مؤيد احمد

الاحتجاجات العمالية في قطاع الصناعة في العراق موقعها، تحدياتها وآفاقها

                                                                                         
بدء العمال في الشركات التابعة لوزارة الصناعة (قطاع الصناعة) في عديد من مدن العراق بالاحتجاجات والتظاهرات ومنذ اكثر من اسبوعين ضد قطع الرواتب وسياسة التمويل الذاتي للشركات والخصصة ومخاطرتسريح العمال والاحالة المبكرة على التقاعد التي تريد حكومة العبادي اجرائها. كما وقام  العمال اليوم الاثنين 1 دسيمبر 2014  بتظاهرات جديدة حاشدة في بغداد، الكوت، الحلة ومدن اخرى. سجل العمال في هذا القطاع خلال الفترة السابقة ومنذ 2008 تاريخا حافلا بالنضالات ضد سياسات الحكومات المتعاقبة في العراق وهجماتها على اجور العمال وفرص عملهم ومعيشتهم بالرغم من منع السلطات لتنظيم العمل النقابي المستقل في هذا القطاع الحكومي.

يواجه العمال في قطاع الصناعة حاليا سياسة وستراتيجية مخططة ومدروسة من قبل الحكومة والاحزاب والتيارات الحاكمة وبالتالي ان الاحتجاجات العمالية الحالية في القطاع الصناعي تواجه مهاما ملحة وخطيرة وعدوا شرسا يعرف بدقة تفاصيل هذه المواجهة وكيفية استخدام المناورة والخداع واستخدام خبرة البرجوازية العالمية في ميدان هذه المعركة. غير ان هذا لا يكمل المشهد اذ ان الوجه  الاخر له هو ان نفس هذه المعركة وشدتها واهمية الانتصار فيها بالنسبة للعمال وتاثيرها على صعيد المجتمع ستجذب قطاعات اوسع من العمال الى ميدان المعركة وتقوي همتها واصرارها وحزمها.

لماذاهجوم الحكومة في هذا الوقت بالذات؟

من الواضح ان جميع القوى السياسية البرجوازية وتياراتها واحزابها الاسلامية والقومية في الحكم، وبالتنسيق مع ممثلي البرجوازية الامبريالية العالمية في الصندوق النقد الدولي، تحاول استغلال الفرصة المواتية الحالية الناجمة عن الازمة المالية الراهنة في العراق او حسب تعبير حيدر العبادي " الازمة النقدية " لشن هجومها الواسع والمخطط على الطبقة العاملة في هذا القطاع وقطع رواتبها وتنفيذ سياسات التقشف وتقليص دور الدولة في توفيرالخدمات وغيرها من الاجراءات. انها سياسة متبعة ومعروفة بالنسبة للطبقة البرجوازية العالمية وحكوماتها بانها تستغل ظروف الازمات الاقتصادية وصعوبات الحياة بالنسبة للجماهير واوضاع الحروب لتنفيذ تلك السياسات المتميزة بعدائها الفاضح ضد الطبقة العاملة والجماهير المحرومة والتي لا يطيقها ولا يرضخ لها العمال والكادحين عادة في الاوضاع العادية. انه نفس هذا الخداع البرجوازي وهذا العداء السافر ضد العمال والكادحين ذلك الذي تمارسه الان الحكومة والبرلمان الحالي في العراق وتريد ان تطبق على صعيد البلاد جملة من السياسات والخطط وفق منهج "الليبرالية الجديدة" الاقتصادية .

السياسات "الليبرالية الجديدة" الاقتصادية

والنظام السياسي في العراق

باتت البرجوازية العالمية وفي خضم ازمة الراسمالية العالمية الحالية المستمرة منذ سنة 2008 تدفع بشكل اشرس من ذي قبل بتطبيق سياسات الاقتصادية البرجوازية المعروفة بالسياسات الليبرالية الجديدة (نيوليبرالية) في كل بلدان العالم. يتمحور هذا الهجوم البرجوازي بالاساس على تنفيذ  جملة من السياسات والاجراءات المناهضة حتى النخاع للطبقة العاملة والجماهير المحرومة عموما خدمة لتسهيل حركة راس المال وتراكمه. ان هذا الهجوم البرجوازي على مكتسبات الطبقة العاملة والجماهير يركزعلى اطلاق الاسعارمن ضمنها اسعار المواد الغذانية والوقود، ازالة اي عائق امام السيطرة التامة لآليات السوق الراسمالي، قطع الخدمات الاجتماعية وتقليص دائرتها، قطع الدعم الحكومي للاسعار، ايقاف التمويل الحكومي للمشاريع الاجتماعية الخدمية، قطع دعم الحكومي لطلاب الجامعات، خصصة القطاعات الصناعية والخدمية والنقل والصحة والقائمة تطول.

