فارس محمود

كلمة حول اطلاق سراح مبارك وازلامه!

واخيراً، تم تبرئة حسني مبارك وأولاده ووزير الداخلية، وزير الاجرام والقتل المنظم، من كل الجرائم التي ارتكبوها بحق جماهير مصر. ان هذا هو الامر المتوقع جدا. ومن لم يتوقعه فهو واهم، ومن يتحدث عن "نزاهة القضاء" و"فصل السلطات" وغيرها فهو واهم. فالقضاء قضاء الطبقة الحاكمة، والقانون قانونها. ولهذا، فانها، الطبقة الحاكمة، امينة لترد الدين لمن خدموها. انها تدافع بضراوة عن أبنائها.
ليس هذا وحسب، بل تقافزت الابواق الجاهزة اساساً لمباركة هذه الخطوة وهذه "العدالة" وهذا "الانصاف"، وتحولت الثورة، ثورة الجماهير المليونية من اجل الحرية والمساواة والعيش الكريم، بين ليلة وضحاها الى حركة "تلحق الدمار بمصر"! ولكن من الواضح ان ما يقصدوه هو دمار ارباحهم والحاق الضرر بها وبتعاظمها. وليس قصدهم ذلك الدمار الروحي والمعنوي الذي ينخر بالجياع والفقراء والمحرومين في المجتمع، لا يقصدون دمار الكرامة تلك التي تدفع الملايين الى احظ الاعمال واقذرها، ودمار تلك الاخلاقيات والقيم السليمة والبناءة في المجتمع. ان معايير الانصاف والعدالة وغيرها مقلوبة في هذا المجتمع.
ان هذه الخطوة هي حلقة في مسار استرداد المسارات والأمور من ايدي الجماهير الثائرة، استرجاع مصير المجتمع من الثوار. بدأتها من الهجمة على الحركة العمالية وتنظيماتها وقادتها، لفرض الاستبداد السياسي والعنجهية السياسية على المجتمع، التطاول على الحريات السياسية والحقوق في التنظيم والتجمع، سن القوانين المكبلة للحريات في التجمع، وفرض الزيادات على الأسعار وبالأخص المحروقات، وإعادة الاعتبار لازلام النظام البائد وصولا الى اطلاق سراح قادته ورموزه سيئة الصيت. ان اطلاق سراح مبارك وازلامه لاربط له بالقانون والمحاكم، انه امر سياسي بحت وليس قانوني اطلاقاً.
ان اللحظة الراهنة هي لحظة (ولحظة متقدمة) من وأد الثورة. ان وأدت الثورة، فان مصدر ذلك هو اوهامها قبل أي شيء اخر. اوهامها بالعسكر ومؤسسة الجيش وبالقومية والوطنية وغيرها من أكاذيب وترهات الطبقة البرجوازية الحاكمة. ان تم وأدها، فان ذلك يعود عدم فصل الجماهير المنتفضة لصفوفها عن البدائل المطروحة ولم تشق طرحها وبديلها الخاصين والمستقلين للمجتمع، يدفع اليوم بالجماهير لهذا المكان جراء عدم ادامة ثورتها لحين الإطاحة بمجمل أسس هذا النظام الراسمالي البالي بقمعه واستبداده وجوعه وفقره. لقد بلغت الثورة هذا المازق لان الطبقة العاملة وصفها الطليعي وتيارها الشيوعي عجز عن رفع رايته المستقلة في خضم الصراع الدائر، ولم تفصل صفها عن الصفوف المختلفة والمتنوعة للطبقة الحاكمة ذاتها من قوميين واسلاميين وديمقراطيين وليبراليين.
لقد كسب العسكر هذه الجولة المهمة، ولحد الان هو كاسب لها، بيد ان أي امرء له ذرة اطلاع على مجتمع مصر يعلم علم اليقين انه مكسب هش الى ابعد الحدود. اذ من الصعب جدا على جماهير مصر ان تقبل بهذا الوضع الأكثر سوءاً، وهي التي انتفضت بوجهه، واطاحت بمبارك وسلطته في انتفاضة ثورية عارمة قل نظيرها في العصر الحديث. كما انه لمن الصعب جدا على جماهير رات بام عينيها قدرتها وقوتها وفي الوقت ذاته العجز التام لسلطة العسكر وحكومته امام الإرادة الموحدة للجماهير الداعية للحرية والمساواة. ان حبر هذا الحدث، ثورة مصر، لم يجف بعد، وذاكرة عشرات الملايين من جماهير مصر لازالت مشبعة بالثورة واحداثها ومساراتها، والاهم من هذا وذاك، نقاط قوتها وضعفها وسقطاتها ولحظات عدم وضوحها. مثلما يقولون ليس مثل التجربة ما يعلم البشر، ناهيك عن ان تكون هذه التجربة قد بنيت بدماء الالاف وعرق الملايين من خيرة شباب مصر وتحرريه ودعاة مساواته.
ان مجتمع مصر مجتمع حي تضطرم فيه، ولعقود مديدة، نار التناقضات والصراعات بالف شكل وشكل. انه يغلي بالحركة الاجتماعية والميتابوليزم السياسي والاجتماعي، لا يستكين، لا يهدأ، ولهذا ليس بوسع الف سيسي وسيسي اخماد النار المتاججة في داخله. بيد ان هذه المجتمع لا يحتاج الى نقد "ناقص"، "مبتور" و"غير كامل"، نقد على هذه الزاوية او تلك من زوايا المجتمع، نقد على هوامش هذا المجتمع. انه بامس الحاجة الى نقد جذري، نقد مستديم وراسخ واصولي للأخير، نقد من زاوية بديل انساني، بديل يضع الانسان وحريته ورفاهه أولا، نقد اشتراكي من زاوية عامل اشتراكي، من زاوية طبقة لا مصلحة لها بوجود الظلم والاستغلال، الفقر والعوز والفاقة، الاستبداد وخنق الحريات والحقوق السياسية والمدنية، خكومة الطوارئ والاحكام العرفية، لا مصلحة له بوجود الأديان والطوائف والتمييز الجنسي، المخدرات وبيع الجنس و انتهاك حقوق الاطفال.
لقد كان هذا النقص الأساسي لثورة مصر، ولهذا على القادة الشيوعيين للطبقة العاملة والمجتمع ان يسلحوا انفسهم بهذا النقد، بنقد ماركس وحشد قوى الجماهير المليونية مرة أخرى للجولة المقبلة من نزاع تقرير مصير المجتمع.

مقالات

فارس محمود

23/11/2015