ريبوار احمد

كوباني انتصرت حتى لو سقطت الآن!

أربعون يوماً نساء ورجال كوباني في حرب ومقاومة قل نظيرها في التاريخ من أجل الدفاع عن كرامتهم وإرادتهم وحياتهم مقابل هجوم القوات الكبيرة المدججة بالأسلحة لعصابات داعش الإسلامية. في الايام الأولى لبدء هذه المقاومة الشجاعة، راحت ماكنة الدعاية الرسمية والحكومية تروج في كافة أرجاء العالم أن سقوط كوباني هو أمر حتمي وأن المسألة هي مسألة وقت فقط، اليوم أو غداً او.. وفي الحقيقة فإن هذه هي رغبة تلك الماكنة وأمنيتها. من منظار تلك الدعاية يجب ان تسقط كوباني كي تتحول الى درس لإخضاع الجماهير وتحطيم اية إرادة لمقاومة جماهيرية مستقلة او مناهضة للسلطة والقوى المتسلطة. 
ليس أمام جماهير كوباني سوى سبيلين أما تكرار مأساة سنجار، أو التصدي الشجاع لمقاومة المأساة الانسانية وابتداع أمر عظيم لكل البشرية التقدمية. وقد اختارت الجماهير السبيل الثاني بإرادة فولاذية، وهو خيار صعب جداً ويعبر عن شجاعة قل نظيرها. حيث بوسعنا القول اليوم ودون تردد أن كوباني انتصرت، رغم أنها لم تنجو من الخطر حتى الآن، ولكن بعد أربعين يوماً من التصدي وتمريغ أنف داعش الإسلامية الهمجية التي ارتعبت منها حكومات ودول المنطقة بالتراب، فإن كوباني قد انتصرت حتى لو سقطت الآن وقدمت مثالاً قل شبيهه ملهماً للبشرية التحررية كلها. وحين أقول أنها انتصرت حتى لو سقطت الآن فإنني لا أتفاخر بذلك دون أي أساس، لأنها إذا سقطت سوف لن تتكرر مأساة سنجار، ولن يتم اقتياد عشرات الآلاف من الشيوخ والشباب والأطفال الذين يعانون من البرد والحر والمجاعة والعطش في السهول والوديان الى الموت، ولن تتم المتاجرة بالآف النسوة في سوق النكاح الإسلامي، وتحولت المقاومة الآن الى عمل ممكن، وتوجهت صفعة للذي يقول أن ليس باستطاعة الجماهير القيام بأي شي من دون أمريكا والحكومات والقوى العظمى، وانهارت الأسطورة القائلة بأن “داعش لن تنهزم، ولا يستطيع أي سلاح متقدم هزيمتها، ولن تتراجع” على يد إرادة نساء ورجال كوباني، وبرهنت النسوة في تجربة ثمينة وكبيرة أن ليس بوسعهن القيام بدور بارز في ميادين الحرب والمقاومة والنضال المسلح فقط، بل وكذلك بوسعهن كسر شوكة تلك العصابات الإسلامية التي لم يستطع الجيش العراقي ورجالات زريفاني (القوات الخاصة التابعة للبارزاني) مقاومتها لدقائق في سنجار. الآن وبعد الشجاعة التي جسدتها نساء كوباني أمام أنظار العالم، من الصعب التصور أن مكان النساء سيظل خالياً في معركة المقاومة إذا ما هاجمت في المستقبل عصابات داعش الإسلامية مدينة كركوك أو خانقين. ومن الصعب الآن التصور أن النساء في مستقبل كوباني ستخضع للاستعباد والذكورية دون أن يحدث أي تغيير كبير بهذا الصدد. ما برهنت عليه جماهير كوباني عملياً للعالم كله في هذا الميدان خلال الأربعين يوماً، ربما كان من الصعب أن يترسخ لدى الناس خلال 10 أعوام من العمل السياسي والتنظيمي والتثقيفي الجدي. ولهذا فإن كوباني قد انتصرت الآن.
تاريخ ما قبل كوباني وما بعدها تاريخان مختلفان وسيظلان تاريخين مختلفين. تاريخ ما قبل مقاومة كوباني هو تاريخ هروب الجيوش والقوى الحرفية المدججة بالسلاح أمام الهجوم الإسلامي الدموي، تاريخ خلق الاساطير عن جسارة وصمود جلادي الخلافة الإسلامية وأسلحتهم المتقدمة، تاريخ مآسي الموت والفناء الجماعي للشيوخ والأطفال والشبيبية المدنيين، تاريخ السخرية من حقيقة أن الجماهير المسلحة والمنظمة وذات الإرادة هي الضمانة الوحيدة للحفاظ على المواطنين وممتلكاتهم وفي نفس الوقت إعادة الإرادة للجماهير...غير أن تجربة كوباني أعادت وقلبت كل ذلك، وتاريخ ما بعد مقاومة كوباني الشجاعة هو تاريخ المقاومة وتاريخ تحطيم أسطورة "صلابة وصمود" العصابات الإسلامية وإحياء ثقة الجماهير بقوتها وبإرادتها وبالدور البارز للمرأة.