مع ارساء النظام السياسي البرجوزاي الجديد في العراق بعد حرب امريكا على العراق وسقوط النظام البعثي الفاشي، باتت الابواب مفتوحة على مصراعيها لتنفيذ وتطبيق هذه السياسات البرجوازية الراسمالية على ايدي النظام السياسي البرجوازي المحصصاتي الذي تديره وتتحكم به تيارات الاسلام السياسي السني والشيعي والقوميين العرب والاكراد. لم تتوقف الحكومات المتتالية في العراق، في خضم اوج الازمات والماسي التي كانت ولا يزال يمر بها العراق، من اغتنام ادنى الفرص لتطبيق هذه السياسة ونسف كل ما هو باق من التزام الدولة تجاه المواطنين في ميدان تقديم الخدمات واستغلال الفرصة للقيام بسن القوانين لصالح الاستثمار الراسمالي والسعي لفرض قانون عمل مناهض للعمال واتخاذ الاجراءات لتسهيل عملية تراكم راس المال.

 مواجهات الحركة الاحتجاجية العمالية الحالية

تصطدم الحركة الاحتجاجية العمالية الحالية من حيث الاساس بسياسة الطبقة البرجوازية وممثليها السياسيين في العراق التي تريد تنفيذ سياسات الاقتصادية "الليبرالية الجديدة" بحذافيرها. وبالتالي ان هذه الاحتجاجات في مواجهة مباشرة مع مختلف تيارات البرجوازية  للاسلام السياسي والقوميين الحاكمة التي تحمل الافق الاقتصادي " الليبرالي الجديد" في ميدان الاقتصاد وتتفق فيما بينها جميعا على الهجوم على العمال وكنس كل ما يمكن ان يخلق الانطباع بمسؤولية الدولة والحكومة تجاه الطبقة العاملة والمواطنين بشكل عام. ان هؤلاء الحكام وكذلك اضرابهم في المعارضة لا يمكنهم ان يكونوا غير ذلك، لا يمكنهم الا ان يكونوا صفا طبقيا واحدا بوجه الطبقة العاملة عندما تتعلق الامور بالارض الواقع وبالعالم الاقتصادي الواقعي الذي يحركه التناحر الطبقي بالاساس. ان هؤلاء الحكام وامثالهم في المعارضة تيارات سياسية برجوازية اسلامية وقومية يعملون وفق ما يحرك الحياة الاقتصادية المتناحرة للبشرية المعاصرة وللمجتمع العراقي كذلك. ان هذا الصف البرجوازي الموحد هو الذي يريد ان يقطع رواتب العمال ويخصخص الشركات ويهاجم على كل ما هو متعلق برفاهية الانسان وينسف فرص عمل العمال وكل ما هو متعلق بتطلعاته التحررية والتقدمية، انه ماض لا محال وبدون اي عائق فكري في تنفيذ السياسات "الليبرالية الجديدة" الاقتصادية بكل بابعادها.

ان من يخلق الوهم بان هذا او ذاك الحزب اوالتيار البرجوازي في الحكم او المعارضة سيكون اقل بطشا وبائسا في تنفيذ هذه السياسات الاقتصادية انما يهمل بشكل كارثي التجربة المرة والمدمرة للطبقة العاملة ليست على صعيد العالمي فحسب، بل على صعيد المنطقة كذلك. ان هذا الهجوم البرجوازي على عمال قطاع الصناعة وعلى الطبقة العاملة عموما هو النمط السائد في كل مكان وهو الخيط الذي يربط جميع القوى المجتمعة في العملية السياسية والبرلمان العراقي كذلك. كما ان الاصلاحيين والشعبويين ليسوا باهل هذه المهمة الصعبة التي تواجهها الطبقة العاملة اذ ان هؤلاء سيتركون الطبقة العاملة في منتصف الطريق ولا يستطيعون ان يديموا المسيرة الى الانتصار لان مهمتهم بالاساس ليس كسب الانتصار للطبقة العاملة بل اجهاض راديكالية الحركة وايقافها في منتصف الطريق وحبسها في اطار الاصلاحات الجزئية.

