة "مصر العروبة.. عراق العجم". 
واذا ما توقفنا عند موقف الاتحاد العام للادباء والكاتب فأنه يذكرنا بقرارات النظام البعثي الفاشي وحكومة السيسي في مصر وسلطة المالكي وكل الدكتاتوريين الذين وظفوا الاوضاع السياسية والامنية لتكميم الافواه وقمع الراي والرأي الاخر، واضفاء الشرعية على الاستبداد السياسي تحت عناوين محاربة الارهاب، الوحدة الوطنية، المصالح القومية، الدفاع عن الوطن..الخ من الترهات التي بات يتقيء منها المجتمع برمته. ولم يتوقف معاقبة ياسين عند حدود الاتحاد بل طالب بعض الإعلاميين والادباء من وزارة الخارجية والسفارة العراقية في كندا القصاص من ياسين وكأنه هو اليد اليمنى لابو بكر البغدادي. ويذهب طارق حرب الذي يسمونه بالخبير القانوني لان خبرته استمدها كما شاع عنه من تشريع مع عدد من القوانيين في عهد نظام صدام حسين في قطع اذان الهاربين من جحيم حروب النظام والتجنيد الاجباري الذي يسلب الشخص كرامته وماهيته الانسانية، بأن ياسين ارتكب جريمة وعليه يجب القاء القبض عليه من قبل الانتربول وتسليمه للـ "العدالة العراقية"، ولكن لم نسمع من حرب انه طلب من الانتربول القاء القبض على فلاح السوداني وزير التجارة في عهد المالكي وايهم السامرائي وزير الكهرباء في زمن علاوي وعشرات من الوزراء الفاسدين الذين هربوا الى خارج العراق وهم يحملون حقائب ممتلئة بالملايين من الدولارات. يا ترى كل هذا يحدث صدفة؟ ليس هناك شك بأن ياسين اساء لنفسه ولشخصيه ومكانته عندما يتناول اي شخصية وبغض النظر كانت دينية او غير دينية بالسب والشتم بدل من النقد الراقي والواعي. وكان الاجدر بالأتحاد العام للأدباء والكتاب توجيه رسالة نقد له وليس طرده من عضوية الاتحاد. فالاتحاد ليس محكمة تفتيش ولا ملحق لمرجعية او مؤسسة دينية، وليس له الحق ولا لاي شخص او منظمة في استخدام نفوذه المعنوي للنيل من ياسين او غيره. المصيبة تكمن بأن اتحاد الادباء والكتاب تورط في موقف بدراية او بحماقة او بدون وعي ليتحول الى اداة استبدادية وقمعية بيد سلطة المؤسسة الدينية تحت عناوين اكل عليها الدهر وشرب. ان القضاء على داعش لا يأتي عن طريق تبجيل الدين وتقديسه، وتأليه حراسه وحماته ورموزه مقابل ادانة الطرف الاخر الذي يعتبر نفسه ممثل وحارس صحيح الدين. ان اساس القضاء على داعش والقضاء على الارهاب الفكري والسياسي والامني والاجتماعي هو في اطلاق الحريات الانسانية وتقديس حقوق الانسان وعدم المس بها تحت اي ذريعة او عنوان.
***
ان حكومة السيسي قررت وضع يدها على جميع المؤسسات الصناعية والاقتصادية، وتحويل المعارضين الى المحاكم العسكرية بدلا من المحاكم المدنية بذريعة تهديد الامن القومي. والسيسي يتذرع مثل المالكي ومثل اتحاد كتابنا بأنه في حالة حرب على الارهاب. ولكن المسألة الحقيقة تكمن في ما وراء ما يتذرع به السيسي وهو قمع كل الحركات الداعية للحرية والمساواة. وهكذا فعل المالكي بالاعلام وبالصحفيين وبالكتاب واتهم الجميع اما بالقاعدة او بالبعث.
ان تسويق مقولة "الاساءة" الى الرموز الدينية هي نفسها التي كان يسوقها نظام صدام حسين الذي اعدم المئات، لانهم قالوا عن صوره في الساحات العامة بأنها اصنام او بصقوا عليها او فقط تأملوا بها واخفوا من مشاعر انتباتهم في قلوبهم، ومع هذا لم يسلموا من محكمة الثورة حيث كانت تسوق المتهمين بتهمة "الاساءة" الى صور صدام حسين، بأنها اساءة للوطن والى رمز الامة. ما الفرق هنا بين اتحاد كتابنا ومحكمة ثورة صدام حسين؟. ان اتحاد الكتاب لم يستشيط غضبا من كل الانتهاكات التي تحدث في السجون والمعتقلات منذ الاحتلال وحتى يومنا هذا، لم يصدر بيان ادانة واحد ضد المالكي وممارساته القمعية، لم يتجرأ بشجب المليشيات وتسميتها بمسمياتها لكنه تجرأ على ادانة هادي ياسين وتسميته مثلما فعلت محاكم التفتيش بعشرات الكتاب في القرون الوسطى. 