كوباني والحركة القومية الكردية

ليس ثمة أكثر ظلماً من أعتبار كوباني جزءاً من الحركة القومية الكردية والتقاليد القومية الكردية وجعل ذلك دليلاً للتقليل من الأهمية الثورية لكوباني. وحتى أن مسألة وجود حزب مثل حزب الاتحاد الديمقراطي‎ الذي أتخذ دور المنظِّم لهذه الحرب وبمعزل عن كل اختلاف سياسي لي مع هذا الحزب فإنني امتدح هذا الدور وأعتبر أن الأمر الواقع وضعه داخل حدث كان مختلفاً حتى ألان عن تقاليد الحركة القومية الكردية، ولذلك من الواضح ان هذا الحزب وهذا التيار المحدد يتقوى بهذا الحدث، ومع ذلك فإن هذه المقاومة الشجاعة برمتها لا هي ملك لأي حزبٍ ولا هي ملك للحركة القومية الكردية. هذه الحرب والمقاومة الجماهيرية مقابل الوحشية الودموية الإسلامية للحفاظ على حرمة وكرامة وحرية وحياة هؤلاء البشر وللحفاظ على الإنسانية، وهذا هو سبب هذا الحضور الميداني الشجاع والتضحية المنقطعة النظير التي عبرت عنها نساء ورجال كوباني، وليس القوموية والتعصب القومي. وبالرغم من كل المساعي التي بذلتها الحركة القومية الكردية في كل أجزاء كردستان الأربعة كي تضفي طابعاً قومياً على هذه المقاومة، إلا أن تصريحات محاربي كوباني لوسائل الإعلام تؤكد على الدفاع عن الحرية والكرامة وحتى عن الإنسانية على حد قول إحدى النساء المقاتلات.
إنني أعتبر التحليل القائل أن كوباني قوت النزعة القومية الكردية وبعثت تقاليد التعصب الکردي تحليلاً خاطئاً وأحادي الجانب. الحقيقة هي أن كوباني وجهت وتوجه الآن ضربة كبيرة للتقاليد القومية الكردية التي كانت دائماً تحتضن الإسلام والخرافات الإسلامية والإسلام السياسي. وجهت ضربة للتقاليد الإسلامية الرجعية وتقاليد الجهاد والنكاح والفساد والإرهاب الإسلامي التي كانت الحركة القومية الكردية تنافق بصددها دائماً. في نفس الوقت أزاحت الستار عن مسؤولية الحركة القومية الكردية عن مأساة سنجار ومناطق كردستان والعراق الأخرى ولم تبقِ سوى الخزي للقوى القومية الكردية التي كان سلطة وتجربة كردستان العراق مبعث فخرها بعد جمهورية مهاباد. إرادة الجماهير وحضور النساء والرجال جنباً الى جنب لصناعة مستقبلهم، التأكيد على الهوية الإنسانية وليس القومية، والتصدي دون مساومة للرجعية والبربرية الإسلامية... هي جزء من تلك التقاليد المتناقضة مع التقاليد القومية الكردية.
