فارس محمود

حول مناشدة برلمانيين بإعدام 1000 -مدان-!

تحدث رئيس كتلة نيابية منضوية في التحالف الوطني عن تقديمهم مذكرة طالبت رئيس الجمهورية بالتوقيع على تنفيذ حكم الإعدام بحق 1000 "مدان" بـ"جرائم" متنوعة كان قد صادق عليها القضاء، وطالبوا بمسائلة رئيس الجمهورية حول ذلك.
الادهى من هذا ان يعترض احد ما في البرلمان ويخاطب فؤاد معصوم: هذا العراق وليس اوربا، قم بواجبك بالتوقيع على تنفيذ احكام الإعدام. انه لامر مضحك. انه إقرار صريح بانتماءه لقيم الغاب وقيم الغاب التي ينوي ارسائها وترسيخها في المجتمع وان لا ربط له بمنجزات البشرية ورقيها وتمدنها! المجتمع اكثر تقدما منهم بكثير.
ايتوقع امرا اكثر من برلمان كهذا. برلمان حمل الى قبته القتلة والمجرمين الملطخة اياديهم بدماء الابرياء، الفاسدين وناهبي ثروات المجتمع، برلمان "الاسترزاق" والطفيلية، برلمان عماده القوميين والطائفيين والعشائريين وسائر النزعات المعادية للإنسان وتحرره. برلمان يفكر في كل شيء الا خدمة المجتمع ومصلحته، حرية الانسان ورفاهه.
لماذا يطالبون بتنفيذ احكام الإعدام؟ لتطبيق العدالة؟! أي عدالة يتحدثون عنها؟ واي قانون؟ انها عدالتهم التي تبيح لهم ما تبيح لانهم في السلطة، واجراء القانون بحق من هم خارجها! اهذه عدالة؟! انها عدالة ومنطق القوي، من في الحكم والسلطة. والا، من وسط هذا البرلمان، بوسعك ان تجد العشرات من اللذين اياديهم ملطخة بدماء الأبرياء، عصابات مافيا وجريمة منظمة ولصوصية ونهب سافر. برلمان تقاسم "الكوميشنات" بين الكتل واصحابها والتي لاتعني الا السلب السافر والجنوني لحد المرض بدون أي حق او رادع او ضمير.
هكذا وببساطة: اعدام 1000 "مدان"! 1000؟! الف نملة ام الف حشرة ام ماذا؟! ارتكبوا جرما في المجتمع؟! المجتمع يرسف بالجرم والجريمة المنظمة من راسه، من اعلى شخص وهيئة سياسية وحكومية حاكمة. مجتمع أقاموه هم انفسهم على أساس العداء والصراعات والاقتتالات الطائفية والقومية والعشائرية البغيضة والتصفية والتطهير الطائفي والاثني، على أساس القتل والقتل المقابل، على أساس القتل على الهوية والشيعة والسنة والكرد والعرب والمسيحيين والتركمان وغيرهم واسسوا لهذا اللغم في الدستور، وبعدها ينشدوا ان لاتشيع الجريمة والاجرام في كل زاوية من زوايا المجتمع!! انتم تحلمون! تم تاسيسه، ومن فوق، على احط القيم والاخلاقيات والاحاسيس، واولها التنكر لاحترام كرامة الانسان وقيمته الإنسانية، مجتمع ارسي على أساس "العنتكة" والفهلوة والغلاضة والجلافة الشرقية المتعفنة، قيم الاستئثار و"الانا ومن بعدي الطوفان"، قيم غياب ابسط مفاهيم الحس الجمعي والاهداف الجمعية الإيجابية. يعمموا العشائرية في المجتمع وينشدوا انهاء قيم الثار والقتل ومشاعر "قلة التحمل والصبر" وسعة البال! يعمموا قيم العشيرة والذكورية في الدوس اليومي على كرامة المراة ومسخها وينشدوا انهاء قتل النساء وانتحار النساء!
ان احكام الإعدام جائرة، في اغلبها أحادية الجانب، لجهة في الحكم بوجه جهة أخرى! أي عملية سياسية وليست فنية، ليست ارتكاب جرم. فعراق اليوم هو عراق الاجرام بكل معنى الكلمة! عملية يسيرها، في اغلب حالاتها، الحقد والثار والانتقام من اطراف "أخرى" لاتشترك معها في "الهوية"! انهم يعرفون هذا حق المعرفة. فليس من المقرر ان يؤدي تنفيذ احكام الإعدام الى تحسين الأوضاع وتراجع معدل الجريمة او إرساء مجتمع اكثر اماناً. انهم يعرفون هذا جيدا، والادهى من هذا انهم يعرفون ان "الاعدامات هذه تعقد الأمور، تخلط الأوراق اكثر، تعمق الأوضاع وتدفعها نحو مسارات اكثر شراسة ودموية. ولكن لايهمهم هذا. انهم وبمعنى ما ليسوا سياسيين، أي بمعنى ان يقراوا الأوضاع، يروون الأمور واسبابها وسبل تخفيف مسار ما او غير ذلك. ان الحقد الموغل تجاه الاخر والسعي لاقصائه وتركيعه واذلاله باي ثمن هي كل بوصلتهم! لم لا والامر يتعلق بمصالحهم وثروتهم وجشعهم المرضي.
ان اعمال مثل هذه تدفع المجتمع اكثر واكثر صوب الهاوية، قد يقول احد ما ثمة هاوية اكثر من هذا؟ نعم، فالمديات التي بوسع الطائفيون والقوميون في العراق ان يرموا المجتمع فيها هي ابعد مما يتصوره احد، بوسعهم ان يبيدوا المجتمع، ان لم يتدخل المجتمع وقواه الساعية لمجتمع اكثر حرية ورفاه واولهما عمال العراق وكادحيه وتحديدا عمال نفط العراق الذي هم من بوسعهم خنق هذه السلطة، خنق مصدر بقائهم وثروتهم واقتدارهم والذي لم ينل منه المجتمع الا الكفاف، وكنس أطرافها من حياة المجتمع وصيانة المجتمع من مستقبل اكثر كارثية من هذا.
ان العملية السياسية الراهنة وقواها هي الطرف الأساسي في خلق هذا الاجرام بنوعيه السياسي (أي ذا اهداف سياسية) او الاجتماعي لانها ببساطة كانت طرف أساسي واول في خلق أرضية الاجرام هذا سواء من حيث مسارات العملية السياسية او من حيث إشاعة احط القيم والممارسات والتقاليد والأفكار والاخلاقيات في المجتمع، خلقتها وغذتها واشاعتها وارستها بوصفها ركائز أساسية ولاغنى عنها في المجتمع.
وما اود قوله أخيرا هو ان "عقوبة" الإعدام ليست عقوبة اساسا. انها جريمة. جريمة باسم القانون والدولة والقضاء المسيس أساسا في العراق. المواطن يقتل (هذا اذا افترضنا ان السبب هو القتل) والدولة تعدم! وعمل الأخير ابشع من الأول بما لايقاس، لان ان كان فعل الأول قد حددته ظروف وأوضاع وملابسات هي في اغلبها خارج نطاق "سيطرة" الأول، فان الاخير يقوم بهذا العمل عن قصد وإصرار وتحديد لساعة فعلته الشنيعة.

مقالات

فارس محمود

23/11/2015