***
والحدث السالف الذكر هو ما يقابل الحدث الاخر وهو دعوة بعض المثقفين بحرق كتب الشاعر سعدي يوسف بسبب شعره "مصر العروبة.. عراق العجم". فالتاريخ يذكرنا كم من الكتب قد احرقتها الكنيسة القروسطية وكم من الكتاب والادباء قد ابيحت دمائهم وحكم عليهم بالموت لانهم مسوا الذات الالهية مثل فولتير وروسو وديدرو ومونتسيكو... وهي نفس التهمة التي ادين بها هادي ياسين من قبل الاتحاد العام للكتاب والادباء ونفس المنطق التي يراد به حرق كتب سعدي يوسف.
لا شك ان الشعر الاخير ليوسف يثير الشفقة والرثاء، لان "العروبة" كفكر وفلسفة ومشروع سياسي واقتصادي قد فشل، وان الانتفاضات العربية في ربيع 2011 كانت استفتاء على "العروبة" التي شيدتها انظمتها السياسية بالحديد والدم على جماجم الملايين من العمال والمحرومين في البلدان العربية. وكانت ثورة ينايير في مصر قد حكمت على العروبة باقصائها عن السلطة السياسية وعن المجتمع، والتي التف الاسلاميين وبدعم من الغرب للأجهاز على تلك الثورة، ومن ثم جاء العسكر لينظم انقلابه ضد ثورة يناير لتأهيل العروبة المخصية وأعادتها الى الحكم "العروبة" التي يتباهي سعدي يوسف اليوم بها. وفي نفس الوقت ان تعبير الشاعر "عراق العجم" هو تعبير قومي شوفيني نابع من الثقافة البعثية الشوفينية التي دشنت في الحرب العراقية-الايرانية. الا ان المثير حقا هو ان الموقف الذي اتخذه بعض المثقفين من سعدي يوسف بسبب قصيدته الاخيرة، لم يتخذوا نفس الموقف عندما حرض توني بلير رئيس الوزراء البريطاني بشن الحرب على العراق واحتلاله انظر قصيدة "الشاحنة الهولندية-الخزان-76". ويبدو ان المثقفين المدعوين لحرق شعر يوسف يوافقون بلير في الحرب واحتلال العراق وفي جرائمه وتقسيماته الطائفية مع بوش الابن للمجتمع العراقي، ومحاولة ترسيخ المقولات الزائفة للتصنيفات"الشيعية" و"السنية" التي ادت بالتالي ان يقول يوسف شعره العنصري "عراق العجم". فعندما تزكم الانوف رائحة الدم وتحوم اشباح الموت على رؤوس الاحياء، فلا عجب من انبعاث الافكار العنصرية والقاذورات الشوفينية دون اي رادع. والادهى من كل ذلك فأن مثقفينا لم يغضبوا لان يوسف سلبهم تصنيفهم الانساني بل ثاروا على تصنيفهم بالعجم لانهم ببساطة يسبحون في نفس المستنقع القومي الخالي من اية تعابير انسانية. ومع كل هذا لا يحق لاحد ان يحرق الكتب لان صاحبها ادلى بأراء مخالفة ومعارضة مهما كانت. 
ان العامل المشترك بين الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق وبين المثقفين الذي غضبوا من شعر يوسف وعزموا على حرق كتبه هو اقصاء الاخر الذي اساسه فلسفة وفكر دولة الخلافة الاسلامية. 
ان هادي ياسين او سعدي يوسف ان نظموا اشعار وقصائد او تفوهوا بكلمات لا تصل الى مستوى النقد الراقي والرفيع، فهم يسيؤون الى انفسهم والى شخوصهم، ولكن ليس لاحد السلطان بمصادرة ارائهم وترهيبهم. ان الانتصار في الحرب على الارهاب وانهاء عمر دولة الخلافة الاسلامية يأتي بتخليد الانسان الذي هو اكبر راسمال كما عبر قال كارل ماركس.

مقالات