في الحقيقة إنني أعتقد بالعكس من ذلك حيث أرى أن جميع القوميين الكرد الذي اعتبروا حكومة الاقليم كعبتهم هم الخاسر الثاني في هذه الحرب بعد داعش. عدا أن هذا الأمر ألقى بجميع زعيق الحركة القومية الكردية الحاكمة كطحين فوق الشوك بخصوص أن عدم التوازن في السلاح بين البيشمركة وداعش هو السبب في هزيمتهم في سنجار والمناطق الأخرى. وقد وضع مسؤولية التراجيديا التي استطاعت داعش خلقها في سنجار على كاهل حكومة الحركة القومية الكردية. إن الحركة القومية الكردية متمثلة بحكومة الإقليم وأؤلئك الذين كانوا يتفاخرون بهذه التجربة كانوا الخاسر الثاني لأنهم حلموا بسقوط كوباني سواء من أجل أن لا تنجح تجربة المقاومة الجماهيرية بحيث تبقى أنظار الجميع مسمرة الى البيشمركة ولا تتلوث أسطورة البيشمركة بهروبهم من سنجار وأماكن أخرى، أو لأنه من الأفضل لهم إما أن يلحق بالمجتمع بالدمار أو يكون خاضعاً ولا ان يكون بيد حزب حتى ولو كان من نفس الحركة بيد انه منافس لهم في قسم آخر من كردستان. 
وبعكس القائلين أن إرسال الأسلحة وقرار برلمان كردستان بإرسال البيشمركة الى كوباني، هو قرار تاريخي ومبعث فخر الحركة القومية الكردية، وتحديدا ان هذا القرار الحقيقة مصدر لطأطأة الحركة القومية الكردية لرأسها. لقد شهدت كل جماهير كردستان أن جماهير العالم التحررية من أفغانستان الى أوروبا وحتى الأرجنتين التي اندهشت من مقاومة جماهير كوباني، جميعها أغاثت جماهير كوباني قبل السلطات الكردية والقوى العظمى كثيراً، وقد نزلت تلك الجماهير الى الشوارع من أجل المساندة الشديدة لجماهير كوباني وتحولت في الحقيقة الى عامل ضغط على السلطة الكردية والدول العظمى كي لا يكونا مشاهداً للإبادة الجماعية لجماهير كوباني. علاوة على كل ذلك فإن حكومة الإقليم، طالما كانت تتطلع لسقوط كوباني، كانت مشغولة باختلاق الحجج الفارغة للتنصل عن مساندة كوباني. ولفترة كانت تدعي أنها سترسل وفداً للاطلاع على أوضاع كوباني التي كان العالم كله على أطلاع عليها! وأي وفد كان؟ حيث أن أغلبه من ممثلي الجماعات الداعشية الكردستانية. وبعد ذلك جلبوا لعبتهم الى البرلمان للقرار عليها… وفي الحقيقة كان قرار ما يسمي بمساندة كوباني قد تم اقرارە-;---;-----;--- حين حققت كوباني النصر، وبهذا راحت القوى القومية الكردية الحاكمة المفضوحة تحاول سرقة وتسجيل انتصار كوباني باسمها، وكان إرسال البيشمركة لهذا الغرض لا لغرض الدعم والمساندة. لأربعة أسابيع و“الأخوة” القوميين الكرد لم يرسلوا حتى ولو رصاصة واحدة لدعم “أخوتهم” حين كانت كوباني محاصرة من قبل الوحوش الإسلامية المجرمة في الوقت الذي نزلت فيه الجماهير التحررية الى الشوارع في كافة أرجاء العالم لمساندة ودعم كوباني. لذا فإن كوباني ليست بمبعث فخر لهم، بل إنها مبعث خجل لأولئك القوميين الذين كانوا يفتخرون بحكومة الإقليم. وإذا ما تكررت هذه التجربة الجماهيرية الثورية غداً في كردستان العراق، فإنها ستكون خطوة كبيرة في سبيل إخراج الوضع تماماً من يد الحركة القومية الكردية.