 النتائج الكارثية لهجمات راس المال على العمال

ان ما يجري الان من قطع الرواتب وتطبيق سياسة التمويل الذاتي للشركات هو مجرد بداية ومع كسب درجة من الاستقرار السياسي البرجوازي في العراق سيكون هذا الهجوم كاسحا وشاملاونتائجه ستكون كارثية بالنسبة للطبقة العاملة والكادحين والاجيال القادمة من هذه الطبقة. انها بداية حملة راس المال لتحويل العراق الى سوق مربح له وعملية تراكمه على حساب فرض اشد ظروف الاستغلال الاقتصادي الراسمالي على العمال وتقليص او قطع الخدمات الاجتماعية والدعم الحكومي للاسعار وغيرها. انها بداية عملية جديدة لخلق جيش العاطلين والعاطلات عن العمل على مقياس واسع وضخ من تجردوا من وسائل الانتاج في الارياف والمدن الى السوق العمل وتوفيرشروط الاجورالمتدنية للربح الراسمالي على ارضية راسخة. ان تجربة العقود الماضية من نمو الراسمالية المطرد ضمن اطار العولمة والسياسات الاقتصادية "النيو اليبرالية" دفعت بالطبقة العاملة والجماهير المحرومة في كثير من البلدان في شرق الاوسط من ضمنها  تونس ومصر الى الوقوع في مصيدة الفقر، البطالة، البؤس الاقتصادي والاجتماعي، التراجع المادي والمعنوي المفروض على الجماهير المحرومة، اتساع الهوة الواسعة بين الغني والفقير، بين مالكي وسائل الانتاج ومن حرموا منها، وفرض التراجع على المراة وغيرها من الماسي التي تراكمت خلال 3 عقود من نمو الراسمالية في خضم العولمة وتطبيق سياسات "الليبرالية الجديدة" الاقتصادية.

 المليكة الخاصة البرجوازية لوسائل الانتاج

وملكية الدولة الراسمالية لها والاحتجاجات العمالية الحالية

ان الملكية مهما تكن شكلها ليست شئ جامد انما هي علاقة اجتماعية تناحرية كما يشرحها ماركس. ان طرح احادي الجانب للملكية البرجوازية بدون التطرق الى بعدها الاخر الذي هو الطبقة العاملة واحتجاجتها ونقدها للعلاقة ليس الا تفكير غير عمالي وغير علمي اذ لا تساعد الاحادية على فهم الظاهرة. ان النضال الطبقي للعمال هو الوجه الثاني للمكلية الراسمالية مهما تكن شكل هذه الملكية الراسمالية اي الراسمالية الخاصة او راسمالية الدولة. ففيما يخص الحركات الاحتجاجية العمالية الحالية في شركات وزراة الصناعة في العراق، واضح انها حركة احتجاجية ضمن اطار شكل ملكية الدولة لوسائل الانتاج وهي حركة ضد مساعي الحكومة بتسريح العمال والقيام بقطع رواتبهم. انها قبل ان تكون حركة بالضد من او لصالح شكل من اشكال ملكية راس المال، احتجاج اجتماعي ضمن اطار مكلية راس المالية الدولة لفرض اصلاحات على الحكومة وعدم افساح المجال لرواتبها ان تنقطع وتسرح من العمل. هناك تيارات برجوازية داخل الحركة العمالية تريد ان تلحق مطالب معينة بهذا النمط من الاحتجاجات لقولبتها في قالب اصلاحي ويكمل بها نظامها الاصلاحي مثل منع "استيراد المنتوجات الاجنبية" او وضع الضرائب عليها كي تشجع المنتوج المحلي و"الوطني" وما شابه ذلك ضمن الدفاع عن بقاء سيطرة البرجوازية والنظام السياسي البرجوازي. ان هذا النمط من المطالب لا ربط لها بالحركة الاحتجاجية الحالية وتختلف جذريا عن مطلب العمال بالتمويل المركزي للشركات والغاء التمويل الذاتي وضمان بقاء  روابتهم و عملهم.

بمعزل عما تتخذه الصراع الجاري والاحتجاجات العمالية الحالية من الاشكال في مسار تطورها فانها تتمحور حول الدفاع عن معيشة العمال وعملهم واجورهم التي يتم تحقيق تلك المطالب عن طريق الغاء سياسة التمويل الذاتي ومنع الخصصة وفرض التمويل المركزي للشركات، اي بتعبير اخر، ان العمال في هذا الصراع  يدافعون عن الابقاء على شكل ملكية الدولة لوسائل الانتاج في هذا القطاع لا للدفاع عن هذا النوع من الملكية بل للدفاع عن حياتهم وعملهم ووسائل عيشهم بالاساس. اذ انه من المعروف، ان العمال بحكم موقعهم في الانتاج، في حالة سيادة الافق الاشتراكي داخل صفوفهم، يريدون ان تكون الوسائل الانتاج اجتماعية اي ملكا للجميع وليس ملكية لاحد او للدولة البرجوازية وآلتها البيروقراطية. انهم يريدون ادارة الانتاج عن طريق الحكومة العمالية كي تؤهل الارضية لالغاء الملكية وتلاشي الدولة نفهسا.

