عادل احمد

ازمة الافاق البرجوازية في العراق

ان كل التعقيدات في الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق وكردستان هي انعكاس للحركات الاجتماعية البرجوازية واحزابها المتنوعة وافاقها واهدافها وربطها مع الدول الاقليمية والعالمية بحثا عن مصالحهم. ان الفوضى في الحكم، والحرب الطائفية، وتقسيم المناطق حسب الهوية ومناطق النفوذ، والاقتتال من اجل تقسيم الغنائم والثروة، وتشريع القوانين الاسلامية والرجعية، وتحويل المدارس والجامعات الى ميدان فرض افكارهم المتخلفة، وتوسيع العداء والتفرقة حسب الإيديولوجيات والمعتقدات المختلفة مع بعضهما البعض، وبالاختصار عدائهم للقيم والمباديء الانسانية. ما هي الا تعبير دقيق على افعال السياسيون البرجوازيون في العراق وكردستان. لم يستطع ان يجلب اي من تلك الاحزاب والشخصيات السياسية من حزب الدعوة والمجلس الاعلى، وعلاوي والجلبي والصدر والاحزاب الكردستانية من الاتحاد الوطني- والحزب الديمقراطي الكردستاني وحركة التغير والبارزاني والطالباني وامثالهم، والتيارات السنية والقوميين العروبيين من البعثيين والنقشبنديين والقاعدة وداعش والدوري والزرقاوي والبغدادي وامثالهم... الا هذا النموذج من الحكم وتطبيقه في العراق.

مرت احدى عشر سنة على سقوط النظام البعثي على يد امريكا وبريطانيا. ومرت احدى عشر سنة من حكم الاحزاب والحكومات التي ربطت مصالحها وافاقها مع الصواريخ الامريكية وجيشها المحتل. ومرت احدى عشر سنة من الكذب والنفاق، كذب الدول الغربية وامريكا حول الوضع في العراق ومدح تجربته الديمقراطية وحكوماته كل سنة!! مع أغماض عيونهم حول الفضائح والبربرية وعمليات القتل والنهب والتنكيل بجثث الأبرياء يوميا امام عيون العالم.. والتستر حول كل الجرائم التي لحقت وتلحق بحق الجماهير المتعطشة للحرية والرفاه في العراق. ان خلق هذا السيناريو من يومه الاول كان معروفا لدى الاحرار والشرفاء والشيوعيين ووقفوا بالضد منه محاولة لعدم حدوثه وعدم بدء مسرحيته على الواقع العراقي.

اثبتت تجربة سنوات من حكم هؤلاء الساسة البرجوازيون واحزابهم، بأنهم ليس في جعبتهم شيئا الا ما أخرجوه وطبقوه على ارض الواقع ورأينا النتيجة امام أعيننا، ورأينا أنزلاق المجتمع يوما بعد يوم نحو المستنقع نحو سيناريو اسود قاتم والخروج منه في الوقت الحاضر من اشد الصعوبات التي تواجه الجماهير المحرومة في العراق. ورأينا كيف نمت وتربت نبتة داعش والقاعدة في ظلها.. ورأينا كيف تتساقط جثث الأبرياء كأوراق الشجرة في الخريف.. وكيف تسقط القيم والمباديء الإنسانية في مستنقع حروبهم وقتالهم مع بعضهم البعض من اجل السيطرة وتقسيم الغنائم فيما بينهم.. وكيف ينهار المجتمع وبنيته المدنية وتحتل قوانين الغابة محلهما.. وكيف يحاولون بأن يصبح المجرمون والقتلة شرفاء وابطال امام عيون المجتمع.. والناس الشرفاء يتحولون  الى خونة وأعداء للديمقراطية..

ان ما قامت به كل تلك الاحزاب الحاكمة والشخصيات السياسية والدينية ومؤسساتهما في العراق وكردستان من تطبيق سياستهم طوال تلك السنوات.. نابعة من ماهيتهم الطبقية اولا والسياسية ثانية. اولا من الناحية الطبقية تجمعهم المصالح الطبقية مع متطلبات الاجابة على الازمة الرأسمالية العالمية.. والفوضى السياسية التي تتواجه الرأسماليين عالميا والخوف من انهيار نظامهم..  وبروز البلاشفة من جديد وخطف الاضواء من البرجوازية واعادة ماركس الى ميدان الصراع من جديد.. وبدورهم هذا يحاولون سد كل الابواب التي تؤدي الى رجوع الماركسية والعمال الى ميدان الصراع الاصلي. والثانية ماهيتهم السياسية.. كل تلك الاحزاب وكل هؤلاء السياسيون الاسلاميون والقوميون ما هم الا تعبيرا عن فلسفة وجودهم ونشؤهم في زمان ومكان معينين. ان نشوء كل تلك الاحزاب لم يكن نتيجة طبيعية للصراع الاجتماعي في المجتمع او نتيجة التقابل الطبقي للصراعات الاجتماعية الاصلية وحركاتها، بل كانت نتيجة محاور الصراعات الاقليمية في منطقة الشرق الاوسط وتناقضاتها. ان بروز الأحزاب الشيعية والسنية في العراق في نهاية السبعينات كانت نتيجة استلام الجمهورية الاسلامية في ايران الحكم السياسي... وبروز الاحزاب القومية الكردية ايضا كانت تريد الشراكة السياسية بمساندة القوى الاقليمية في المنطقة.. وكانت تتغذى على الصراعات والتناقضات الاقليمية. كلما اشتدت تناقضات وصراعات الدول الاقليمية كلما قوت نفوذ تلك الاحزاب وقوت تسليحها ومع انكماش الصراع يتقلص نفوذ كل تلك الاحزاب وتتهمش سياسيا.

ان الماهية السياسية لتلك الاحزاب العاملة في العراق في الحكم أو في المعارضة في الوقت الحاضر، ما هي الا تعبيرا عن ادامة صراع الدول الكبرى العالمية. يبحثون عن اهدافهم في نطاق الصراع.. امريكا من اجل الزعامة العالمية وتبعث افقهم ايضا مع متطلبات هذا الصراع. مهما حاولوا ومهما فعلوا فلن يستطعوا ان يكونوا خارج هذا الصراع.. لانهم ببساطة كانوا جزء من هذا المخطط منذ البداية. ومهما حاولوا تصليح الامور وعقد التحالفات و المفاوضات او تغير مكان الصراع من المعارضة الى الحكم او بالعكس لن يغير شيئا لاصلاح الاوضاع السياسية.. بل بالعكس تعميق الازمة يوما بعد يوم وأنزلاق المجتمع اكثر الى الهاوية والهلاك. ان الخروج من كل هذه الدائرة من وجهة نظر البرجوازية في الوقت الحاضر قريب الى المستحيل! فظهور داعش واضافتها الى الصراع الحالي في العراق تتنبأ بمستقبل مظلم وداكن اذا لم نحاول استخراج الحلول من ايدي البرجوازية ! ليس بالأمكان الخروج من الازمة السياسية الحالية الا بقطع ايادي وحلول البرجوازية واحزابها وانهاء تسلطها على رقاب المجتمع. حان الوقت لتشديد الخناق على بدائل الاحزاب البرجوازية وحلولها.. والتوجه الى ميدان الصراع بأرادتنا وبقوتنا وببدائلنا وبأفاقنا نحن العمال.

مقالات