أمريكا وحلفائها
ما هو الأكثر ظلماً من أعتبار أمريكا التي قامت بالإبادات الجماعية في كافة أنحاء العالم، الدولة المتغطرسة التي تقف خلف عشرات الكوارث والمآسي والبربرية، منقذاً لجماهير كوباني. أمريكا وحلفائها كانت تمهد بالترويج أن كوباني ستسقط وبهذا يتحول خطر داعش أكبر على المنطقة والعالم، وهذا سيكون كما خطط أوباما سيقدم ذريعة حرب وعسكرتارية لثلاث سنوات بيد أمريكا، كي تضطر دول المنطقة الدخول تحت جناح أمريكا وتحويل المنطقة ساحة للحرب والغطرسة من أجل مصالحها وأهدافها الرجعية والمعادية للإنسانية. غير أن مقاومة كوباني فاجأت أمريكا وحولتها الى خاسر آخر في هذه الحرب. ثم لم يكن ممكنا أن تكون أمريكا مشاهداً لمحاصرة داعش لكوباني وسعيها للقيام بمجزرة كبير في الوقت الذي تشكل هي فيه تحالفاً عالمياً كبيراً باسم محاربة داعش. خصوصاً وأن العالم انتفض ضد هذه البربرية، ولهذا اضطرت أمريكا ارتداء قناع الدفاع عن كوباني وحركت طائراتها بالأدعاء أنها تحاول بكل طاقاتها من أجل التصدي لسقوط كوباني. ولكن كيف يمكن أن نصدق أن نفس هذا الهجوم الجوي الذي حطم في ظرف 3 أسابيع كل القوة العسكرية لنظام شرس مثل البعث عام 2003، يعجز الآن بكل ما لديه من قوة استخدمها عن حتى ولو أخذ المبادرة بالهجوم من داعش! فلو كانت هذه الهجمات هي حقاً بغرض إلحاق الهزيمة بداعش والتصدي لسقوط كوباني، ولو كانت عصابات داعش هي “الرجل الحديدي” لذابا الآن من هذه الهجمات. إن أمريكا وحلفائها يلعبون لعبة حقيرة بقضية كوباني وداعش ومصير جماهير العراق وكردستان وسوريا، ففي الوقت الذين يُظهِرون فيه أن قلوبهم محترقة بسبب المجازر التي تقوم بها داعش وأنهم يحاولون بكل طاقاتهم لاجتثاث هذا الخطر الذي يضخمون من حجمه بشكل مقصود، فإن من الجانب الآخر هناك دول متغطرسة ومجرمة مثل تركيا والسعودية وقطر تعد عميلة لأمريكا تساعد داعش بكل الأشكال، ولم يكن رد فعل أمريكا أو الحكومة القومية الكردية إزائها أكثر من عتاب ناعم وودي. انتصار كوباني هو أيضاً خسارة كبير لأمريكا وتركيا، فقد دمر مخططاتها وكسر هيبتها. لذا فإن أمريكا وتركيا والحكومة القومية الكردية في سعي عابث من أجل سرقة انتصار كوباني. فالهجمات الجوية الأمريكية الفارغة والقرار بإرسال البيشمركة وقبول تركيا بمرور هذه القوات على أراضيها، جميعها مخططات ثلاثية الطابع من أجل سرقة مكاسب انتصار كوباني.

* * *
تشكل كوباني كتجربة مهمة جداً وحافلة بالدروس والمكاسب مصدر فخر للإنسانية ولكل حركة تريد أعادة الإرادة الى الإنسان، تريد جعل التغيير وصياغة المصير والمستقبل بيد الإنسان نفسه أمراً ممكنا، تريد كسر شوكة البربرية والنكاح والجهاد والفساد والإرهاب الإسلامي، وتريد الهزء بغطرسة أمريكا وحلفائها وصنائعها وألعابهم الحقيرة. كوباني هي مبعث فخر لكل الذين يهمهم خلاص الآلاف من النساء من الفساد والنكاح الإسلامي، يهمهم عدم تكرار مأساة سنجار التي تحولت من جانب الى مأساة بالنسبة لمئات الآلاف من البشر وتحولت الى موضوع لمساومات الأحزاب القومية الكردية وغطرسة أمريكا من الجانب الآخر…، وبهذا المعيار أعتبر كوباني على قدر كبير من الأهمية ومبعث فخر كبير بالنسبة للشيوعية. والدرس الأكثر أساسية من هذه التجربة هو أن على جماهير العراق وكردستان التي تواجه خطر بربرية داعش أن تتعلم الدرس من كوباني. ومن المؤسف أن مكان الشيوعية في كوباني كان خالياً، غير أن جماهير العراق وكردستان لا ينبغي أن تظل على هذه الحال، فوظيفة الشيوعية وأحزابها أن تسلح وتنظم جماهير النساء والرجال وتعدهم للقضاء على داعش والقضاء على أسطورة أمريكا وإنهاء التردد الكارثي بعد فرار الجيش العراق والبيشمركة.

أواخر تشرين الأول 2014

مقالات