ان خصصة قطاع الصناعة التابعة للدولة وتطبيق السياسة "النيو الليبرالية" الاقتصادية عموما على صعيد المجتمع تعني القاء ضربة كبيرة للطبقة العاملة في العراق. ان خصصة هذا القطاع ليست مجرد عملية شكلية وتحويل في الملكية من الدولة الى الراسماليين انما هي فرض حالة الفقر والبؤس الاقتصادي والدمار وفقدان العمل بالنسبة للعمال.

موقع هذه الحركة الاحتجاجية

على صعيد المجتمع

ان هذه الحركة الاحتجاجية لعمال قطاع الصناعة ستقوي الحركة الاحتجاجية على صعيد المجتمع ضد سياسات التشقف كما وستلقي بضربة قوية للتعصب القومي والطائفي والتقسيمات والصراعات الجارية على هذا الصعيد في العراق. ان الانعكاس الاجتماعي لسياسة التشقف سيكون مدمرا بالنسبة لقطاعات واسعة من الطبقة العاملة والكادحين والفئات المحرومة في المجتمع. بالاضافة الى الاثار الاقتصادية لسياسة التقشف فان آثارها غير المباشرة ستكون مدمرة كذلك اذ انها ستؤدي الى المزيد من فرض التراجع على المراة وسلب حقوقوها وحرياتها. كما انها ستوسع من رقعة الفقر والبؤس الاجتماعي بما يرافق ذلك من خنق تطلعات الطبقة العاملة في العيش بالرفاهية والقاء ضربة بالآمال الاشتراكية والتحررية و تهيئة الارضة لنمو المزيد من الافكار الرجعية. 

هذا، ان تحويل الصناعات الموجودة الى ايدي البرجوازيين الراسماليين الخاص في عهد الفساد الحكومي الهائل والسرقات واللصوصية الفاضحة ليس الا مصادرة وسرقة ثروات المجتمع وهذه المرة على شكل الخصصة وتبريرات الجدوى الاقتصادية واعادة الهيكلة و"الادارة العصرية" وغيرها من المفاهيم "النيو الليبرالية" التي تبرر بها الحكومة اجرائاتها. ان ما يحدث في العراق على صعيد الخصصة، بالرغم من ارتباطه بالهجمة البرجوازية العالمية والمحلية وسياسات صندوق النقد الدولي، غير انه عمليا يكمل حلقة الفساد المالي والاداري والسرقات بالجملة ويشدد مباشرة من افقار الطبقة العاملة والجماهير المحرومة. وبالتالي ان ما يجري ضد عمال وزارة الصناعة ليس امرا مرتبطا بالعمال العاملين في هذا القطاع بل يرتبط بشكل مباشر وآني بالطبقة العاملة والفقراء والمعدمين وبالمجتمع بشكل عام.

ان اي نضال جماهيري موحد لعمال هذا القطاع  سيجلب انتباه المجتمع وفي ظروف الاوضاع السياسية الحالية سيجعل من هذا القسم من الطبقة العاملة قوة مؤثرة ليس فقط في تحقيق مطالبها بل في فتح الابواب امام دخول الاعتراض الاجتماعي للعامل وسط المسارات السياسية في العراق التي تهيمن عيلها ولحد الان تيارات الاسلام السياسي والقوميين. ان انتصار الطبقة العاملة في هذا الصراع كفيل بفتح ابواب كثيرة بوجهها للتحول الى قوة مؤثرة ومقتدرة في المسار السياسي في العراق.

الطبقة العاملة في العراق بحاجة الى ان تكسب دعم الطبقة العاملة العالمية في صراعها ضد الحكومة. ان الوحدة الاممية للطبقة العاملة والتضامن العالمي ليس فقط ستترك تاثير مهم على فرض التراجع على الحكومة انما ستقوى الطبقة العاملة في نضالها السياسي داخل العراق.

الانتصار لاحتجاجات العمال في الشركات التابعة لوزارة الصناعة

مقالات