فارس محمود

مالذي ينبغي ان "تنظف" المجتمع منه؟!

"تشعر كما لو انهم يريدون تنظيف المجتمع من امثالي. انه أسلوب فظيع للعيش"! ان هذا هو حال توربيورن، أمرؤ في التاسعة والستين من العمر دون مأوى. ليس هذا حديث أمرؤ في الصومال او ارتيريا، ولا في بنغلادش او النيبال، ولا ما يسمى ببلدان العالم الثالث او غيرها. انه وللأسف حال أناس كثر في بلد مثل السويد، حال أناس في مركز الديمقراطيات العالمية، في مركز "الحرية" و"حقوق الانسان" و"العالم المتقدم". اثمة مأساة اكبر من هذه! اثمة دليل اخر على قيح هذا النظام.

 اذ، بعد ان ينفق المرء اجمل سنوات عمره، اكثر من ثلثي عمره في الدراسة والعمل وخدمة المجتمع، "يجازى" ويكافأ" بهذا الشكل البشع؟! بعد ان انفق اجمل سنوات العمر في خلق ثروات هذا المجتمع، في انفاق افضل طاقاته وابداعاته من اجل الرقي المادي والمعنوي للمجتمع، يشعر ان هذا المجتمع كما لو انه يريد ان ينظف نفسه منه، كاي عالة، كاي نفايات، كاي شيء زائد ولا قيمة له بعد. ماذا تسمي هذا العالم، عالم الراسمال، عالم لا يرى في الانسان فائدة سوى حين يعمل ويكدح. ان تعمل، يعني ان تراكم فائض قيمة، تراكم أرباح في جيب رب العمل، وحين تكف عن ان تضخ ارباح في جيبه، لا تبقى فائدة منك في هذا الوجود وهذه الحياة. كما لو ان العالم  قد تحول الى جيب الراسمالي، جيب هذا النظام الذي يستند الى كدح العامل، باني ثروة المجتمع وخيراته.

فقط ضع نفسك في مكان توربيورن وتصور نفسك، ولو للحظة، انهم يريدون تنظيف المجتمع منك، أي شعور مرعب ومؤسف، أي شعور محبط ومؤلم. كيف يستطيع هذا العالم والمدافعون عنه ان يفسروا انه يعجز عن توفير سكن لائق لانسان رغم كل التقدم العلمي والتكنولوجي الخرافي الذي تشهده البشرية؟! المسالة، وببساطة متناهية، هي ليس الانسان من أولوياته. لو كان من أولوياته لما اقتضى أي شيء يذكر للرد على هذا الامر. 

ان صلب أولوياته هو تراكم الارباح والانتفاخ المتزايد لجيوب الراسماليين. لا أولويات له غير ذلك. للأسف، ولهذا فانه عالم ونظام غير لائقين بالبشر، بكرامة الانسان وسموه. ان رد المجتمع على كبار السن ينبغي ان يكون التالي: ان هذا العالم مدين لكم، مدين لكدحكم، بني اركانه وتطوره ورقيه على جهدكم وسعيكم، حانت الان مسؤولية هذا المجتمع تجاهكم، حان الان دورنا في رفاهكم وسعادتكم وطمانينتكم والسهر على راحتكم! بيد ان لا احد ينتظر هذا من هذا العالم المقلوب الذي حتى تقاعد العامل والكادح قد انتزع مقدما من مرتبه، وقبلها دفع هو نفسه نفقات دراسته ومؤهلات العمل لدى الراسمال. في هذا العالم المريض فعلاً، يدفع المرء من اول يوم عمل له ضريبة (1% من الراتب الشهري) اسمها ضريبة الدفن، ضريبة دفنك، فاي وحشية اكثر من هذا بعد. 

الادهى من هذا وذاك، تتعالى أصوات المدافعون عن هذا النظام وتقول: "لقد وجدنا الحل"! انه في تلك البلدان من أمثال العراق وايران والسودان وغيرها، (وتداهمك الأفكار فوراً أي حل هذا وجدوه في تلك البلدان، تسمع انه نظام التكافل الاجتماعي وشبكات التكافل الاجتماعي! أي ابتذال هذا ان تعود انظارك الى تاريخ طوته البشرية منذ عقود مديدة في اوربا ومايسمى ببلدان العالم المتقدم. نظام التكافل الاجتماعي وشبكات التكافل الاجتماعي هي الاسم الرمزي لاثقال العمال والعاملين والكادحين بنفقات اعالة المحتاجين، أي تخلي الدولة والمجتمع الصريح عن مسؤوليتهما والقائها على كاهل العامل والكادح وأصحاب الدخل المحدود. أي ان مسؤولية طعامك ودوائك وصحتك تقع على عاتق ابنتك او ابنك او احد ما من افراد العائلة. كل هذا من اجل ان لا يُنتَقَصْ من أرباح الراسماليين.

ان سؤالا بسيط يطرح نفسه، لماذا بعد كل هذا الكدح والشقاء، وبعد كل هذه التضحيات من اجل خدمة المجتمع، علي ان اعود الى ابني وابنتي كي يتكفلوا معيشتي ودوائي، لماذا تمتهن كرامتي بانتظار كرم الاخرين و"فضل" هم، ولماذا احتاج "فضل" احد علي و"منّة" احد ما حتى ولو كان اعز افراد عائلتي؟! لماذا لا اقف "على طولي" مثلما يقولون ولا احتاج احد؟! اي بؤس بلغه هذا العالم "المتقدم"! بحيث لم تبقى في جعبته سوى العودة لعصور وتقاليد واخلاقيات طواها الزمن.

هل المجتمع عاجز عن ذلك، لا يفتقد المجتمع إمكانيات حياة مفعمة بالرفاه والراحة والطمانينة لكبار السن، لكن ما يفتقده هو فعلا هو هذه الأولوية. ان مجتمع يشعر فيه توربيون انهم يريدون تنظيفه منه هو مجتمع ينبغي تنظيفه وتطهيره فعلا، تطهيره من نمط انتاج وعلاقات واولويات واهداف الراسمال ونظامه البغيض.

مقالات

فارس محمود

23/11/2015