عادل احمد

نتائج تدخل حلف الناتو في ليبيا!

تدخل حلف الناتو في ليبيا عام 2011 اثناء التظاهرات الجماهيرية التي عمت اكثرية المدن الليبية وقتها ضد حكم الرئيس معمر القذافي. ان التظاهرات استلهمت من الثورة التونسية والمصرية طريقها للقضاء على الحكم المستبد للقذافي ونظامه الدموي طوال ثلاث عقود من الزمن، ومن اجل أقرار الحريات والقضاء على الفقر والبطالة وأعادة ارتباط ليبيا بالعالم الخارجي. ان هذا الحلم لدى الجماهير بالرفاه والقضاء على الديكتاتورية القذافية قد ابيد مع بدء الناتو بالتدخل في الصراع الدائر انذاك، بين قوات حكومة القذافي من جهة والمنشقين وعملاء الغرب والفصائل الاسلامية من جهة اخرى. ان تدخل حلف الناتو بحجة الدفاع عن الشعب الليبي بالضد من الديكتاتورية، حتى في ذلك الوقت كان موضع السخرية حتى من قبل الساسة الليبراليين والبرجوازيين في الغرب. ولكنها كانت الطريقة الوحيدة لاخماد المد الثوري في المنطقة العربية والتي بدأت شرارته في الثورة التونسية والقضاء على حكم بن علي ونظامه وكذلك حكم مبارك في مصر.
دمر الناتو في قصفه ليست فقط القوات العسكرية الليبية، بل وجميع المظاهر الحضارية والمدنية ودمر اكثرية المنشات الصناعية والخدمية، وأنزل مئات الالاف من القنابل والصواريخ على رؤس الابرياء والعزل وكذلك العسكريين في الجيش الليبي. وقام الناتو بتسليح الميليشات الاسلامية والقومية بأنواع الاسلحة والعتاد العسكري خوفا من نهوض الجماهير بقدرتهم وافاقهم المستقلة وبأرادتهم المستقلة، كما في حالة ثورتي تونس ومصر. ان تدخل الغرب عن طريق حلف الناتو كانت بمثابة قمع للثورات والنهوض الثوري في المنطقة العربية. وساند هذه الحملة جميع دول الخليج تقريبا اضافة الى تركيا مع صمت روسيا الدولة القريبة من نظام القذافي انذاك. وان احدى اهداف مشاركة الناتو كانت ايضا اضعاف دور روسيا في الشرق الاوسط والعالم العربي.
واذا نظرنا الى ليبيا بعد اربعة سنوات من سقوط القذافي ونظامه، نلاحظ اهداف الناتو الحقيقية بوضوح من تدخلها وليس ادعائاتها الكاذبة انذاك بدفاعها عن الشعب الليبي وعن مصيره. نلاحظ بأن اهداف الناتو وسياساته حققت بالكامل وهي ابعاد الجماهير وأنهاء المد الثوري والقضاء على الارادة المستقلة للجماهير في تقرير مصيرهم بنفسهم. واليوم نلاحظ بأن الجماهير العمالية والكادحة ليس بلا ارادة فقط بل واصبحت حياتهم ومعيشتهم مهددة يوميا، وارادتهم الانسانية مسحوقة بين الحروب والاقتتال الدائر بين المليشيات الاسلامية والجماعات المتصارعة على السلطة. فتحولت ليبيا من دولة واحدة مستبدة الى عدة دويلات مستبدة تحكمها شريعة الغاب، الاقوياء يقتلون ويأكلون الضعفاء. وتدخل الدول الاقليمية يوميا في الشؤون الليبية ولدى كل طرف عملائه وميليشياته الخاصة من اجل السيطرة والتحكم بتدمير كل ما تبقى من الانسانية والمدنية.
ومن الاسوء ايضا تدخل تركيا بدعم الجماعات الاسلامية المتنوعة وخاصة داعش الليبي كما ورد على لسان حكومة عبدالله الثني، بأن تركيا تصدر الاسلحة للجماعات الاسلامية مثل "فجر ليبيا" لكي تقاتل القوميين والميلشيات الاسلامية الاخرى. ان التدخل التركي بدعم الاسلاميين والاعتراف بحكوماتهم نابعة من الحلم العثماني لدى الدولة التركية الاردوغانية في العالم العربي. تهميش العلمانيين من قبل الغرب في ادارة الدولة اثناء تعميق الازمة الرأسمالية العالمية، وعدم وجود افاق واضحة لدى البرجوازية العالمية لحل هذه الازمة. فان تركيا كعضو في حلف الناتو تخدم الدول الغربية بحلمها العثماني وحلم أعادة الخلافة الاسلامية اكثر من غيرها من القوميين والليبراليين في تمرير فترة الازمة وعلى الاخص في منطقة الشرق الاوسط والعالم العربي. ان عدم قدرة القوميين العروبيين لابداء رؤية واضحة لرسم الخارطة السياسية اثناء الازمة الاقتصادية، فأن البديل الاسلامي يكون حاضرا في تخريب البنية الاقتصادية والمدنية والسياسية للمجتمع، مثلما قدمت النازية والفاشية تلك الخدمة اثناء مرور العالم في الازمة الاقتصادية من اواخر العشرينات وحتى اوائل الخمسينات في القرن العشرين. وليس مستغربا بأن الغرب يدعم تركيا وسياساتها في الخفاء وبأستمرار في العالم العربي مع بعض التحفظات في العلن.
ان الشعور بمخاطر الغرب وخاصة امريكا بالتدخل في شؤون الدول العربية لدى الجماهير العمالية والكادحة، مبنيا على التجربة الواقعية والنتائج الكارثية للسياسات الغربية في حياة ومعيشة الجماهير المحرومة. فأن طوال تأريخ تدخل دول الغرب سوى بأستعمارها او مساندتها المستمرة للحكومات المستبدة في السعودية ومصر والعراق وتونس والجزائر والمغرب وغيرها، ترسخت النظرة القائلة بأن الغرب وراء كل الويلات والمأسي. ولكن عندما يتدخل الغرب عن طريق البديل الثاني امثال تركيا وقطر والسكوت على وحشية عملائهما فأنه يقلل نوعا ما من وحشية السياسات الغربية في دول العالم العربي. كما وان ضعف اليسار البرجوازي العربي، مكن من تقوية الجناح الرجعي في الحضور الى ميدان السياسة بصلابة، ومكن من ظهور جماعات اكثر وحشية امثال داعش والقاعدة في العالم العربي.
وان ضعف اليسار البرجوازي مرتبط بوجود الضعف في اليسار العمالي في المجتمع. ان الحركات الاجتماعية المختلفة تتاثر ببعضها البعض. ان وجود حركة عمالية قوية، ستقوي اليسار داخل الحركة العمالية وتقوي معه اليسار البرجوازي ايضا. ففي حالة بروز اليسار العمالي كقوة في الميدان لن يكون للبرجوازية المحافظة والرجعية موطئ قدم في المجتمع، وبذلك يستطيع جناح اليسار البرجوازي الحضور مع بعض التنازلات والاصلاحات من اجل الدفاع عن سلطة البرجوازية. وان في يومنا هذا ومن خلال سيطرة البرجوازية الرجعية على سياسات الدول العربية، هو الدليل على الضعف اليسار البرجوازي وفي نهاية الامر عدم وجود يسار عمالي قوي في المجتمع العربي. وان انهاء الوضع المأساوي والمزري مرتبط بوجود اليسار العمالي والاشتراكية العمالية وحضور الطبقة العاملة وحركتها بقوة في الصراعات الجارية في المجتمع.

مقالات